الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لا يتناول المريض دواءً إلا بوصفة دقيقة من طبيب معترف به، هذا ما ينص عليه نظام مزاولة المهن الصحية السعودي حيث حظر على الصيدلي صرف دواء إلا بوصفة صادرة من طبيب مرخص، وفي حال ارتيابه من خطأ ما فعليه الاستيضاح من الطبيب. وذلك يعود إلى أن الدواء له أعراض جانبية تصل إلى الوفاة، فالتهاون فيها يجعل المستشفى أو الطاقم الطبي – بما فيه الممرضين المباشرين عند تناول المريض الدواء – تحت طائلة المسائلة. وبالمثال يتضح المقال حيث سنستعرض هنا مثالين أحدهما من إنجلترا والآخر من الولايات المتحدة الأمريكية لنتعرف على مآلات الجرعة الزائدة من دواء صحيح، فكيف إذا كان الخطأ في ذات الدواء.
الحالة الأولى كانت مع السيد إريك حين دخل المستشفى عام 2005 لآلام حادة يعانيها في ظهره، وقد شُخص بخراج في العمود الفقري مما جعل الطبيب يصف له مضادات حيوية ساعدته على التحسن وقتها، بيدَ أن الألم استمر وإن لم يكن بالقوة السابقة. وتخفيفاً من آلامه؛ أُعطي جرعات من المواد الأفيونية القوية مما أدّى إلى توقف التنفس ثم سكتة قلبية لم يتمكن معها الطبيب من تدارك الأمر؛ فمات. نعم، مات السيد أريك، وحزنت زوجته وذووه. لكن أرملته لم تهنأ حتى تواصلت مع المحامي ديفيد توماس الذي أرسل خطاباً إلى صندوق الصحة القومي NHS مدعياً أن الوفاة كانت بسبب جرعات كبيرة من المواد الأفيونية، إضافة إلى عدم نقل المريض بسرعة بعد توقف التنفس الأولي. أجاب الصندوق بأنه وإن كانت الجرعات تحتاج إلى طريقة أفضل في تناولها والتي لم يقم بها الممرضين على الوجه الأكمل إلا أننا ننكر أن تكون كمية الجرعات غير مناسبة، وأما بالنسبة للرعاية الطبية فإنها فعلاً لم تكن بالمستوى المأمول حيث كان يجب نقل المريض إلى العناية المركزة بمجرد حصول الاضطراب في التنفس. استعان الطرفان بأطباء خبراء لإعطاء رأي حول القضية، بيدَ أن الآراء تضاربت حول السبب النهائي للوفاة. وعلى الرغم من ذلك، فإن اعتراف المستشفى بتدني مستوى الرعاية قد عزز موقف الادعاء مما جعل المفاوضات تستمر حتى الانتهاء إلى تسوية بتعويض كبير رضي به الطرفان.
الحالة الثانية كانت مع السيدة لوثان في ولاية كونيتيكت في الولايات المتحدة حيث تعدُّ حالتها من أسوأ الحالات التي تحصل في المستشفيات، ذلك أنها في عام 2007 وهي في عمر 72 عاماً ذهبت إلى مستشفى بريدجبورت لتلقي علاجاً من عدوى بسيطة في المسالك البولية. ورغم كبر سنّها إلا أنها كانت تتمتع بروح طيبة وصحة جيدة وحيوية متألقة، ورغم أن حالتها لا تشي بشيء من الخطورة إلا أنها ظلت في المستشفى 75 يوماً فلم تخرج إلا على كرسي متحرك وتشكو – في الوقت ذاته – من أمراض متعددة. لذا، رفعت دعوى ارتكزت أساساً على تلقيها جرعة زائدة من عقار لوفينوكس Lovenox ( وهو دواء مضاد للتخثر ويعتبر آمناً في حال استخدامه بكميات طبيعية). في دعواه قالت بأن المستشفى قد زاد في الجرعة حتى توقف تنفسها ثم توقف قلبها حيث كان الإنعاش الرئوي سبيلاً لإبقائها حيّة بعد إصابتها بنزيف داخلي احتاجت معه إلى عمليات نقل الدم والعديد من العلميات الجراحية للسيطرة على النزيف الداخلي، الأمر الذي ضاعف مرضها مما اضطر الأطباء إلى إدخال خط مركزي في الوريد في رقبتها لتأخذ عن طريقه المحاليل والأدوية، وقد أدى ذلك إلى ظهور خراج بحجم البرتقالة بسبب عدوى بكتيرية. لذا لا غرابة – والحالة هذه – أن تخرج السيدة لوثان بعد 75 يوماً وهي على مقعد متحرك. وعلى أي حال فقد تعاطفت معها هيئة المحلفين في ولايتها ومنحتها مبلغاً يتجاوز تسعة ملايين دولاراً تعويضاً عن التكاليف الماضية واللاحقة، إضافة إلى فقدانها القدرة على الاستمتاع بحياتها.
إن هاتين الحالتين تنضح ألماً وبؤساً بسبب خطأ في كمية الدواء مما أدى إلى وفاة الأول وشلل الثاني نظراً لخطأ الممرضة في زيادة الجرعة للأول، وخطأ الطبيب في التوصيف الدقيق للثاني. في المقابل، قد يكون الخطأ في زيادة الجرعة عائد إلى عدم متابعة الطبيب لما يستجد في علم الأدوية حيث تقتضي العناية الواجبة اهتمام الطبيب بمتابعة كل جديد في مجاله من أجل تقديم عناية مناسبة لمرضاه وفقاً للأصول العلمية سواء في مرحلة الفحص أو التشخيص أو كتابة الوصفة الطبية أو الجراحة. وطالما أن التعاقد مع الطبيب يشبه التعاقد مع المحامي في أن كلاً منهما مطلوب منه بذل العناية لا تحقيق الغاية؛ فإن على الطبيب العمل بما جرى عليه العرف بين الأطباء، وعليه أن يُلمّ بأحدث المعلومات الصحية والتطورات الحديثة في صناعة الأدوية وسبل العلاج، كل ذلك حتى يبتعد عن نطاق المحاسبة والمسؤولية التقصيرية أو العقدية.
في هذا السياق، أُدين طبيب حين خدّر مريضاً تمهيداً لإجراء عملية جراحية، بيدَ أن جرعة التخدير كانت تحتوي على جرامين من كلوريد يدريك الكوكايين مما تسببت في وفاته. وعند المساءلة القضائية احتج الطبيب بأنه كان يستند في إعطاء هذه الكمية على ما جاء في كتاب “الجراحة” للأستاذ “تييو” المطبوع عام 1889 والذي ينص فيه على تلك الكمية. وقد كان هذا الكتاب ضمن الكتب التي درسها أثناء دراسته للطب، لكن تبين أن مؤلف الكتاب قد تراجع عن ذلك حين اتضح له خطورة الجرعة فخفّضها في الطبعة التالية والتي لم يطّلع عليها الطبيب؛ فقضت محكمة ليون الفرنسية ببراءته نظراً لاعتماد الطبيب على مرجع علمي كان معترفاً به في المجال على أي حال، إضافة إلى أن سبب الوفاة قد يكون راجعاً إلى تصلب الشرايين التي كان يعاني منها المريض وليس الجرعة الزائدة من الدواء. وبرغم ذلك، فقد انتُقد هذا الحكم لعدم اعتنائه ببحث المشكلة بحثاً دقيقاً، حيث وإن أُخذ في الاعتبار حسن النية لدى الطبيب، إلا أنه غير معذور في عدم اتصاله بالوسط الطبي أو عدم إلمامه بالتطورات الطبية.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال