الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يظهر بأن ملف تغير المناخ وما يحتويه من محاربة شرسة ومباشرة لمصادر الطاقة الأحفوري وبدون اعتبار للمصالح العامة يأخذ قسطا قسريا من الراحة، فالأحداث الجيوسياسية الحالية في أوروبا (أوكرانيا) كشفت لليسار المتطرف في الغرب المتناول لهذا الملف مدى اعتماد اقتصاداتهم ومجتمعاتهم بشكل واسع على مصادر الطاقة الأحفوري، وإن حاول إعلامهم المتعجرف إخفاء هذه الحقيقة.
أزمة الطاقة في أوروبا والتي بدأت في نوفمبر 2021 ما زالت في بداياتها والأسوأ لم يأت بعد، وما يحصل الآن في موضوع تأمين الطاقة لأوروبا يعرّي مدى تناول ملف المناخ غير الواعي لأهمية تكاملية مصادر الطاقة المتنوعة بدلا من محاربة النفط والغاز لصالح “النظيفة” في ظل تواضع موثوقية تقنياتها في الوقت الحالي.
أمام خطر شح مصادر الطاقة الأحفوري، تدرس ألمانيا حاليا – وهي أكبر المدافعين عن الطاقة النظيفة ذات أكبر ناتج محلي في أوروبا والذي يقارب حجمه 4 ترليون دولار والمشارك في الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي بقيمة 16 ترليون دولار ليأتي ثانيا بعد الأمريكي الذي يفوقه ب 5 تريليونات فقط – العودة للمصادر النووية من خلال تمديد العمر الافتراضي لمحطاتها النووية القديمة المتبقية لتأمين إمدادات الطاقة لصناعتها ومجتمعها التي لم تقدر على تلبية حاجتها مصادر الطاقة النظيفة.
إلا أن وزارتا الاقتصاد والبيئة في ألمانيا حذرتا من خطر هذا التوجه، بسبب أن تمديد عمر محطات نووية قديمة ينطوي عليها تكلفة اقتصادية باهظة وأخطار أمنية وبيئية، وكل هذا مقابل مساهمة ستكون محدودة جدا في تخفيف اختناقات الحاجة لإمدادات الطاقة في الشتاء القادم وربما لسنوات عديدة، وليس أمام ألمانيا للتخلص من ضغط الاعتماد على النفط والغاز الروسي سوى إيجاد مصادر أخرى، ولتدعم روسيا وجهة النظر هذه بأن ليس أمام مستقبل ألمانيا سوى اعتماد تشغيل خط أنابيب الغاز “نورد ستريم ٢”.
كذلك فرنسا، وهي من أشرس المدافعين عن ملف المناخ، تقوم حاليا لاعتبار الاعتماد بشكل موسع على الطاقة النووية لتغطية العجز في انتاج الكهرباء المعتمد على الغاز أصلا والذي زاد حجمه بحوالي 6% في عام 2021 ولكن في ظل تناقص مقلق لمخزوناتها من الغاز، فقد وصلت نسبة اشغال مخازنها للغاز لأقل من 20% الذي من المفترض أن لا يقل عن متوسط أدنى مستوى ملئ في أوروبا والمقدر بحوالي 35% والذي تناقص هو أيضا لمستوى 25% تقريبا، وموقف فرنسا محرجٌ جدا لأنها مسؤولة عن إمدادات طاقة كهربائية للعديد من دول الاتحاد الأوروبي مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وألمانيا.
أما الرهانات الأمريكية على كسر اتفاق “أوبك بلس”، أو على دخول النفط الإيراني الذي يحتاج إلى وقت وبعد الاتفاقية النووية، أو النفط الفنزويلي الذي تعاني صناعته من مشاكل فنية، أو حتى الغاز المسال القطري الذي لا يتناسب اطلاقا مع منصات استقبال الغاز والحاجة لمعالجته للاستخدام النهائي في أوروبا، فكلها رهانات لا تتوافق أبدا مع الموقف الغربي المتشنج في تناول ملف المناخ ومحاربة مصادر الطاقة الأحفوري.
تزيد الأحداث الحالية في أوروبا القناعة بأن ملف تغير المناخ ليس بالقوة التي كان الإعلام الغربي يروج له، وهنا ولأهمية الإنسان والمناخ والبيئة، لا بد من التأكد من سلامة مصداقية وموثوقية الطاقة في ظل تكاملية مصادرها وتحت مظلة المنطق والمعقول وبآلية إعطاء الوقت وقته، وهذا يستدعي بالضرورة عدم السماح لليسار المتطرف الغربي باختطاف هذا الملف، فهو ملف محل اهتمام الجميع ويتطلب إدارة عالمية واعية.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال