الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تسعى الدول إلى قيام مؤسساتها بتحقيق خططها وأهدافها بكل كفاءة، والالتزام بالأنظمة والتعليمات ذات العلاقة، وحماية أصولها ومواردها، بما يُسهم في تحقيق أقصى درجات الجودة والعدالة في تقديم خدماتها للمواطنين. وعليه فقد حرصت مجموعة من الدول على تفعيل نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام؛ لما لهذا النشاط من إسهام كبير في تجويد الأعمال، وتحقيق الكفاءة والفاعلية، وحفظ الموارد والأصول، وتعزيز الامتثال من خلال متابعة وتطوير منظومة إدارة المخاطر والرقابة الداخلية والحوكمة بالمؤسسات. وانطلاقاً من حرص قيادة المملكة العربية السعودية على تبني كل ما من شأنه تطوير الأعمال بمؤسسات القطاع العام، فقد فعَّلت نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 235 وتاريخ 20/08/1425هـ القاضي بتأسيس وحدات المراجعة الداخلية بالوحدات الحكومية، وكذلك قرار مجلس الوزراء رقم 129 بتاريخ 06/04/1428هـ القاضي بالموافقة على اللائحة الموحدة لوحدات المراجعة الداخلية في الأجهزة الحكومية والمؤسسات العامة. كما قامت المملكة بتعزيز مكانة نشاط المراجعة الداخلية من خلال الموافقة على تأسيس الجمعية السعودية للمراجعين الداخليين بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 84 وتاريخ 25/03/1432 هـ. وفي هذا المقال نود أن نناقش نماذج تفعيل نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام، ونقدم مقترحات لتفعيله على النحو الذي يُعظِّم المنافع ويحقق الأهداف المرجوة منه.
تُشير ممارسات الدول إلى وجود تباين في منهجية تفعيل نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام، إلا أنه يمكن اختزال نماذج تفعيل نشاط المراجعة الداخلية في نموذجين رئيسيين هما: النموذج المركزي والنموذج اللامركزي.
أولاً: النموذج المركزي
تقوم فكرة النموذج المركزي لتفعيل نشاط المراجعة الداخلية على وجود جهة مركزية تُعنى بإدارة نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام وتمثل المرجعية الإدارية والوظيفية له. وقد بينت ممارسات الدول وجود اختلاف في الجهة الممثلة للجهة المركزية أو المرجعية لنشاط المراجعة الداخلية، ومن أبرزها وزارة المالية (مثل: أوغندا وكينيا)، وجهاز المحاسبة أو المراجعة الحكومي (مثل: ألمانيا)، وجهاز أو هيئة خاصة بالمراجعة الداخلية (مثل: غانا). ويمكن تطبيق النموذج المركزي عن طريق استخدام فرق مراجعة داخلية تابعة للجهة المركزية لإجراء المراجعة في الجهات الحكومية من خلال الزيارات المؤقتة – القصيرة أو طويلة المدى – للجهات، أو عن طريق استخدام وحدات فرعية مصغرة للمراجعة الداخلية تكون مستقرة في الجهات الحكومية ولكنها تابعة للجهة المركزية.
ثانياً: النموذج اللامركزي
تقوم فكرة النموذج اللامركزي لتفعيل نشاط المراجعة الداخلية على تمكين الجهات الحكومية من تكوين وحدات المراجعة الداخلية الخاصة بها، بحيث تكون مرجعية نشاط المراجعة الداخلية للجهة الحكومية. وقد بينت ممارسات الدول (مثل: جنوب أفريقيا، والسويد، والمملكة العربية السعودية، والمملكة المتحدة) وجود اختلافات في تطبيق النموذج اللامركزي؛ وذلك بسبب اختلاف طبيعة المرجعية الوظيفية أو الفنية لنشاط المراجعة الداخلية، والتي تتمثل في لجان المراجعة أو الإدارة التنفيذية، وذلك وفقاً لهيكلة الجهة الحكومية (جهات بمجالس إدارة أو جهات من غير مجالس إدارة) أو التشريعات التي تُحدد هذه المرجعية.
مزايا وعيوب نماذج تفعيل نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام
لكل من النموذجين المركزي واللامركزي مجموعة من المزايا والعيوب، حيث تمثل مزايا/عيوب أحد النموذجين نقاط عيوب/نقاط مزايا للآخر.
مزايا النموذج المركزي
يتميز النموذج المركزي بالمزايا التالية:
1- توفير استقلالية أكبر لنشاط المراجعة الداخلية، الأمر الذي يُمكّن موظفي إدارة المراجعة الداخلية من أداء أعمالهم بدرجة عالية من الموضوعية، ويسهم كذلك في توفير بيئة عمل أكثر أماناً لموظفي إدارات المراجعة الداخلية حيال مشاكل الموارد البشرية كالترقيات والتكليفات، والتي عادةً تُستخدم – بشكل مباشر أو غير مباشر – كأداة ضغط على موظفي إدارة المراجعة الداخلية لمنعهم من أداء أعمالهم وفقاً لأفضل الممارسات العملية.
2- زيادة فاعلية نشاط المراجعة الداخلية؛ وذلك عن طريق استخدام معايير واضحة وموحدة لإنجاز جميع أعمال وإجراءات نشاط المراجعة الداخلية على الجهات الحكومية كافةً.
3- إلزام الجهات الحكومية التي لم تقم بتأسيس نشاط المراجعة الداخلية – أو أسسته بشكل صوري – بتفعيل أعمال نشاط المراجعة الداخلية.
4- تخفيض تكاليف تشغيل نشاط المراجعة الداخلية (مثل: تكاليف الموارد البشرية أو التدريب أو التشغيل)، سواء في حال استخدام فرق الزيارات المؤقتة أو الوحدات الفرعية، وذلك نتيجة: (أ) انخفاض حجم الموارد البشرية والاحتياجات التدريبية المطلوبة مقارنةً بتلك اللازمة للنموذج اللامركزي، و(ب) الاستفادة المشتركة من العديد من الموارد البشرية والتقنية والإدارية المتعلقة بأعمال المراجعة الداخلية، و(ج) توفير تكاليف تشغيل لجان المراجعة في حال كانت مُفعلة عند تطبيق النموذج اللامركزي.
5- الإسهام في الحد من الازدواجية في تأدية الأعمال الرقابية من قِبل الجهات الرقابية المختلفة؛ الأمر الذي يُسهم في زيادة مستوى الفاعلية والكفاءة في إتمام هذه الأعمال.
6- تجاوز مشاكل اختلاف الهياكل التنظيمية في مؤسسات القطاع العام، وما يتبع ذلك من التغلب على مشاكل اختلاف المرجعية الوظيفية أو الفنية لنشاط المراجعة الداخلية، والتي قد تتباين بشكل عام بين مرجعية للجان مراجعة تابعة لمجالس إدارة أو مرجعية للإدارة التنفيذية.
عيوب النموذج المركزي
بالرغم من مزايا النموذج المركزي، فإنه يعاني من مجموعة من العيوب معظمها تتعلق بتطبيق النموذج المركزي باستخدام فرق الزيارات المؤقتة بدلاً من الوحدات الفرعية، وذلك على النحو التالي:
1- انخفاض فاعلية نشاط المراجعة الداخلية، ويظهر بشكل أكبر في حال استخدام فرق الزيارات المؤقتة؛ وذلك بسبب عدم دراية هذه الفرق بتفاصيل أعمال ومشاكل الجهة الحكومية بالقدر نفسه الذي تمتلكه وحدات المراجعة الداخلية التي تعمل بشكل دائم في الجهات الحكومية.
2- تأخر إنجاز مهام المراجعة الداخلية، خاصة في حال استخدام فرق الزيارات المؤقتة؛ وذلك بسبب عدم تعاون إدارات الجهة الحكومية مع مسؤولي نشاط المراجعة الداخلية؛ وذلك لأنهم قد يشكلون – في نظرهم – دخلاء على الجهة ومراقبين عليها.
3- انخفاض إسهام نشاط المراجعة الداخلية في تجويد وتحسين الأعمال بالجهة الحكومية، خاصةً في حال استخدام فرق الزيارات المؤقتة؛ وذلك لانخفاض مستوى التواصل المباشر والمستمر مع الإدارة العليا.
4- وجود مقاومة للتغيير وانتقال التبعية الوظيفية لمنسوبي إدارة المراجعة الداخلية من الجهة الحكومية إلى جهة مركزية للمراجعة الداخلية، خصوصاً في حال تم استخدام هؤلاء الموظفين في فرق الزيارات المؤقتة.
مزايا النموذج اللامركزي
تتمثل مزايا النموذج اللامركزي في المعالجات التي يقدمها لعيوب النموذج المركزي، وذلك على النحو التالي:
1- ارتفاع مستوى فاعلية نشاط المراجعة الداخلية مقارنة بالنموذج المركزي؛ وذلك نتيجةً لوجود مستوى دراية أعلى بتفاصيل أعمال ومشاكل الجهة الحكومية لدى وحدات المراجعة الداخلية العاملة بها.
2- سرعة إنجاز أعمال المراجعة الداخلية مقارنة بالنموذج المركزي؛ وذلك بسبب وجود تعاون أكبر من قِبل إدارات الجهة الحكومية مع منسوبي إدارة المراجعة الداخلية، والذين يُعدون من منسوبي الجهة الحكومية ويعملون بها بشكل دائم.
3- ارتفاع مستوى إسهام نشاط المراجعة الداخلية في تجويد وتحسين الأعمال بالجهة الحكومية مقارنةً بالنموذج المركزي؛ وذلك لارتفاع مستوى التواصل المباشر والمستمر بين إدارة المراجعة الداخلية والإدارة العليا بالجهة الحكومية.
4- عدم مواجهة مشاكل تتعلق بالتغيير والانتقال والولاء الوظيفي؛ وذلك بسبب أن جميع موظفي إدارة المراجعة الداخلية يظلون يعملون في جهاتهم الحكومية.
عيوب النموذج اللامركزي
تتمثل عيوب النموذج اللامركزي في عدم مقدرة النموذج على تقديم مزايا النموذج المركزي؛ حيث تشمل هذه العيوب ما يلي:
1- توفير مستوى أقل من الاستقلالية لنشاط المراجعة الداخلية مقارنة بالنموذج المركزي، مما يؤثر سلباً على موضوعية المراجعين الداخليين وعلى مستويات الشعور بالأمان والعدل الوظيفي، وذلك حتى في حال وجود لجان للمراجعة، أخذاً في الاعتبار تباين مستوى فاعلية هذه اللجان من جانب المقدرة على التأثير في الإدارة التنفيذية لتحقيق الأمان والعدل الوظيفي لمنسوبي إدارة المراجعة الداخلية.
2- تباين مستويات فاعلية نشاط المراجعة الداخلية؛ وذلك نتيجةً لتباين مستويات الخبرات والكفاءات والمعايير المطبقة في وحدات المراجعة الداخلية في الجهات الحكومية، وكذلك نتيجةً لتباين مستوى رغبة الإدارة العليا بالجهات الحكومية في تفعيل نشاط المراجعة الداخلية.
3- ارتفاع تكاليف تشغيل نشاط المراجعة الداخلية مقارنة بالنموذج المركزي؛ وذلك نتيجةً لحاجة النموذج اللامركزي لعدد أكبر من الموارد البشرية والاحتياجات التدريبية، وكذلك نتيجةً لإنجاز الكثير من الأعمال بشكل غير مركزي، علاوة على تكاليف لجان المراجعة – في حال تطبيقها – مما يؤثر سلباً على مستويات الكفاءة التشغيلية.
4- زيادة احتمالية حدوث ازدواجية في تأدية الأعمال الرقابية من قِبل الجهات الرقابية المختلفة، الأمر الذي ينعكس سلباً على مستوى الفاعلية والكفاءة في إتمام هذه الأعمال.
5- اختلاف الهياكل التنظيمية بين مؤسسات القطاع العام، وما ينتج عن ذلك من اختلاف في المرجعية الوظيفية أو الفنية لنشاط المراجعة الداخلية.
وفي ضوء مزايا وعيوب النموذجين المركزي واللامركزي لتفعيل نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام، فإننا نقترح قيام الجهات المعنية بنشاط المراجعة الداخلية بالمملكة العربية السعودية – أبرزها مجلس الشورى والديوان العام للمحاسبة والجمعية السعودية للمراجعين الداخليين – بدراسة تطبيق المقترحات التالية، وتطبيق ما هو ملائم بشكل أكبر لطبيعة بيئة القطاع العام السعودي ومستوى نضج نشاط المراجعة الداخلية المفعل به:
المقترح الأول: تطبيق النموذج المركزي باستخدام وحدات فرعية مصغرة للمراجعة الداخلية في الجهات الحكومية؛ وذلك لما يمتلكه هذا النموذج من مزايا تتعلق بتحقيق استقلالية وفاعلية أكبر لنشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام، علاوة على إسهامه في ترشيد الانفاق والحد من الازدواجية في تأدية الأعمال الرقابية، وكذلك لعدم تأثره بتباين الهياكل التنظيمية للجهات الحكومية؛ فضلاً عن استطاعته تجاوز غالبية عيوب النموذج المركزي التي تصاحب تطبيقه باستخدام الفرق المؤقتة، والتي تشمل انخفاض مستوى الفاعلية ومستوى الإسهام في تجويد الأعمال، وتأخر إنجاز الأعمال، ووجود حالات من مقاومة التغيير.
وكما تم توضيحه مسبقاً، فإن ممارسات الدول تُشير إلى وجود تباين في الجهة الممثلة للجهة المركزية أو المرجعية لنشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام، وذلك بين وزارة المالية أو جهاز المحاسبة أو المراجعة الحكومي أو جهاز أو هيئة معنية بالمراجعة الداخلية، وحيث إن الاختصاصات الأصيلة لوزارة المالية في المملكة لا تتعلق بشكل مباشر بأعمال المراجعة الداخلية، وإن كانت تقوم بالرقابة قبل الصرف، فإنه قد يكون من المناسب عدم تمثيل وزارة المالية للجهة المركزية أو المرجعية لنشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام السعودي. وباعتبار أن جهاز المراجعة المركزي بالمملكة العربية السعودية – الديوان العام للمحاسبة – يقوم بمهام مثل المراجعة المالية، ومراجعة الأداء، ومراجعة الالتزام، ومراجعة الأنظمة الإلكترونية، والتي تتقاطع بشكل كبير مع مهام واختصاصات نشاط المراجعة الداخلية، فإنه يظهر أمام الجهات المعنية بنشاط المراجعة الداخلية بالمملكة ثلاثة خيارات رئيسة حيال الجهة المركزية أو المرجعية لنشاط المراجعة الداخلية، وهي:
1- تحويل الديوان العام للمحاسبة بالكامل إلى جهة مختصة بأعمال المراجعة الداخلية، وإسناد دوره المتعلق بمراجعة الحسابات إلى مراجعي الحسابات الخارجيين، والذين يقومون حالياً بتكرار دور الديوان العام للمحاسبة المتعلق بمراجعة الحسابات الختامية في كثير من الجهات الحكومية؛ ويمكن الحد من مخاطر الاعتماد على مراجعي الحسابات الخارجيين بتكثيف الرقابة قبل الصرف، وكذلك بتوسيع نطاق مهام المراجعة الداخلية المالية.
2- استحداث قطاع بالديوان العام للمحاسبة يُعنى بإدارة نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام السعودي، ويُضَم لهذا القطاع جميع أعمال ومهام الديوان المتعلقة بالمراجعة الداخلية (مثل: مراجعة الأداء والالتزام)، على أن يبقى القطاع المعني بدور المراجعة المالية الخارجية مستقلاً عن قطاع المراجعة الداخلية، مع قيام القطاعات بالتعاون فيما بينها لتحقق أقصى درجات الكفاءة في العمل الرقابي ضمن إطار المعايير الدولية للمراجعة الخارجية والداخلية وأفضل الممارسات.
3- استحداث جهاز أو هيئة معنية بالمراجعة الداخلية بشكل كامل، وإبقاء مهمة مراجعة الحسابات فقط للديوان العام للمحاسبة.
المقترح الثاني: تطبيق النموذج اللامركزي بالاعتماد على لجان المراجعة المشكلة من ممثلين من الديوان العام للمحاسبة وهيئة الرقابة ومكافحة الفساد ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وعضو خبير من الجهة الحكومية أو من خارجها؛ وذلك للاستفادة من مزايا النموذج المتعلقة بارتفاع مستوى فاعلية نشاط المراجعة الداخلية ومستوى الإسهام في تجويد وتحسين الأعمال، وسرعة إنجاز الأعمال، وتجاوز مشاكل التغيير والانتقال والولاء الوظيفي. كما أن تطبيق النموذج اللامركزي بهذه الصيغة سوف يسهم في تجاوز العديد من عيوب النموذج اللامركزي، خصوصاً تلك المتعلقة بانخفاض مستوى تحقيق استقلالية وموضوعية نشاط المراجعة الداخلية وازدواجية الأعمال بين الجهات الرقابية.
وختاماً، فإن نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام السعودي تطوَّر بشكل ملحوظ، وإننا نؤكد أهمية تكاتف جهود الجهات المعنية بهذا النشاط وطرح وتبادل وجهات النظر بين المختصين لاستمرار هذا التطور. كما إننا نأمل قيام الجهات المعنية بدراسة المقترحات الموضحة في هذا المقال وتطبيق المقترح الذي يسهم في تفعيل نشاط المراجعة الداخلية في القطاع العام السعودي على النحو الذي يُعظِّم المنافع ويحقق الأهداف المرجوة منه. والله من وراء القصد.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال