الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لم يحصل التعليم في تاريخه قط على الاهتمام الذي يحصل عليه حاليّاً؛ فنحن نشهد عصراً تعاظمت فيه أهمية المعرفة بشكل كبير جدًا، وأصبح اقتصاد القرن الحادي والعشرين اقتصادًا يعتمد على التعليم والمعرفة وهيمنتها بشكل أساسي، ويفوق هذا الاقتصاد في أهميته رأس المال والموارد الطبيعية والعمالة التي كانت أصول الاقتصاد التقليدي.
وحتى يمكن الاستجابة لهذا النموذج المغاير، الذي يركز على الاقتصاد المعرفي واقتصاديات التعليم، فإنه يلزم توفير مجموعة من العناصر المهمة، يقع في مقدمتها عنصر الموارد البشرية المؤهلة، وذلك من خلال نظم تعليمية ناجحة وذات فعالية وكفاءة عالية، قادرة على تنمية رأس مال بشري يتميز بأنه أكثر قدرة على البحث والتطوير والابتكار، وإتقان المهارات التقنية الحديثة، وأكثر مواكبة لمطالب التنافسية الاقتصادية.
وفي ضوء هذه الأهمية المحورية والعالية جدًا التي يتصدرها التعليم في عملية إعداد رأس المال البشري، أصبح تمويل التعليم والإنفاق عليه شاغلًا أساسيًا لصناع السياسات التعليمية ومسئولي التعليم؛ وأصبح التعليم ينظر إليه بوصفه استثمارًا إنتاجيًا له عائد اقتصادي واجتماعي ملموس وواضح على المدى الطويل.
وهنا تأتي الإشارة إلى أنه قد تأكدت أهمية الاستثمار في التعليم من خلال بحوث اقتصاديات وعائدات التعليم، التي بصَّرت المعنيين بالتعليم والسياسيين والاقتصاديين بمبررات الإنفاق على التعليم وذلك بالنظر إلى عائدات التعليم التي يجنيها الفرد والمجتمع، ومساهمته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ فعلى المستوى الفردي، يتجلى أثر الاستثمار في التعليم عند المقارنة بين أجور الأشخاص المتعلمين وغير المتعلمين، وبين أجور حاملي الشهادات المختلفة، ويطلق على هذا المقياس العائد الاجتماعي للاستثمار في التعليم. أما على الصعيد المجتمعي الأوسع، فإن التعليم يسهم في تحسين الموارد البشرية وتطويرها من خلال رفع كفاءاتهم وقدراتهم المهنية، ومن ثم رفع إنتاجية القطاعات المختلفة للاقتصاد.
ويختلف الاستثمار في التعليم من منظور التحليل الاقتصادي عن الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والصناعية الأخرى، نظرًا لاختلاف ماهية المنتج التعليمي؛ فاكتساب المعرفة مفهوم يصعب قياسه بدقة، هذا إلى جانب العوائد الأخرى غير المباشرة للتعليم التي تعود على المتعلمين بشكل شخصي، من مثل أنماط الفكر والسلوك والقيم. وبالطبع فإن الوعي بهذه الأهمية الجوهرية للاستثمار في التعليم ودوره في تحديد مصير الأمم قد ألقى مزيدًا من الأعباء على حكومات الدول، والتي تتباين آليات الإنفاق على التعليم ومصادره فيها بتباين ظروفها الخاصة ومستوى التنمية الاقتصادية والسياسة المالية المتبعة بها، والمكانة التي يشغلها التعليم في عمليات التنمية بها. وقد تصدت المملكة العربية السعودية، كما هو الحال في كل الدول النامية، لأعباء التعليم أساساً بالاعتماد على الإنفاق الحكومي خلال عقود طويلة سعيًا منها لتحقيق مكتسبات تعليمية تسمح بتعزيز مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال توفير التعليم للجميع وبجودة عالية. كما عملت على تفعيل هذا الاستثمار، من خلال اعتماد سياسات أكثر نضجًا وانفتاحًا، لا سيما من خلال السماح للقطاع الخاص المحلي والأجنبي بالمساهمة بأدوار أكبر في كافة المراحل التعليمية، مع الحرص على أن يكون التعليم في القطاع الخاص مرتبطًا بالسياسات والأهداف الحكومية لرؤيتها الوطنية لدور التعليم وإسهامه في توفير متطلبات سوق العمل في القطاعين العام والخاص. وقد أدت كل هذه الجهود إلى زيادة كبيرة في أعداد المسجلين في قطاعي التعليم الحكومي والخاص.
وفي ضوء ذلك أعطى صندوق الاستثمار السعودي أهمية للجانب التعليمي في العملية الاستثمارية ذات العائد الاقتصادي، ومن أبرز الأمثلة على ذلك إنشاء شركة تطوير القابضة التي تعتبر شريك أساسي في تحقيق رؤية 2030، حيث تؤدي شركة تطوير التعليم القابضة وشركاتها دور استراتيجي في مساندة وزارة التعليم من خلال شركاتها وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في التعليم، وقدمت جهودًا متقدمة لدراسة وتنفيذ فرص استثمارية وتنموية في قطاع التعليم.
فتوافقًا مع رؤية المملكة العربية السعودية 2030 أطلقت وزارة التعليم مشروع القسائم التعليمية، مع بداية العام الدراسي 1437/1438هـ. وتم إسناد إدارة وتشغيل المشروع إلى شركة تطوير التعليم القابضة. ويسعى البرنامج الى العمل على توفير خدمة تعليمية متميزة لطلاب التربية الخاصة ورياض الأطفال وتهيئة فرص التحاق متساوية لتعليم متكافئ ومناسب وفق اعلى المعايير، بالإضافة الى تشجيع القطاع الخاص على تطوير التعليم العام وترشيد الإنفاق الحكومي وتحقيق التوسع في التعليم الأهلي في جميع مدن ومناطق المملكة العربية السعودية للوصول الى أهداف وزارة التعليم لبناء مجتمع معرفي منافس عالمياً.
وهنا تأتي الإشارة إلى أهمية الاستثمار في التعليم بكافة مراحله من مرحلة رياض الأطفال إلى مرحلة الدراسات العليا، وأن يكون ذو عائد اقتصادي مبني على كفاءة الإنفاق.
وفي الختام؛ صندوق الاستثمارات العامة أدرك أهمية التعليم في الجانب الاقتصادي، ولذلك جعله أحد أهم محاوره وأهدافه وبرامجه الاقتصادية.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال