الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لم يتبادر إلى ذهني سابقا تقييم تجربة أو جودة الخدمة المقدمة لدى مراجعة الصيدليات، لكونها تجربة متكررة، وسياق ثابت ومتشابه في جميع الصيدليات؛ تسليم الوصفة الطبية، استلام الأدوية مقرونة بتعليمات طرق الاستخدام. إلا أن زيارتي الاخيرة لأحدى صيدليات مدينة الرياض حفزتني على التفكير الجاد في أهمية تجربة العميل! مقدمة الخدمة صيدلانية شابة اتسم تعاملها باللطف المتميز والاستثنائي والاهتمام المركز، والحرص على سلامة صحتي. هذا التعامل الراقي دفعني الى اتخاذ قرار حصر تعاملي مستقبلاَ مع الصيدلية المشار إليها لثقتي بان تجربتي ستكون مميزة في الزيارات المقبلة.
سلوك الصيدلانية الحضاري والإنساني، والحرفي المتميز،أعاد إلى ذاكرتي محاضرة قيمة لخبير التسويق و الكاتب “فريد لي – Fred .M. Lee “، تناولت أهمية وضرورة “تجربة المريض” للمؤسسات الصحية والمرضى على حد سواء. الاستاذ لي مؤلف كتاب ” If Disney Ran Your Hospital”،والذي سبق ان نال جائزة كتاب العام من الكلية الأمريكية للمديرين التنفيذيين للرعاية الصحية عام 2005.
في محاضرته القيمة المعنونة “رضى المريض أم تجربة المريض؟” طرح الاستاذ “لي” نقاط جوهرية تتعلق بالقواسم المشتركة بين المستشفيات و”شركة ديزني”.وكيف يمكن لمنشآت القطاع الصحي الانتفاع من تجربة العميل المتميزة التي تقدمها شركة “ديزني”، والتي تركز على تلبية الاحتياجات العاطفية للعائلة الباحثة عن الرفاهية والمتعة،بينما تركز المستشفيات والمراكز الصحية على تخفيف مشاعر القلق والخوف والألم.
في مساهماته العديدة المتعلقة في “تجربة المريض” قدم الأستاذ فريد لي مفهوم مبتكر يركز على أهمية سلوكية مقدم الخدمة.ووضح الفرق بين “خدمة العميل ” و”تجربة العميل”. على خلاف الخدمة، تشمل التجربة أبعاد وأحاسيس عاطفية يصعب قياسها، او التحكم بها بشكل كامل من خلال آليات وبرامج ونصوص مكتوبة.
في دراسة أجرتها “مؤسسة غالوب” لسياقات الخدمات الطبية العلاجية أظهرت النتائج أن مجرد استخدام كلمات لطيفة من قبل مقدم الخدمة الطبية المباشر، يقلل من ألم المريض ومعاناته عند تلقي العلاج. وان اللمسات الإنسانية البسيطة تغير بشكل جذري “تجربة المريض” وتحدد انطباعه عن المركز الطبي. فاهتمام المريض وتقييمه لا يقتصران على المستوى العام للخدمات المقدمة في المركز الصحي، بل ان معظم اهتمامه وانطباعه ينصبان على تجربته الشخصية،ومشاعره وجودة الرعاية العلاجية التي تلقاها شخصياَ.
شهدت السنوات القليلة الماضية تغيراَ جذرياَ في مفهوم “تجربة المريض” وتطبيقاته، وازداد الاهتمام في تقييم المرضى لتجربتهم الخاصة بشكل كبير. فالجوانب المادية والإجرائية لتحسين جودة الرعاية الصحية كتقليص فترة انتظار المريض، والحصول على المواعيد في الوقت المناسب، وسهولة الحصول على المعلومات، والتواصل المباشر مع مقدمي الرعاية، وتحسين بيئة مناطق الانتظار، بالرغم من أهميتها البالغة في “تجربة المريض”، الا أن المقياس الأهم والأكثرتأثيراً في تقييم المريض للمنشأة الصحية، ونوعية خدماتها، يتوقف على التفاعل الشخصي والمباشر من مقدم الخدمة العلاجية والمريض.وكذلك التعاطف الصادق لمقدمي الخدمة مع مشاعر الخوف والقلق التي تنتاب المريض أثناء العملية العلاجية.
مما لاشك فيه، ان الآثار الإيجابية لاهتمام مقدم الخدمة الصادق، والتعاطف الإنساني مع مشاعر المريض، وتخفيف توتره وقلقه لا تقتصر على نتيجة الإجراء العلاجي، بل الأهم من ذلك تأثيرها الايجابي في ترسيخ الثقة بين الطرفين، وزيادة ولاء المريض للمؤسسة الصحية، وما يترتب عن ذلك من آثار إيجابية على تصاعد نشاط المركز ونموه، وتحقيق أهدافه الربحية.
بالمقابل، يترتب عن تجربة المريض الشخصية السلبية مع أفراد الطاقم العلاجي نتائج مؤثرة على سمعة المنشأة الصحية، وحجم نشاطها وربحيتها،لا سيما في الوقت الراهن الذي تُسهل منصات التواصل الاجتماعي للأفراد مشاركة نتائج تجاربهم الصحية، وتدوين تقيمهم وانطباعاتهم، وإيصالها إلى ملايين الأفراد خلال فترة زمنية قصيرة.
ماذا عن أثر تجربة المريض على نتائج العملية العلاجية؟
من المؤكد أن لتجربة المريض الإيجابية تأثيراَ مباشراَ على مشاعره العاطفية، وتكوينه النفسي. وصحة المريض الجسدية مرتبطة بصحته العاطفية والنفسية.انعدام أسباب التوتر والقلق، وسعادة المريض وتفاعله الإيجابي مع الرعاية العلاجية المقدمة له، يؤدي بكل تأكيد الى تسريع تحسنه وشفاءه.
تأسيسا على ما تقدم.يقوم مفهوم “تجربة المريض“المعاصر على مشاعر التعاطف التي يبديها مقدم الخدمة العلاجية وتفاعله النفسي الإيجابي مع متلقي الخدمة، وجهوده في تخفيف أحاسيس الخوف والقلق. فتعاطف مقدمي الخدمة العلاجية يعد اليوم سمة التميز الحاسمة بين مؤسسات الرعاية الصحية.
لقد شهد قطاعي الخدمات الصحية العام والخاص في المملكة تقدماَ كبيراَ خلال العقود المنصرمة الثلاث، حجما ونوعا. وأٌنشئت العديد من المدن الطبية والمستشفيات، والمراكز الطبية والصحية المتميزة في مرافقها الضخمة، ومعداتها المتقدمة. الا ان بالرغم من كل ما تحقق مازالت هناك فجوات، ونقص نوعي في التعامل الإنساني المقدم للمراجعين، وتواضع تجربة المريض في غالبية المنشآت. الموقع الدولي المتقدم للمملكة، كعضو فاعل في مجموعة قمة العشرين، الى جانب استحقاق المواطن السعودي خدمات الرعاية الصحية اللائقة به، تفرض على ادارات المنشآت الصحية العامة والخاصة المبادرة في تطوير علاقاتها مع المرضى، والمراجعين وتبني النهج المعاصر لتجربة المريض.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال