الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تعاني اقتصادياتِ العالمِ اليومِ منْ مشكلةٍ عميقةٍ سببتها تداعياتٌ اقتصاديةٌ مختلفةٌ وهيَ مشكلةُ التضخمِ ، فالتضخمُ Inflation مفهومٌ اقتصاديٌ يستخدمُ للإشارةِ إلى حالةٍ أوْ نشاطٍ اقتصاديٍ في ارتفاعِ أسعارِ السلعِ والخدماتِ ، معَ حدوثِ انخفاضٍ في القدوةِ الشرائيةِ المرتبطةِ بسعرِ صرفِ العملةِ أيْ الزيادةِ العامةِ في أغلبِ قيمِ الأسعارِ ذلكَ أنَ الاقتصادَ العالميَ لمْ يصلْ بعدُ إلى حالةِ نموٍ جديدٍ بعدٍ ، فهوَ حاليا في مرحلةِ تعويضِ الانكماشِ ( التعافي ) الذي أحدثتهُ جائحةُ كورونا لمدةَ عامٍ ونصفٍ ، أنَ الأوضاعَ الاقتصاديةَ في المجملِ تختلفُ منْ بلدٍ إلى بلدٍ آخرَ ، بيدِ أنَ كبحَ جماحِ التضخمِ يعتريهُ الكثيرُ منْ التعقيداتِ وتزدادُ المخاوفُ في قطاعاتِ الأسواقِ المختلفةِ لحساسيتها في الاستجابةِ السريعةِ لأيِ مؤثراتٍ طارئةٍ ، فيما تشهدُ الدولُ المتقدمةُ أعلى معدلاتِ التضخمِ منذُ 30 و 40 عاما .
ينشأَ التضخمُ بسببِ عدةِ عواملَ اقتصاديةٍ مختلفةٍ ومنْ أبرزَ هذهِ الأسبابِ : تضخمٌ ناشئٌ عنْ التكاليفِ وتضخمٍ ناشئٍ عنْ الطلبِ وتضخمِ بسببِ تغييراتِ كليةٍ في تركيبِ الطلبِ الكليِ في الاقتصادِ أوْ تغيراتٍ في الطلبِ النقديِ وبغضِ النظرِ عنْ الأسبابِ أيا كانتْ والتي بالتعرفِ عليها يمكنُ تشخيصها ووضعُ العلاجِ المناسبِ لها إلا أنَ التضخمَ قدْ عادَ وها هوَ يلحقُ الضررُ بالجميعِ خاصةٍ أنَ الأسعارَ المرتفعةَ التي تصاحبُ ارتفاعَ التضخمِ يمكنُ أنْ تؤديَ إلى تآكلِ قيمةِ الأجورِ الحقيقيةِ والمدخراتِ التي تحتفظُ بها الأسرُ على وجهِ العمومِ إلا أنَ الشعورَ بهذهِ الآثارِ يتفاوتُ منْ أسرةٍ إلى أخرى عطفا على تركيبةِ دخولِ الأفرادِ والأسرِ وما يقابلها منْ استهلاكِ السلعِ وفقَ أنواعها المختلفةِ ومنْ مجتمعٍ لآخرَ خاصةٍ في ظلِ تركيبةِ اقتصادياتِ العالمِ التي تتشكلُ في مفاهيمِ اقتصادها على تصنيفاتِ الدولِ المتقدمةِ والناشئةِ والناميةِ .
في مشكلةِ التضخمِ اليومِ الأسبابَ تتلخصُ الأسبابُ في ارتفاعِ النشاطِ الاقتصاديِ بعدَ الجائحةِ، واضطرابَ سلاسلِ الإمدادِ، والارتفاعُ الحادُ في أسعارِ السلعِ الأوليةِ معا في عامِ 2021 نتيجةٌ لذلكَ دفعتْ تلكَ الأسبابِ إلى ارتفاعِ التكاليفِ لرفعِ الأسعارِ وعدمِ توفرِ الكمياتِ المعروضةِ مما دفعَ التضخمُ العالميُ إلى أعلى مستوياتهِ منذُ عامِ 2008 .
المشهدُ الاقتصاديُ العالميُ اليومِ بالغٍ التعقيدِ وأضحتْ المؤسساتُ الدوليةُ وخبراءُ الاقتصادِ الكليِ عاجزونَ عنْ تقديمِ التوصياتِ ناهيكَ عنْ تقديمِ التنبؤاتِ ، هذا المعطفِ الصعبِ أعادَ لذاكراتي ( قاهر التضخمِ ) الاقتصاديِ الكبيرِ بولْ فولكرْ ، رئيسُ مجلسِ الاحتياطيِ الفيدراليِ الأسبقِ ، الذي تغلبَ على مشكلةِ التضخمِ التي عصفتْ بأمريكا وقوتها الاقتصاديةِ في سبعينياتِ القرنِ الماضي وأوائلِ الثمانينياتِ ، وكانَ لهُ الفضلُ الكبيرُ في وضعِ السياساتِ النقديةِ التي أسهمتْ في كبحِ جماحِ معدلاتِ التضخمِ الكبيرةِ فخلالَ فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ انخفضَ التضخمُ الأمريكيُ منْ 14.8 % في 1980 إلى أقلَ منْ 3 % بحلولِ عامِ 1983 فيما رفعَ مجلسُ الاحتياطيِ الفيدراليِ بقيادةِ فولكرْ سعرُ الفائدةِ على الأموالِ الاتحاديةِ ، التي بلغَ متوسطها 11.2 % في عامِ 1979 ، لتصل إلى 20 % في يونيو 1981 ، في حينِ ارتفعَ سعرُ الفائدةِ الرئيسيِ إلى 21.5 % في عامِ 1981 ، لقدْ كتبَ تحليلاً منْ 250 صفحةٍ بعنوانٍ : مشكلاتُ سياسةُ الاحتياطيِ الفيدراليِ منذُ الحربِ العلميةِ الثانيةِ وجادلَ بحزمٍ حولَ أهميةِ العملِ للسيطرةِ على التضخمِ حتى انتصرَ عليهِ .
ظروفُ التضخمِ اليومِ قدْ تختلفُ كثيرا عنْ ظروفِ بولْ فولكرْ وفي اعتقادي أنها أكثرُ اتساعا منْ حيثُ الجغرافيا والأسبابُ إذْ لاتزالُ ضبابيةً الركودِ التضخميِ على الرغمِ منْ المحاولاتِ الخجولةِ التي تراوحَ بينَ فكرةِ التطبيقِ والنموذجِ الاقتصاديِ الذي سيحاكي الآثارَ الحاليةَ والمستقبليةَ والنتائجَ المتوقعةَ فهلْ نحنُ بحاجةِ إلى قاهرٍ للتضخمِ على غرارِ بولْ فولكرْ ؟ تأتي مشكلةَ سلاسلِ الإمدادِ كأحدِ أهمِ الأسبابِ الرئيسيةِ للتضخمِ والذي كانَ امتدادا لتداعياتِ جائحةِ كورونا في الوقتِ الذي كانَ منْ المتوقعِ أنْ تنتهيَ هذهِ المشكلةِ بانتهاءِ الجائحةِ وعودةِ وتيرة العملياتِ الإنتاجيةَ عندَ أعلى مستوياتِ التوظيفِ الكاملِ ، اليومُ تشيرُ التقاريرُ الصحفيةُ إلى أنَ سلاسلَ الإمدادِ تواجهُ مشاكلَ عميقةً أخرى في العديدِ منْ القطاعاتِ وخاصةً في مجالِ صناعةِ السياراتِ والموادِ الغذائيةِ في بعضِ دولِ أوروبا مما يؤشرُ إلى تصاعدِ الركودِ التضخميِ ، فيما حذرتْ منظمةَ التعاونِ والتنميةِ منْ أنَ النموَ العالميَ قدْ يتقلصُ ” بأكثرَ منْ نقطةٍ مئويةٍ ” في العامِ الأولِ بعدَ الحربِ ومنْ المتوقعِ أنْ يخفضَ صندوقُ النقدِ الدوليِ توقعاتهِ للنموِ الاقتصاديِ في العامِ 2022 ، والمقدرَ حاليا ب 4.4 % كما أنَ برنامجَ الأممِ المتحدةِ للتجارةِ والتنميةِ أونكتادْ خفضِ توقعاتهِ للنموِ العالميِ للعامِ 2022 إلى 2.6 % بدلاً منْ 3.6 % في توقعاتٍ سابقةٍ .
يفسرَ مؤشرُ أسعارِ المستهلكِ الطريقةِ التي يمكنُ منْ خلالها معرفةُ مستوياتِ معدلِ التضخمِ وتكلفةِ المعيشةِ في بلدِ ما ، حيثُ يتمُ احتسابَ هذا المؤشرِ عنْ طريقِ سلةٍ منْ السلعِ والخدماتِ وتحسبُ سعرَ السلةِ كمتوسطٍ مرجحٍ لأسعارِ التجزئةِ للعناصرِ المكونةِ وذلكَ حسبَ الفترةِ المطلوبةِ على أساسٍ شهريٍ أوْ فصليٍ أوْ سنويٍ وصولاً إلى تحليلِ التغييرِ في أسعارِ العناصرِ الفرديةِ بالإضافةِ إلى السلةِ بأكملها بمرورِ الوقتِ حيثُ يعرفُ السعرُ الذي يتغيرُ فيهِ سعرُ السلةِ بمرورِ الوقتِ أيضا باسمِ معدلِ التضخمِ مما يساعدُ البنوكَ المركزيةَ في إجراءِ التعديلِ المطلوبِ نحوَ التصحيحِ إذا كانَ مرتفعا أوْ الثباتِ عاذا كانَ صحيا .
منْ هنا ومنْ خلالِ الارتفاعِ الغيرِ مسبوقٌ لمعدلاتِ التضخمِ في أسعارِ المستهلكينَ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ اتجهَ على سبيلِ المثالِ الاحتياطيِ الفيدراليِ إلى رفعِ أسعارِ الفائدةِ مؤخرا بهدفَ مواجهةِ الضغوطِ التضخميةِ حيثُ تعدْ مثلٌ هذهِ السياساتِ النقديةِ الطريقةِ المثاليةِ في تحفيزِ الطلبِ الاستهلاكيِ لكنهُ سيؤثرُ بطبيعةِ الحالِ على مستوى الطلبِ الكليِ بما يمكنُ أنْ يواجهَ ذلكَ منْ ضغوطِ تفوقِ قدرةِ الطلبِ خاصةً وأنَ النشاطَ الاقتصاديَ في مرحلةِ التعويضِ والتعافي الذي أحدثتهُ جائحةُ كورونا .
مُجمَل القوْل : تَسعَى اَلبُنوك المرْكزيَّة فِي العالم جَاهِدة لِتقْوِيض مُعدلَات التَّضَخُّم وبعيدًا عن الرُّسوم البيانيَّة والْأرْقام تَبقَّى حُلُول التَّضَخُّم بَيْن فِكْر اِقْتصاديٍّ وَآخَر بَيْن شدٍّ وجذْب تَتَعدَّد المدارس والْحلول لَكِن يَبقَى اَلحَل مُرْتبِطًا بِمنْهجيَّة التَّطْبيق ونتائجهَا ولَا مَنَاص مِن أن تَكُون بِداية اَلحُلول دَعْم الأسْر الأقلِّ دخْلا إِضافة إِلى السِّياسات النَّقْديَّة اَلتِي تَعمَل بِدوْرِهَا اَلْهام نَحْو تَحفِيز الطَّلب اَلكُلي ومعالجة القضايَا الاقْتصاديَّة اَلأُخرى كالنِّزاعات وَتطوِير مَنظُومة التَّبادل التِّجاريِّ فِي كُلِّ اِتِّجاه.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال