الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
إخفاقات الغرب في تناول القضية الأوكرانية وشراسة الأدوات الاقتصادية التي يمكن له استخدامها، يدفع الاقتصاد العالمي نحو حتمية النظر في إعادة تشكيل تكتلاته التي من ضمنها احتمالية خلق “كارتيل” اقتصادي روسي صيني هندي.. فهل يمكن أن يتشكل هذا الثالوث؟
كان يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تقبل بالمطالب الروسية الأمنية المتكررة، خاصة أن هناك التزام أمريكي بأن لا يتوسع حلف الناتو شرقا، والذي انتفت أصلا صفة ومبرر وجوده كمدافع عن أوروبا من خطر الاتحاد السوفيتي الذي لم يعد له وجود، إلا أنها لم تف بما وعدت، واستمر تواجد الناتو لمهمة مختلفة مرتبطة بتركيع الدول “المارقة” بغرض السيطرة على خطوط إمدادات مصادر الطاقة الأحفوري ومراقد المعادن المطلوبة لبناء أدوات مصادر الطاقة النظيفة.
ظلت عملية خناق روسيا تتقدم حتى وصلت المحاولات لضم أوكرانيا للحلف منذ عام 2008، مما وضع روسيا أمام وجوب الدفاع عن إرثها التاريخي ومصالحها الوجودية، ولتقع أوروبا ضحية موقف يمكن أن يقود إلى تصدُّعِ فسيفسائيتها الهيكلية، وليُحضِّر العالم نفسه لحُلّة تكتلات جيواقتصادية جديدة.
بعد مرور أيام على بداية تنفيذ روسيا عملياتها العسكرية الخاصة في تحييد أوكرانيا، وقف الغرب بقيادة الولايات المتحدة بكل جدية أمام هذا التحرك الذي خلق حالة تضاد حرجة، بسبب وصول روسيا القوية جدا – سيبرانيا قبل نوويا – لنقطة اللاعودة في قرارها، فلم يبق أمام الغرب سوى استخدام عصى العقوبات الاقتصادية المؤلمة خاصة إذا نفذت على خط زمني ممتد، والتي حذر الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” منها واعتبرها بمثابة إعلان حرب.
تطبيق العقوبات الاقتصادية لن تكون تداعياتها على روسيا فقط، ولكن سيشاركها هذا الألم شريكان، الأول هو الاتحاد الأوروبي الذي سيعيش انعكاسات موجعة، فاقتصادات القارة الأوروبية العجوز لم تتعافى بعد من الجائحة و تعاني في الوقت الراهن من عمق الديون في العديد من دولها، وارتفاع معدلات التضخم وأسعار السلع، واعتمادها على روسيا في احتياجاتها من النفط الخفيف (2.5 مليون برميل يوميا) والغاز الطبيعي (فنلندا 100%، ألمانيا 49%، إيطاليا 46%، فرنسا 17%، مقدونيا الشمالية 100%، سلوفاكيا 70%، بلغاريا 74%)، وكأن الولايات المتحدة تُرغم أوروبا على أن تجدع أنفها بيدها.
كما أن لهذه العقوبات انعكاسات على الصعيد المالي الأوروبي ومنها ما سيكون فوري، فمع الإعلان عن نية تطبيق العقوبات الاقتصادية، بدأت التبعات في الظهور مثل سعي الشركات الغربية المستثمرة في روسيا لتجميد نشاطاتها من الآن، وعلى ضوء ذلك ستواجه خسارات جسيمة وإن كان على المنظور المتوسط والبعيد، وبداية إعلان الإفلاس لبعض الشركات الأوروبية التي لها علاقات تجارية بشكل أو بآخر مع روسيا، مثل الشركة السويسرية المالكة لخط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” الذي سيمد ألمانيا مباشرة بالغاز الروسي الطبيعي، كما أن هناك شركات في الطاقة أرغمت بفسخ شراكات ناجحة على مدى ثلاثين عاما مع نظراء روس مثل “بريتش بتروليوم” و “بي بي”، وهما يدركان بأنه من السهل إيجاد بدائل استثمارية لهما من الصين والهند والمنطقة العربية وأفريقيا، ولاحقا ستطول نتائج العقوبات على روسيا مجالات عدة في أوروبا مثل السياحة والطيران والأغذية والصناعة.
أما الشريك الثاني في ارتدادات العقوبات هو الولايات المتحدة، فالعقوبات الاقتصادية على روسيا ربما تفتح الباب لإيجاد ثالوث روسي صيني هندي (ليسوا أعضاء في مجموعة السبع) لبدء نقل الثقل التجاري من منطقة المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، ومنافسة الدولار الأمريكي ونظام مراسلاته “سويفت” بأنظمة مراسلات مصرفية أخرى، من ضمنها احتمالية نشوء نظام تسويات دولي يعتمد تكنولوجيا العملة الرقمية المشفرة لتكون بداية حقيقية لانطلاق منظومة مدفوعات تجارية عالمية جديدة، فالصين أمامها فرصة لا تعوض في تنفيذ ما ترنو إليه في منافستها مع أوروبا والولايات المتحدة، مع فرصة على طبق من ذهب لتمتين مكانة ونفوذ مجموعة شنغهاي، وتتشارك مع الهند ذات النزعة القومية المتطرفة في فرصة لا تعوض لضمان إمدادات نفط وغاز ليس من شركات روسية متاجِرة، ولكن مورِدّة بحكم كونهم شركاء فيها لو دخلت شركاتهما مكان الشركات الغربية المنسحبة.
روسيا ستواجه تحدي صعب في سبيل تحقيق أهدافها وربما تكون أوكرانيا البداية فقط، بالرغم من وجود فجوة كبيرة في نظام العقوبات يمكن لها أن تستفيد منها لتخفف من وطأتها، والغرب كذلك سيواجه تحدي ليس بالهين، يرتفع فيه صوت التذمر الأوروبي من حجم الهيمنة الأمريكية على قرارها السياسي والاقتصادي، خاصة أن أمامه المزيد من المشاكل التي ستظهر في قطاعات عديدة بجانب قطاع الطاقة، هذا بجانب احتمالية نشوء أزمة إنسانية بسبب نزوح الأوكرانيين للداخل الأوروبي.
أما الولايات المتحدة فهي ليست في أفضل حال بسبب تناقص الثقة في الدولار ونظام مراسلاتها المصرفية الذي بدأ العالم يخشاه أكثر من مطرقتها العسكرية، مما يفسر تحذير البنك الدولي من تبعات ما يمكن أن يحصل عندما صرح بأن العقوبات على روسيا سيكون لها تداعيات خطيرة على اقتصاد عالمي تلامس ديونه سقف 300 ترليون دولار، من ضمن هذه التداعيات على الغرب احتمالية نشوء ثالوث اقتصادي في الشرق يقلب الموازيين.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال