الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
نشأ القانون التجاري نشأة عرفية، وتتابع الناس في أسواقهم يتعاملون وفق ما تعارفوا عليه حتى دونّت نصوص القانون التجاري ورست أبرز معالمه فلا تكاد تخلو دولة مدنية من قانونٍ تجاري ينّظم تصرفات أفرادها، ومع ذلك بقي العرف التجاري محتفظًا بأصالته ومن أهم استمدادات القانون التجاري مع دوران الزمان، وتغير الأحوال، واختلاف البلدان. ويُرجع إليه في حال النزاع بين الأطراف فيما لا نص فيه. وهو قد يكون مكملاً للقانون فيما لا نص فيه، وقد يكون مساعدا للقانون فيما ورد فيه النص؛ وذلك بتفسير النص أو تفسير إرادة الطرفين وتصرفاتهم. والقانون التجاري كما عرفه بعض الباحثين ” قاعدة أو سنة اعتاد التجار على اتباعها بالتواتر مع اعتقادهم بقوة إلزامها، وضرورة احترامها والعمل بأحكامها” ويجب لاعتباره أن يتوفر فيه ركنان. الأول أن يكون عادة معينة فترة من الزمن بحيث يستقر التعامل وفق هذه العادة. والثاني: أن يعتقد الناس إلزامية هذه العادة. وهو أنواع: فمنه ما يكون دوليا: كالمتعلق بالبيوع الدولية ويرجع في ذلك للأعراف الدولية، ومنه ما يكون محليا أو يتعلق بمنطقة معينة: فيُرجع فيه لعرف تلك المنطقة، ومنه ما يكون خاصا بتجارة معينة أو أهل صنعة معينة: فيرجع فيه لعرفهم. وهو كذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان فما كان عرف في مشرق الأرض فقد لا يكون عرفًا في مغربها وما كان عرفًا قبل خمس سنوات فقد لا يكون في عرف اليوم من شيء.
ومن أبرز الأمثلة التي يُرجع فيها للعرف: مسائل وطرق قبض البضائع التجارية، واستلام الأموال، والمستندات والأختام اللازمة لإتمام الصفقات، وحدود تصرفات الشركاء فيما بينهم، والأعراف المتعلقة بأعمال البنوك والمصارف، والأعراف المتعلقة بالبيوع البحرية، والاستثمارات العالمية والمعادن. وهو وإن كان لبعضها أنظمة خاصة تنّظم مسائلها إلا إنها لا تنفك عن العرف التجاري فيما لا نص فيه. وكل هذا يتطلب من القاضي الذي تُعرض أمامه هذه المسائل؛ العلم بالأعراف والعادات التجارية الدولية والمحلية، إذ العرف التجاري بمثابة قاعدة يقع عبء إثباتها على القاضي، فيجب أن يتأكد من وجوده ثم يحكم به في النزاع المعروض أمامه وحتى دون طلب الخصوم، وفي كل حال على أطراف الخصومة التأكيد والتنبيه على وجود العرف التجاري للقضاة، فهم على فضلهم وعلمهم ليسوا تجارا ويتعذر عليهم الإلمام بالأعراف التجارية لعدم تدوينها في الغالب واختلافها مع الوقت، بعكس القانون ففي الغالب توّفر مادته؛ فيكون اجتهاد القاضي في إسقاط الواقعة على نص القاعدة مستنتجا حكمه فيها، أما العرف فيقع اجتهاد القاضي في إثبات كونه عرفا أولا ثم إسقاط الواقعة عليه. ويكون ترتيب العرف من حيث إلزاميته مع وجود النص وفق هذا الترتيب: فيُقدم نص القانون، ثم ما أتفق عليه الأطراف في العقد، ثم العرف التجاري؛ إذ المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.
ولا تزال العقود والتعاملات التجارية مستمرة وتتطلب من المختص الإلمام بالمبادئ المتعلقة بها خاصة في هذه الأيام التي نشهد فيها اتساع كبيرا في النشاطات التجارية والاقتصادية ودخول عدد كبير من الشركات للسوق المحلي مما قد يتولد عنه بعض الإشكالات القانونية ويكون العرف أحد مصادر الحكم فيها فيما لا نص فيه.
وقد أقر المنظم السعودي الكثير من التشريعات فيما يتعلق بالتجارة وأنظمتها وراعى في ذلك الأعراف الدولية فيها؛ ومن ذلك ما يتعلق بنظام الشركات وأنظمة الإفلاس أو ما يتعلق بالعلامات التجارية والملكية الفكرية ونحوها، وكان من آخر الأنظمة نظام المحكمة التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/٩٣) وتاريخ ١٥/٠٨/١٤٤١ه فمواده حافلة بالعرف التجاري في أكثر من موطن بل إن الفصل التاسع منه خاص بالعرف التجاري ونصت المادة السابعة والخمسين من ذات النظام على أنه ” فيما لم يرد فيه نص خاص، أو اتفاق بين الأطراف على غيره؛ يجوز الاستناد إلى العرف التجاري، أو العادة بين الأطراف. وعلى من يتمسك بالعرف أو العادة أن يثبت وجودهما”.
وجاء في اللائحة التنفيذية لذات النظام أن على المحكمة التجارية أن تستند إلى العرف التجاري المستقر ولها عند الطعن فيه أن تستعين بمن تراه لإثبات وجوده أو عدمه، بل حتى في أبواب الإثبات كالشهادة إذ يمكن الطعن في شهادة الشهود في حال كانت الشهادة على مخالفة عرف تجاري مستقر إذ نصت المادة الثالثة والعشرون بعد المئة من اللائحة على أنه “لا يقبل الإثبات بالشهادة في المحل غير القابل لها…كالشهادة على خلاف ما اشتمل عليه عرف تجاري مستقر “ وكذلك في طريقة التعويض إذ نصت المادة الرابعة والستين بعد المئة” أن على المحكمة عند تقدير التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية أن تراعي العرف والعادة المستمرة”. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن باب التعويض عن الأضرار المعنوية موضوعٌ لم يتم تنظيمه بعد لصعوبة تقديره؛ ولعدم وجود ضابط يضبطه، ولكن يمكن الاستئناس بهذه المادة عند طلب التعويض.
ويمكن للمحكمة إثبات العرف عن طريق الاستعانة بالخبراء كالغرف التجارية أو الاستعانة بالقطاع الخاص ونحوهم. ولابد التأكد في كل حال ألا يخالف العرف الشريعة الإسلامية، أو نصا نظاميا، أو ما تعاقد عليه الأطراف فإذا خالف شيء مما سبق فلا يعتد به. وهو ملزم لأطراف النزاع التجاري وإن جهلوه أو لم يعلموا بكونه عرفا لأن العرف كالقانون لا تجوز مخالفته.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال