الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يُعزى إخفاق تجارب التنمية الاقتصاديَّة في تحقيق أهدافها إلى عوامل عديدة متباينة وفقًا لطبيعة التجربة ومرحلتها التاريخيَّة. من بين العوامل الأكثر تأثيرًا؛ اعتماد نماذج اقتصاديَّة مبنيَّة على فرضيات خاطئة وتوقُّعات لا عقلانية ، وتفاؤل مفرط في قدرة الخطط على تحقيق أهدافها. هذه الأخطاء التخطيطيَّة، ” تفاؤل مفرط وفرضيَّات خاطئة”، أفرزت تبعاتٍ كارثيَّةً واختلالاتٍ هيكليَّة عميقةً، استمرَّ تأثيرها لعقود من الزمن.
إبَّان سبعينيَّات القرن الماضي، اعتمدت دول عديدة كألمانيا واليابان والصين وسواها استراتيجيَّة تنمويَّة ركَّزت على تطوير صناعات مخصَّصة للتصدير، ولحق بركبها عدد من دول شرق آسيا الناشئة اقتصاديًّا، أطلق عليها “النمور الآسيويَّة”. هذا الخيار التنموي، مكَّن الدول المذكورة من تطوير اقتصادها وتحقيق معدَّلات نموٍّ مرتفعة في ناتجها المحلِّي الإجمالي. كما قدَّم مسارًا للخروج من (ازمات الانكماش الاقتصادي). فالخيار التصديري على سبيل المثال، أتاح لكلٍّ من ألمانيا واليابان علاجًا ناجعًا لِتراجع مستوى الإنفاق الاستهلاكي فيهما من جرَّاء النتائج المدمِّرة للحرب العالميَّة الثانية.
نجاح استراتيجيَّات النموِّ القائم على الصادرات خلال تلك المرحلة، يرجع بشكل أساس إلى تفاقم الطلب الاستهلاكي في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة والدول الصناعيَّة، وعجز الطاقة الإنتاجيَّة المحليَّة عن تلبية الطلب، وكذلك إلى النموِّ الكبير المفاجىء لاقتصاد الدول المنتجة للنفط، وغيرهما من الأسباب. كما أسهم تدفُّق الاستثمارات الأجنبيَّة الهائل إلى الاقتصاد الصيني والدول الآسيويَّة الناشئة في رواج الصناعات المخصَّصة للتصدير، ونجاح الاستراتيجيَّة.
لا جدال في أنَّ تطوُّر اقتصاديَّات ألمانيا والصين واليابان، ودول شرق آسيا بمعدَّلات قياسيَّة في تلك المرحلة، ارتكز على استراتيجيَّة النموِّ الاقتصادي المعتمد على التصدير، ونجاحها في من زيادة حجم الإنتاج، وتحسين الكفاءة الانتاجيَّة. لم يكن – بكلِّ المقاييس- مهمَّة يسيرة. فقد سبق أن فشل في تحقيقها كثيرمن الدول النامية. الجدير بالملاحظة، ان هذه التجربة الاقتصاديَّة المثيرة لم تغر اقتصاديَّات ناشئة أُخرى مهمَّة لتبنِّيها،كجمهورية الهند التي فضَّلت اتِّباع خطَّة تنمويَّة قائمة على تأسيس قطاعات اقتصاديَّة تخدم الاقتصاد الوطني “المحلِّي”، مستفيدة من سياسة الحماية التي فرضتها الدولة منذ بداية الستينيَّات.
لقد نجحت استراتيجيَّات النموِّ القائم على التصدير في خلق قطاعات صناعيَّة وطنيَّة تصديريَّة منافسة و كفؤة، أسهمت في تنمية الاقتصاد بشكل سريع في عدة دول ، إلَّا أنَّها فشلت في استدامة النمو، وتقليل صدمات الاقتصاد العالمي.
على صعيد الاقتصاد الوطني، في المراحل الأُولى من عمر التجربة، تمكَّنت تلك الدول – بفعل ميزتها التنافسيَّة الناجمة عن الأُجور المتدنيَّة- من بناء قطاع تصديري فعَّال، وتأمين أسواق لمنتجاتها. إلَّا أنَّ تطوُرالصناعات التصديريَّة، وزيادة معدَّل الأجور لاحقًا، أفقدا منتجاتها الميزة التنافسية النسبيَّة، فتراجع حجم الصادرات، وأمست عمليَّات التصدير أكثرصعوبة، فتوقفت خطط التنمية وتعثَّرت مشاريعها. وأدَّى التركيز على الصادرات أيضًا إلى تغافل الإدارات الاقتصاديَّة عن تعزيز عناصرالمنافسة الداخليَّة، وتطوير كفاءة الإنتاج في قطاعات الاستهلاك المحلِّي. يُضاف إلى ذلك اتّباع تلك الدول هذا النهج التنموي، دفعها الى الاقتراض الهائل لتمويل الاستثمارات الصناعيَّة الضخمة الموجهة للتصدير، فوضعت نفسها في مأزق اقتصادي ومالي كارثيِّين من جرَّاء تراجع حجم صادراتها، وعجزها عن تأمين أسواق مستقرَّة لمنتجاتها.
تبعات تجربة النموِّ المعتمد على الصادرات، وتأثيراتها في الاقتصاد العالمي لم تكن أقلَّ حدَّة من مثيلاتها على اقتصاد الدول. فقد سعت دول الفائض الصناعي والطاقة التصديريَّة الكبيرة إلى زيادة العرض العالمي من السلع. وتمكَّنت من تسويق منتجاتها بتقديم تسهيلات اثتمانيَّة طويلة الأمد لتغطية أثمانها ، من إغراء دول كثيرة لاستيراد منتجاتها… الأمر الذي سبَّب ارتفاع حجم ديونها الخارجيَّة، واختلال ميزان مدفوعاتها. وعانت لاحقًا من تبعات عجزها عن تأدية التزاماتها الماليَّة، فاضطرت إلى الخضوع لقيود ماليَّة وسياسيَّة.
في السياق ذاته، اقتضى نموُّ قطاع الصناعات المخصَّصة للتصدير في كلٍّ من أندنوسيا وكوريا وماليزيا وسواها في ثمانينيَّات القرن الماضي استقطاب استثمارات أجنبيَّة ضخمة لتمويل المعدَّات والآلات والمكائن المستوردة. هذا الإنفاق الاستثماري تحوَّل لاحقًا إلى عبء مالي ثقيل أثَّر انهيار صادراتها، وانسحاب المستثمرين الأجانب، وسحب أموالهم المحميَّة باتِّفاقيات تجيز لهم التراجع.
ما هي أبرز مخاطر استراتيجيَّة التنمية الاقتصاديَّة المعتمدة على الصادرات على نموِّ الاقتصاد الوطني واستقراره؟
ثمَّة جملة من المخاطر والتحدِّيات التي قد تنجم عن اعتماد الصادرات مرتكزًا أساسًا للنمو ِّالاقتصادي، وتقتضـي الضرورة مراعاتها عند تطبيق هذا الخيار! ولعلَّ أهمُّها وأكثرها حدَّة :
لقد تمكَّنت دول عديدة من تحقيق تراكم رأسمالي كبير، ومستوى رفاهية مرتفع، وبناء أطر اقتصاديَّة واجتماعيَّة وطنية متطوِّرة من خلال تطبيق خطط تنمويَّة وبرامج متوازنة تمتلك عناصر القدرة على الاستمراريَّة، وتستهدف تحقيق نموٍّ معقولٍ وثابتٍ لمرحلة زمنيَّة طويلةٍ نسبيًّا، وتجنُّب النموٍّ السريعٍ، وإلافراط في التفائل، وتحديد مستهدفات لا تنسجم مع الموارد الاقتصاديَّة والبشريَّة المتاحة .
ويبقى السؤال الأهم؛ هل اعتماد استراتيجيَّة النموِّ القائم على الصادرات يقود إلى تنمية الاقتصاد؟ أم ان نموُّ الصادرات يعدُّ نتيجة حتميَّة للنمو الاقتصادي؟سؤال مهمٌّ يستحقُّ تحليلًا معمَّقًا ودراساتٍ مركزَّةً.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال