الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
عالم الابتكار وريادة الأعمال ليس بمنأى عن استغلاله كبوابة لتمرير الكثير من النشاطات غير الأخلاقية، مثل التحايل للحصول على أموال المستثمرين، خاصة الذين يندفعون خلف فكرة المشاريع التي تدعي أنها ستغير نمط العمل والحياة، أو مقامرين في طبعهم ممن بغيتهم من مثل هذه المشاريع هو الثراء السريع.
الشواهد عديدة ومتكررة على مستوى العالم، ولكن ربما أهمها حاليا هي قضية الاحتيال الساخنة في الولايات المتحدة الأمريكية المقامة على “إليزابيث هولمز” مع شريكها رجل الأعمال المحترف “رامش بالواني” من خلال شركتهما التي نجحوا في تقييمها بتسع مليار دولار، والمتخصصة في الرعاية الصحية وعلوم الحياة المعروفة باسم Theranos ، مدعين بأن منتجهم سيحدث ثورة في الاختبارات المعملية الطبية المرتبطة بسحب وفحص الدم وتفسير بياناته عن الأمراض.
لائحة الادعاءات ضدهما تتضمن مجموعة من الاتهامات، مثل انخراطهما في تنفيذ خطة احتيال على مستثمرين، وأخرى على أطباء ومرضى، والتآمر لارتكاب الاحتيال الإعلامي الإليكتروني، وفي حال الإدانة فإن هذه التهم كفيلة بايداعهم السجن لفترة 20 سنة وغرامة مالية وتعويض للأطباء والمرضى والمستثمرين عن الأضرار التي لحقت بهم.
الدروس المستفادة مما ظهر حتى الآن في هذه القضية تؤكد على عدم التهاون في مسائل هامة أثناء التحقق من نفي الجهالة أو التنبه لأمور جديدة بحكم تطور أساليب النصب والاحتيال، من أهمها:
أولا: التحقق من تاريخ مسيرة ريادي الأعمال
في حالة “إليزابيث هولمز”، فهي لم تدرس الطب أو أي من علومه أو هندسته، وعليه فإن ادعائها بأنها قادت فريق صمم وأنتج جهازا قادرًا على إجراء مجموعة كاملة من الاختبارات السريرية باستخدام عينات دم صغيرة مأخوذة من طرف الإصبع، يعتبر غير منطقي تماما، وشريكها مثلها، بل تاريخه تحوم حوله الكثير من علامات التعجب والاستفهام، لذلك لا بد من الحذر من روّاد أعمال لا علاقة لهم بالمبتكر علما أو ممارسة، والحذر من الانخداع بالتلميع الذي يحصل لشخوصهم، مثل “هولمز” التي ظهرت على غلاف مجلة شهيرة عالميا عام 2015 كأصغر مليارديرة في العالم.
ثانيا: التحقق من المنتج بواسطة طرف محايد
من المهم أن تقوم جهة محايدة باختبار تصاميم المنتج ومخرجاته، فقد اكتشف في وقت متأخر بأن جهاز التحليل في حالة “هولمز” كان يعاني من مشاكل في الدقة والموثوقية، ولم يجري سوى عددًا محدودًا من الاختبارات بينما أغلب الاختبارات نفذت بواسطة أجهزة شركات أخرى، وكان الجهاز المقدم أبطأ من الأجهزة التقليدية بل ولا يمكنه منافستها.
هنا، يلعب الجانب البحثي الأكاديمي دورا هاما في دعم المستثمر بالمعلومات التي تفيده عن مستقبل صناعة ما أو منتج ما، وهذا يستدعي ضم هذه المسألة بجانب التحقق المالي والفني في حزمة أدوات التحقق، فمثل هذه المشاريع ذات القيمة العالية يمكن أن يكون وراءها عملية احتيال معقدة وذكية، مما قد يتتسبب ليس فقط في خسارة المستثمر أو المساهم، ولكن تصل لحد التسبب في أذية أسواق – خاصة النامية – في حال مررت.
ثالثا: التحقق من وسائل التسويق المستخدمة في الترويج
استخدمت “هولمز” أسلوب الضغط التسويقي من خلال تقديم محتوى ترويجي محترف وقوي وذكي، للضغط على الأطباء والمرضى لحثهم على استخدام منتجها، بالرغم وحسب تقارير حكومية من أنهم كانوا يعرفون أن منتجهم لا يقدم نتائج فحص دم دقيقة وموثوقة.
من المهم التحقق من المحتوى التسويقي وغاياته علميا، والحذر من المشاريع التي يخدمها لأن المحتوى الترويجي له سلطة السحر في التسيير الممنهج في إيجاد المحفز لاتخاذ قرار مستهدف مسبقا، فتأثير مثل هذه الحملات الترويجية ضاغط بحيث لا يوجد ما يمكن أن يمنع الزبون من الانجذاب للمنتج، وهو أسلوب يمكن أن يساهم بشكل كبير في خداع المستثمر في وقت لاحق عندما يرى أرقام المبيعات.
لذلك، على المستثمر خاصة المبتدئ أن لا يقبل بتحقق من جهة فنية واحدة، حتى يضمن نفي الجهالة في أعلى مستويات المصداقية والموثوقية، فالمسألة ليست تحقق فقط من قوائم مالية وتوقعات مبيعات مستقبلية، ولكن أيضا من المهم جدا فحص الحملات الترويجية التي تقوم بها الشركة التي تستجدي الأموال من خلال ما يسمى بجولات استثمارية، فربما هناك الكثير من الإشارات حول توقيت مثل هذه الأعمال الترويجية.
قضية “هولمز” لم تنتهي بعد، والدروس المستفادة منها ستستمر في الكشف عن نفسها، ولا يستبعد أن نرى فرع جديد في علم مكافحة جرائم الأموال متخصص في مكافحة أساليب الاحتيال من خلال الابتكار وريادة الأعمال، فسلامة الاقتصاد وحماية السيرة الخاصة بريادة الأعمال الخلوقة وروّاد الأعمال الجادين والبحث العلمي، مسألة لا تهاون فيها.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال