الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تواجه الجهات التشريعية المالية حاليا إشكالية تنظيم الأصول المالية الرقمية، والتي تعزو بشكل أساس إلى عدم إدراك المشرعين في عدد من دول العالم لماهية الأصول المالية الرقمية، فالعديد من الجهات التشريعية تتبنى نهج عام يتمثل في تكييف جميع الأصول المالية الرقيمة كأوراق مالية.
للأصول المالية الرقمية أنواعا ثلاثة: أولا عملات رقمية تعمل كوسيط للتبادل، ثانيًا الأصول الرقمية المدرجة التي تهدف إلى تسجيلها كأوراق مالية تسمى “رموز الأصول”، ثالثًا رموز الخدمة. كل نوع منها يختلف اختلافا جذريا عن الآخر من ناحية الغرض والخصائص، وبالتالي يجب أن يكون لكل نوع من الأصول الرقمية متطلبات وبنية قانونية مختلفة.
ومع حقيقة أن العملات الرقمية كالبيتكوين وغيره يوجد إجماع أكاديمي عليها بأنها لا تعد عملات بمفهومها الحالي، إلا أنه لازال هناك غموض يتعلق بالأصول المالية الرقمية فيما إذا كانت تعد أوراقا مالية أم لا، والذي ظهر جليا في تكييف وتعامل عدد من الدول والتي تعد من الأكثر انفتاحا على الابتكار المالي.
فالولايات المتحدة الأمريكية والتي تعد من الدول الرائدة في قوانين السوق المالية والتي يحذو حذوها عدد كبير من الدول تعد تشريعاتها في هذا الخصوص قديمة ومتأخرة عن مواكبة التطور الحاصل للأصول المالية الرقمية والعملات المشفرة. فالقانون الحالي المطبق في الولايات المتحدة الأمريكية هو قانون”Howey”١٩٤٨ المتعلق بتحديد ماهية الأوراق المالية. فبالإضافة إلى حقيقة أن القانون يعد قديم، فهذا هو القانون المطبق حاليا على الطرح الأولى للأصول المالية الرقمية والتي تسمى Initial Coin Offering ” والذي يعاملها معاملة أوراق مالية تقليدية كالأسهم والسندات.
فوفقا لهذا القانون تعد أوراقا مالية إذا توفرت أركان ثلاثة: أولا إذا صدرت عن جهة مصدرة عبر عملية طرح، ثانيا كان الطرح لأجل توفير سيولة من أجل أعمال المصدر وأن يكون خاضعا تحت إدارته المركزية، ثالثا احتمالية حصول المكتتبين على مكاسب رأسمالية في المستقبل. إلا أن العديد من الأصول الرقمية الحالية منفصلة هيكليا وماليا عن المصدر ولا تخضع لإدارته المركزية كما في Utility Tokens بالإضافة إلى أن حقوق المكتتبين فيها تكون محدودة بحق الحصول على منتجات وخدمات مقدمة من الجهة المصدرة.
رموز الخدمة أو Utility Tokens يقصد بها طرح عدد من الرموز الرقمية من قبل جهات تقدم خدمات أو تطرح سلع ومنتجات للجمهور. فهي تحقق عدد من المزايا للجهات المصدرة. أولا الحصول على السيولة بعيدا عن الوسائل التقليدية كأدوات الدين أو الملكية كالأسهم، ثانيا المحافظة على العملاء وولائهم، ثالثا تسويق السلع والخدمات المقدمة من الجهات المصدرة. فهي الخيار الأمثل للعديد من القطاعات كالقطاعات الخدمية والبيع بالتجزئة. إلا أنه يشترط لنجاحها عدة اشتراطات. أولا: يجب وضع قيود على حق الشركات المساهمة المدرجة في طرحها حيث أن الشركات المساهمة عند طرحها لهذه الرموز ستسبب حالة من عدم اليقين بشأن إيراداتها بسبب اللامركزية والتي ستؤثر على حقوق المساهمين.
ثانيا: عمليات الطرح الأولي لرموز الخدمة لا ينتج عنها أية تكلفة مقارنة بالاكتتابات العامة مثل مصاريف الاكتتاب والمصاريف القانونية والضرائب المفروضة على إجمالي مكاسب رأس المال والتي قد تؤدي إلى عدم وجود قيمة مضافة للاقتصاد في عمليات الطرح الأولي للرموز. ثالثا: يشترط لنجاح رموز الخدمة استخدامها كوسيلة للتبادل فقط بين الجهة المصدرة وعملائها لذلك يجب منع مديري الصناديق الاستثمارية وصناديق التحوط من شرائها حتى لا تكون لغرض المضاربة. رابعا: يجب الحرص على أن يكون الهدف هو الوصول إلى العملاء المستقبليين الذين سيساعدون في تحديد كمية طرح الرموز ونطاقها السعري.
طرح رموز الخدمة أصبحت العملية الأكثر شيوعا في عمليات الطرح الأولى للعملات. ففي ٢٠١٨ أكثر من ٥٥٠٠ مشروع تم تمويله من خلالها مما يعني أن هناك حاجة لتوفير مصدر بديل جديد للتمويل مقارنة بالمصادر التقليدية مثل رأس المال الاستثماري أو تمويل المستثمرين الملائكة فهي تمثل الحل المقترح للشركات الناشئة والتي تواجه صعوبة في مصادر التمويل الأخرى. بالإضافة إلى أنه سيحقق عدد من الأهداف مثل أنه سيساعد في ترويج المنتج والمحافظة على ولاء المستهلك والذي ينشأ من الالتزام المستمر. إلا أنه يجب أن يكون مصحوبًا بمتطلبات مثل الكتاب الأبيض الإلزامي الذي يلخص تفاصيل الطرح والميزانية والإجراءات وفترة الإقفال ومعايير التسعير وطريقة التوزيع وما إذا كان قد سبق للجهة جمع أموال من مصادر أخرى. حيث أن عمليات الطرح الأولي للعملات الحالية تكون خلال كتاب أبيض طوعي غير اجباري يفتقر في كثير من الحالات إلى المعلومات الهامة الأمر الذي جعلها هدفا لعمليات النصب والاحتيال.
وفي النهاية بعد استعراض ماهيتها وخصائصها، تتضح حقيقة أن اصدار رموز الخدمة تختلف اختلافا جذريا عن الأوراق المالية التقليدية وبالتالي يجب أن تطبق عليها القواعد القانونية الخاصة بالمستهلك وليس القواعد القانونية الخاصة بطرح الأوراق المالية.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال