الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تناولنا في المقال السابق مفهوم “تجربة المريض” وتطبيقاته،و استعرضنا أهم جوانبه،وما شهده من تطورات خلال العقود القليلة المنصرمة. كما بينا أهمية التفاعل الإنساني المباشر بين مقدم الخدمة العلاجية والمريض، ودور التعاطف الصادق في تخفيف قلق المريض وتسريع شفائه.
تسعى مؤسسات الرعاية الصحية الى إيجاد صيغ جديدة وتطبيقات مبتكرة في ” تجربة المريض”،لضرورتها القصوى،ودورها الحيوي في الاحتفاظ بولاء المرضى واستقطاب مراجعين جدد،وتحقيق أهداف المؤسسة الربحية، الى جانب منافعها العلاجية.وبالرغم من الاهتمام المعلن والجهود المبذولة، إلا أن عدداَ محدوداَ من المؤسسات الصحية نجح في تقديم “تجربة مريض” متميزة وفعالة،لاسيما في الدول الناشئة! هذا الإخفاق الواسع أثار جملة من تساؤلات عن أسباب معوقات نجاح التجربة. هناك تفسيرات عديدة ومتباينة، إلا ان أكثر المعوقات تأثيرا تعزى الى عدم استيعاب إدارات المؤسسات الصحية أساسيات مفهوم ” تجربة المريض” وتطبيقاتها ومنافعها.
لابد من التأكيد على أن اهتمام المؤسسات الصحية في سلامة المرضى، وحرصها على شفائهم التام والعاجل، ورغبتها في تقديم خدمات صحية متقدمة ليست مثار شك.فالمؤسسات الصحية تنفق سنوياَ مبالغ ضخمة لتطوير مستوى خدماتها،وتعزيز مهارات كوادرها الطبية والإدارية، وتحديث قدراتها التقنية وتوسيعها. لكن ماذا عن اهتمامها في “رضا المريض”؟ وماذا عن مراعاتها الجوانب الإنسانية لنشاط الرعاية الصحية، والتي تعد أهم أسس الخدمات الصحية والعلاجية؟
ما يثير التساؤل،استمرار التجاهل الملحوظ للجوانب الإنسانية في خدمات الرعاية الصحية.وإهمال مشاعر المرضى وأسرهم، وعدم مراعاة آرائهم وانطباعاتهم عن مستوى الخدمات المقدمة ونوعيتها،بالرغم من تطور الثقافة الصحية ونمو الوعي الصحي.
إضفاء الطابع الإنساني على الخدمات المقدمة لا يحتاج جهوداَ ضخمة،بقدر ما يتطلب منهجية عمل واضحة قائمة على علاقة إنسانية عميقة ومباشرة بين متلقي العلاج “المريض”،ومقدمي الخدمة العلاجية.نجاح هذه العلاقة يستدعي قيام المؤسسات الصحية العامة والخاصة في اعتماد ثقافة “اللطف البشري” الصادق في الخدمات المقدمة في مرافق وأقسام منشآتها. فالابتسامة العريضة والتواصل البصري وسواها من أوجه التعامل الشكلي والتقليدي لم تعد وسائل ترضي المريض،وتعزز قناعته في جودة خدمات المؤسسة الصحية!
لقد أظهرت نتائج دراسات علمية تناولت منهجية “تجربة المريض”،أن مراجعي المؤسسات الصحية بشكل عام والمرضى بشكل خاص يعتمدون في تحديد مستوى رضاهم عن الخدمات المقدمة لهم على حزمة واسعة من المعايير تشمل؛أسلوب تعامل موظفي الاستقبال والاداريين والمحاسبين وحراس الأمن، ومهارة الأطباء والأطقم الطبية المختصة والمساندة،وتعامل الممرضين والممرضات.بالإضافة الى بيئة المركز، وجودة المرافق،وتوفر مواقف المركبات الخاصة،عدد آخر من المعايير.
هذه النتائج تفرض على إدارات المراكز الصحية ضرورة تطوير مهارات موظفي خط التماس الأول،كموظفي الاستقبال وحراس الأمن،والإداريين، وتأهيلهم لاستخدام النهج الإنساني اللطيف في التعامل اليومي مع المراجعين، وتمكينهم من العمل بثقة وحماس لبناء البيئة الملبية لاختيارات المراجعين ومتطلباتهم.
تجدر الإشارة إلى أن نتائج استطلاعات آراء المرضى ومراجعي المراكز الصحية غالبا ما تؤكد ان تقييم المرضى للخدمات المقدمة يتسند بشكل أساس على تعامل موظفي الاستقبال لكونهم خط التماس الأول والمباشر مع المراجعين.ومع وضوح هذه الأهمية إلا أن موظفي خط التماس الاول مازالوا يتلقون قدراَ ضئيلا من التأهيل والتدريب!
استنادا الى ما سبق، تقديم “تجربة مريض”متميزة واعتماد التعبير عن المشاعر الإنسانية الصادقة في الخدمات الصحية والطبية المقدمة يتطلب توفير مقومات أساسية أهمها:
أولاَ. تبني المؤسسة الصحية فلسفة “الخدمة الممزوجة بالمشاعر الإنسانية”، ومفهوم “تجربة المريض” وتطبيقاته كنهج أساس للقيادة التنفيذية وفرق العمل،واعتمادها رسالة ثابتة للمؤسسة.
ثانياَ. تعزيز الاستثمار في رأس المال البشري،وتأهيل فرق العمل لا سيما العاملين في خط التماس الأول على طرق تحسين “تجربة المريض”.
ثالثاَ.مراعاة خصائص الحماس،والشغف في تقديم الخدمات الصحية و الدوافع الإيجابية في الأفراد،عند اختيار الموظفين الجدد،والتركيز على مبادئ المشاعر الإنسانية في سياقات تأهيلهم.
رابعاَ.اعتماد التزام العاملين في إبْدَاءُ المشاعر الإنسانية ومبادئ تجربة العميل معياراَ للترقية والتقدم الوظيفي.
خامساَ. تعيين خبير متخصص في “تجربة العميل ” للإشراف على تطبيق استراتيجية التجربة بنجاح متواصل.
سادساَ.تطوير نظام تواصل يضمن للمرضى والمراجعين تواصلاَ سهلاَ وفعالاَ مع إدارات المؤسسة وموظفيها.فجوة التواصل غالباَ ما تقود الى تبعات سلبية على العلاقة بين الطرفين.بينما يترتب عن التواصل الفعال نتائج أفضل دون شك.
سابعاَ. تطوير مهارة الأطباء وأساليب تعاطفهم مع المرضى.أوضحت دراسة أجريت في قسم جراحة العظام في “مستشفى ماساتشوستس العام” ان نسبة رضى خمس وستين من المائة من المرضى الجدد تعزى الى مهارة الطبيب المعالج وتعامله الإنساني.فقيام الطبيب في إجراء حوار مفتوح،وإظهار المشاركة الوجدانية والإصغاء المركز إلى مخاوف المرضى،تمنحهم القناعة والرضى من العناية الخاصة التي تلقوها.
توظيف المشاعر الإنسانية والتعاطف في الخدمات المقدمة الى المرضى، والتركيز على تخفيف حدة معاناتهم الجسدية والنفسية لا تعد اليوم مجرد خيارا ادارياَ،بل ضرورة تقتضيها ديمومة المؤسسة الصحية، والتزام أخلاقي يميز المؤسسات القائمة على أهداف إنسانية نبيلة ومسؤولية مجتمعية راقية، عن تلك التي تركز على تعظيم الأرباح.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال