الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يعد تشخيص المرض المرحلة الثانية بعد الحصول على نتائج الفحوصات وهو يشبه في القانون التكييف القانوني للوقائع. فإذا أخطأ الطبيب في قراءة الفحوصات أو حصل على تفسيرات غير دقيقة أو كان الفحص غير شامل لأجزاء المرض فالمتوقع خطأ الطبيب في تشخيص المرض. وبالتالي يكون العلاج الموصوف خاطئاً بل قد يكون كارثياً يؤدي إلى الوفاة. وسنتناول هنا ثلاث قضايا نتعرف خلالها على أنواع من الأخطاء الطبية الناجمة عن خلل في التشخيص.
القضية الأولى: عدم طلب طبيب عيون إجراء فحوصات معينة، وحدث هذا في قضية جيتس ضد جنسن
(Gates v. Jensen) حيث رفعت السيدة جيتس ضد الطبيب جنسن وأطباء آخرين لعدم إجراء الفحص المناسب لحالتها. فرغم زيارتها للعيادة 12 مرة خلال سنتين تشكو من ضعف الرؤية أحياناً وصعوبة التركيز إلا أن الطبيب لم يجرِ فحص الرؤية وفحص العين، لأنه كان يعتقد أن سبب معاناتها هو العدسات اللاصقة. بيدَ أنه حين تفاقمت حالتها تبين أنها مصابة بمرض الجلوكوما – الماء الأسود -، وقد انخفض – حينها – بصرها كثيراً. ورأت المحكمة أنه بسبب عدم إجراء الفحوصات اللازمة لم يستطع الطبيب ابلاغ المريضة عن مدى سوء حالتها وقابليتها للإصابة بالجلوكوما. ذلك أن الممارسة الطبية المعقولة في هذه الحالة تستوجب إجراء مزيد من الفحوصات، وأنه بمجرد احتمال الطبيب أهمية إجراء فحص ما، فعليه إجراؤه وتقييمه في أقرب وقت ممكن عملياً، وإلا كان متأخراً ومهملاً ويتحمّل مسؤولية ذلك.
القضية الثانية: إهمال تشخيص التهاب زائدة دودية لمريض اسمه ستيفز (طفل) حين دخل مستشفى البحرية التابع لوزراة الدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية (Steeves v. United States) لآلام في بطنه، بيدَ ان الأطباء لم يأمروا بإجراء فحوصات معينة على المريض الطفل على اعتبار أن مرضه ناشء من زيادة في عدد خلايا الدم البيضاء فقط، وبالتالي رجع ستيفز إلى منزله إلا أنه عاد إلى المستشفى في اليوم التالي لاستمرار الآلام. وهنا شخّص حالته طبيب على أنها التهاب في المعدة والأمعاء، ونصحه بالبقاء في المنزل. ورغم محالة الطفل اتباع توجيهات الطبيب إلا أن الآلام ازدادت مما اضطره إلى الذهاب إلى المستشفى، وعنئذ أُجريت له عملية جراحية لاكتشافهم أن الآلام بسبب زائدة دودية.
القضية الثالثة: خطأ أدى إلى موت السيد (باول) الذي أقام أهله قضية ضد طبيبه الدكتور مارجيليث ( Powell v. Margileth) حين زار – في 9 يناير 1992 – طبيباً مشتكياً من تورم في رقبته، وحين أجرى بعض الفحوصات أخبره المريض بأنه قد تعرض لخدوش من قطط، فأحاله الطبيب إلى طبيب آخر يثدعى (مارجيليث) – أخصائي الأمراض المعدية – ذو خبرة في تشخيص وعلاج مرض خدش القطط. وأجرى الطبيب مارجيليث – في الأسبوع الأخير من يناير – فحوصات لمرض السل وخدش القطط وقياس التورم، ووصل إلى نتيجة بأن المريض مصاب بخدش القطط فقط ويكفي فيها مضادات حيوية. استمر عليها المريض حتى تفاجأ في شهر يونيو بتورم ثان في رقبته، فذهب إلى مركز طبي في فرجينيا – في شهر يوليو – الذي سحب السائل في كلا التورمين، مؤكداً وجود سرطان فيهما وأنه في المرحلة الرابعة، وأن السرطان كان في المرحلة الثالثة في يناير الماضي. ونتيجة لذلك كله، خضع المريض (باول) لعملية جراحية لعلاج اشعاعي وعلاجات أخرى، إلا أنه توفي بعد ثلاث سنوات وهو في سن الاربعين.
وقضت محكمة الاستئناف بوجود أدلة كافية من شأنها استنتاج عدم اتباع الطبيب معايير الرعاية المتعارف عليها مما أدّى إلى الوفاة. وشهد طبيب خبير بأن التشخيص الخاطئ لمريض مخدوش من قطة قد تسبب في تأخر تشخيص السرطان وعلاجه من يناير حتى يوليو، وأنه لو تدراك ذلك في حينه وأخذ خزعة لشُخّص السرطان في الاسبوع الأول من فبراير. وحين سُئل الطبيب هولدر (كخبير في القضية) عما إذا كان التأخير في التشخيص والعلاج قد تسبب في موت السيّد باول، فأجاب: بـ”نعم ، لقد تسبب في ذلك”. وأضاف الدكتور علي -الذي عالج باول-: ثمة احتمال يصل إلى 75٪ لبقاء المريض حياً لمدة خمس سنوات مقارنة بـ 15٪ إلى 20٪ في يوليو 1992.
ختاماً، القضايا الثلاث يجمعها سلك ناظم وهو الخطأ في التشخيص من قدوم المريض وأثناء تردده حتى الوصول إلى النتيجة النهائية. وبسبب التشخيص غير الدقيق كانت النتيجة مؤسفة. وكل ذلك يعود إلى الإهمال أو التهاون أو ضعف المعرفة وقلة الخبرة في عدم إجراء الفحوصات اللازمة أو الخطأ في تفسير الأشعة ونحوها، وذلك لا يعفي الطبيب من المسؤولية بأي حال. ذلك أن الطبيب وإن كان غير ملزم بشفاء المريض وزوال المرض إلا أنه ملزم باتباع العرف الطبي والأصول المهنية وأن لا يكون تدخله سبباً في تفاقم الحالة. عدا ذلك يكون مسؤولاً ويتحمّل تعويض المريض دون حاجة لإثبات الخطأ من جانبه متى كان الضرر لا علاقة له بالمرض الذي جاء من أجله وإنما حدث بعد تدخّله.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال