الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يعمل التحول الرقمي على إعادة تشكيل اقتصادات الدول خاصةً مع دخوله في كافة المجالات كالقطاع المالي والصحي والخدمات الحكومية. أدى هذا التحول الى ازدياد الطلب على متخصصي تكنلوجيا المعلومات والاتصالات في جميع أنحاء العالم والمملكة ليست بمعزل عن هذا العالم، خاصةً مع النهضة التكنلوجية التي تشهدها في مجال الشركات الناشئة في هذا القطاع. وقد أدى ازدياد الطلب إلى معاناة الكثير من الشركات من نقص العمالة في مجال الاتصالات وتكنلوجيا المعلومات، والتنافس على العمالة الماهرة فيما بينهم، وتسرب العاملين من شركة إلى أخرى. هذه المشكلة تثير قلق الحكومات وأصحاب الأعمال لما قد يؤديه هذا النقص من تقييد للنمو.
تلجأ الكثير من الشركات العاملة في هذا القطاع في المملكة إلى الاستعانة بعاملين عن بعد في دول أخرى كدول شرق آسيا أو مصر والأردن لتسيير أعمال شركاتهم إما لعدم توفر العدد الكافي من العمالة المتمكنة محلياً، أو لأن تكلفة العمالة في هذه الدول أرخص، فما تدفعه الشركة لعامل مبتدئ محلياً يمكن أن تدفعه لعامل ذو خبرة أكبر في الدول ذات العمالة الرخيصة. ولكن هذا ليس حلاً مستداماً إذ له مخاطره المتعلقة بتسرب البيانات، وصعوبة الإدارة عن بعد، ونقص المرونة. كما أن له أضرار اقتصادية كبيرة من هجرة الأموال للخارج، والإضرار بالتوظيف المحلي، وعدم الانتقال المعرفي للمهارات داخلياً. ومع التقدم التكنلوجي الذي تشهده المملكة العربية السعودية في قطاع تكنلوجيا المعلومات والاتصالات، وتوجه العديد من رواد الأعمال للعمل في هذا القطاع، أصبح من اللازم إيجاد حلول وسياسات للتغلب على هذه المشكلة لتعزيز النمو الاقتصادي على المستوى المحلي والعالمي.
بعد الاطلاع على بعض من أفضل الممارسات والسياسات الدولية المتبعة لمواجهة هذه المشكلة، هناك بعض الإجراءات والمبادرات المقترحة والتي من الممكن أن تساهم في تجاوز هذه العقبة. أولاً: يجب إيجاد آلية وطنية للتنبؤ بالمهارات المحلية (National skills forecasting mechanism) بحيث تقيس الفرق بين العرض والطلب المتوقع للعمالة الماهرة في تخصصات معينة في عدد من السنوات القادمة، وتشير إلى النقص والفائض من العمالة في سوق العمل في المستقبل. وتكمن أهمية هذه الآلية أن المعلومات الناتجة عنها يمكن أن تكون خارطة طريق للجامعات والمعاهد عند فتح تخصصات جديدة، وتحديد نسب القبول، وتطوير برامج جديدة متنوعة مبنية على مستقبل سوق العمل. كما أنها ستساعد الطلاب في تحديد تخصصاتهم بناءاً على الفرص المتوقعة مستقبلاً في سوق العمل. كذلك يمكن لهذه الآلية أن تعين الجهات المختصة في وضع القرارات الخاصة بالإحلال والتوطين.
كذلك يلعب التدريب المستمر دوراً هاماً جداً في تطوير المهارات في هذا القطاع كونه أحد أسرع القطاعات تغيراً وتجدداً لذلك يجب تطوير برامج تدريبية مختلفة تتناسب مع كافة المستويات والأعمار مع تطوير نظام شهادات واعتماد مؤسسي لهذه البرامج. فعلى مستوى طلاب المدارس، يجب على الجهات المختصة إنشاء نظام تدريب وطني ومنظمات تدريب تضمن حصول الطلاب من المراحل الدراسية المبكرة على تدريب عالي الجودة في المهارات الأساسية في هذا القطاع سواء التقنية أو الناعمة (Soft skills/ Technical skills ) حيث لا تقتصر المهارات التي يتعلمها الطلاب على البرمجة فقط بل تتجاوز ذلك لتشمل: حل المشكلات، والتحليل، والطرق السليمة والأخلاقية لاستخدام التكنلوجيا. فالأطفال هم مستقبل القوى العاملة لدينا وتعليمهم المهارات الأساسية في سن مبكرة يجعلهم أكثر استعداداً لاكتساب المهارات المستحدثة مما قد ينعكس إيجاباً على سوق العمل مستقبلاً.
بالإضافة إلى ذلك يمكن تقديم مبادرات للتدريب على المهارات من برامج تقودها الصناعة، بحيث تضع الشركات بالتعاون مع الجامعات برامج التدريب التعاوني إذ توفر هذه البرامج تدريب وثيق الصلة بالوظيفة لأن من يضع منهجه هم الشركات العاملة في المجال فهم الأكثر علماً بالمهارات الفعلية التي يحتاجها سوق العمل، ويمكن من خلالها أن تجد الشركة موظفيها المستقبليين عن طريق التعرف على مهاراتهم وقدراتهم خلال فترة التدريب. يمكن للدولة أيضاً التشجيع على انشاء مجالس مهارات قطاعية (Sector skill councils) بحيث تشرك الموظفين المحترفين وذوي الخبرة في القطاع في وضع برامج تدريبية. وتلعب هذه المجالس دوراً هاماً في تحديد المهارات المطلوبة في القطاع بشكل دوري، وتطوير خطط وأنظمة لتنمية هذه المهارات، ووضع برامج تدريبية محدثة ومطورة بشكل مستمر يمكن تعميمها على العاملين في القطاع لتنمية مهاراتهم.
أيضاً يمكن للشركات أن تطلق برامج تدريبية مصممة لغير المتخصصين في مجال تقنية المعلومات والاتصالات وخاصة خريجي البرامج العلمية كالعلوم والتكنلوجيا والهندسة والرياضيات (STEM subjects) بهدف تحويلهم إلى متخصصين جاهزين في مجال التكنلوجيا لسد النقص عند الحاجة أو في حال رغبتهم في تطوير مهاراتهم في قطاع تقنية المعلومات خاصة مع دخول التقنية في كافة المجالات في الوقت الحاضر.
وعلى الرغم من أن الكثير من الشركات تدرك أهمية القوى العاملة الماهرة وأن جودة عملها وإنتاجيتها أفضل إلا أنهم وخاصة الشركات الناشئة قد يفتقرون إلى الوقت أو الموارد لتدريب الموظفين لذلك ينبغي الحرص على أن تكون البرامج التدريبية سواء العامة أو الخاصة مرنة. ويمكن أن تقام هذه التدريبات عن طريق السماح للموظف بدوام جزئي لحضورها، أو جعل وقتها خلال الفترات البطيئة من دورات العمل، أو استضافة المدربين في الشركة لعمل الدورات التدريبية اللازمة بدلاً من ارسال الموظفين لحضور هذه الدورات. كما يجب على الجهات الحكومية التأكد من أن الشركات على دراية بخطط التدريب الممولة من القطاع العام مثل المنح الدراسية التدريبية أو الدعم الجزئي لتكاليف التدريب.
كذلك يمكن للدولة تعزيز التعاون بين الشركات الكبيرة والصغيرة عن طريق تقديم مبادرة حكومية لنقل الخبرات، بحيث تمكن الشركات الناشئة في القطاع من استعارة المبرمجين أو الفنيين أو المهندسين ذوي الخبرة من الشركات الكبيرة للعمل لمدة عامين لديهم على سبيل المثال حتى يتم دعم الشركة الناشئة وتحسين معرفة ومهارات الموظفين فيها على أن يكون هناك مقابل للشركات الكبيرة من الدولة إزاء هذه الخدمة. يمكن للجهات الحكومية كذلك وضع سياسات لتخفيف إجراءات استقطاب الوافدين في القطاعات التي تفتقر للقوى العاملة المحلية الماهرة، أو إعفاء الشركات الناشئة والصغيرة من لوائح العمالة الوافدة بشكل مؤقت في هذا القطاع حتى تكون هناك عمالة محلية ماهرة توفي بمتطلبات سوق العمل.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال