الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
أن تنجز خدماتك الحكومية عبر الانترنت، أن تؤسس شركة وتوظف مئات الموظفين وتدير علاقاتك مع الجهات الحكومية وتوثّق عقودك وتنهي كل ما تحتاج إليه عن بعد وفي أي وقت ومن أي مكان دون الحاجة لزيارة أي مقر حكومي، فهذا يعني أنك تعمل في المملكة العربية السعودية، حيث تقدم نضج الحكومة الالكترونية بشكل مضطرد ومتزايد خلال السنوات العشر الأخيرة بشكل يجعل المقارنة بالفترات السابقة عملية صعبة للغاية، ويرفع مستوى الطموح بشكل كبير لدى الكثير من المهتمين والمتابعين، ومن ضمنهم كاتب هذا المقال.
هذا التوسع الكبير نتج عنه منظومة رقمية ضخمة من المنصات الحكومية، لكل واحدة منها وظيفة أو مجموعة وظائف، إلا أنها تتشابك فيما بينها على نحو يبعث بالحيرة أحياناً في ظل التحديثات المستمرة في هذه المنظومة الرقمية العظيمة.
وكمدخل لفهم تحديات الحالة الراهنة، سأعرض الموضوع من وجهة نظر العميل، مع التركيز على الوظيفة التي يطلبها العميل “Job to be done” أو المهمة التي يسعى لإنجازها عند طلب أي خدمة حكومية، وسأستعرض مثالاً بسيطاً ومتداولاً بشكل مستمر، فحين ترغب شركة ما بنقل خدمات موظف ما إليها، فإن المهمة المطلوب إنجازها هي بوضوح وبساطة “توظيف موظف أجنبي قادم من شركة أخرى”، ولكن هذه المهمة يتم ترجمتها على النحو الآتي من خلال منظومة التعاملات الرقمية الحكومية:
بذلك؛ يكون الموظف استكمل عملية النقل بين شركتين، بعد استكمال أربع خطوات، واستخدام ثلاث منصات الكترونية حكومية كل واحدة منها تحقق جزء من المهمة المطلوب إنجازها، وجميعها مجتمعة تحقق مهمة واحدة للعميل.
وهنا يوجد تساؤل سطحي في شكله جوهري في مضمونه، مفاده: لماذا لا يتم اختصار كافة هذه الخطوات في خطوة واحدة في منصة واحدة؟
باختصار شديد؛ كما أن للعميل مهمة يرغب بإنجازها، فإن مهمة الجهات الحكومية بصفتها التنفيذية هو تلبية متطلبات الأنظمة واللوائح بأعلى كفاءة في إطار صلاحياتها هي، لا في إطار صلاحيات كافة القطاعات الحكومية، الأمر الذي تحاول بعض الجهات الحكومية تجاوزه من خلال إنشاء منصات جامعة تقدم خدماتها لأكثر من جهة حكومية تحت مظلة واحدة من خلال شركات مملوكة للحكومة، كانت من روّادها “أبشر” و”مقيم”، وامتدت لتكون ظاهرة في معظم الجهات الحكومية.
هذه المنصات وغيرها من بوابات الخدمات الحكومية، تتكامل فيما بينها من ناحية جلب البيانات بشكل رائع، إلا أن هذا التكامل يقف في معظم الحالات عند حد استعادة البيانات قواعد بيانات الجهات الحكومية الأخرى أو مشاركتها معها دون أن يؤدي ذلك إلى اختصار خطوات حقيقية، أو يؤثر إيجاباً بما يُعرف في علم تجربة العميل بـ”درجة جهد العميل”، فلا يزال مطلوباً من العميل تكرار زيارة بوابة/منصة أخرى لاستكمال إجراءاته.
وأُعيد السؤال مجدداً بشكلٍ آخر؛ هل يمكن لهذه المنصات وبوابات الخدمات الالكترونية الخاصة بالجهات الحكومية أن تنضم في منصة واحدة لتصبح أكبر وتحقق الحاجة بشكل أكثر فعالية وتكاملية؟
في الواقع؛ قد يبدو ذلك للوهلة الأولى هو الحل، أن تكون منصة المنصات الحكومية هي الحل الفعلي لكل الخدمات الحكومية عن طريق ما يعرف بمنصة النافذة الواحدة لقطاع الأعمال أو محل النقطة الواحدة “One stop shop”، ولكن هل هذا هو الحل فعلاً؟
لن أعلّق على هذا الحل من ناحية تقنية، ولن أعلّق عليه كتحدي تنظيمي، ولن أستشهد بتجربة “مراس” التي أطلقتها وزارة التجارة سابقاً كمركز موحد أو نافذة واحدة لخدمة الأعمال، بل سأعلق عليه من ناحيتين، الأولى هل هناك مشكلة تواجه المستفيد من قطاع الأعمال أساساً في تناثر المنصات الحكومية؟ الثانية: هل هناك فرص ضائعة في وسط هذه المنظومة الرقمية؟
للإجابة على السؤال الأول، سأختصرها بشكل مباشر وواضح بأن تحسين تجربة العميل هي مهمة لا سقف لها، والتطوير المستمر مطلب دائم لا يتوقف عند حد، ورفع رضا المستفيد هو مستهدف واضح وصريح من مستهدفات رؤية المملكة 2030، والتحدي اليوم هو أن متطلبات العميل -وطبعاً أعني من قطاع الأعمال- متفاوتة بحسب طبيعة نشاطه والجهات الحكومية التي تؤطر تشريعاتها نشاطه التجاري، وإذا كان هدفنا هو تحقيق تجربة أفضل للعميل، فأستطيع القول بثقة عالية بأن هذا الأمر لن يتم من خلال منصة جامعة مانعة لسبب منطقي، وهو عدم إمكانية تحقيق هدف توفير منصة وحيدة تصلح لكل الناس، فالعامل في قطاع المقاولات تختلف احتياجاته من الخدمات الحكومية جذرياً عن العامل في قطاع الأوراق المالية، والشركة الصغيرة التي لا يتجاوز موظفيها عشرة موظفين، لا تشبه احتياجاتها أبداً ما تحتاجه الشركة التي تضم آلاف الموظفين.
بمعنى آخر؛ فمنصة المنصات الحكومية، حتى وإن تمت فلن تحقق الشمولية الكاملة لكافة الخدمات الحكومية، وستبقى تعددية المنصات ظاهرة ينبغي التكيّف معها بشكل أو بآخر، وستكون بطبيعة الحال أفضل مما كنّا عليه قبل عشرة أعوام.
ليس ذلك فحسب، فأضيف لذلك أن الرحلة الحقيقية للعميل لا تبدأ أو تنتهي بالعادة في القطاع الحكومي، بل أن كافة خدمات الجهات الحكومية هي جزء من رحلة طويلة، تبدأ وتنتهي على الأغلب في أنظمة العميل ذاته.
إذن؛ فما هو الحل؟ قطعاً لا أملك عصا سحرية تشير إلى الحل، ولكن سأعرّج هنا على جانب الفرص الضائعة في هذا الزخم الرقمي الذي توفره هذه المنظومة الرقمية الحكومية، ومختصرها هو الفرصة الضائعة للاقتصاد الرقمي في المملكة من خلال تمكين القطاع الخاص من تطوير منظومة تقنية تلبي احتياجات العميل التي يحتاجها من الجهات الحكومية من خلال البيانات المفتوحة والتكامل والربط التقني وإتاحة تطبيقات الواجهات البرمجية للقطاع الخاص العامل في مجال التقنية.
ولتبسيط الفكرة؛ سأستعرض بعض الأمثلة من الحالات التي تبيّن المقصود بالكلام أعلاه، وأولها البرنامج الوطني الضخم الذي أطلقته هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، المتمثل بالفاتورة الالكترونية، حيث أتاحت الهيئة لمطوري البرامج فرصة الربط التقني مع تطبيقات الهيئة، الأمر الذي نتج عنه قيام القطاع الخاص بتطوير عدد ضخم من تطبيقات الفوترة الالكترونية بأشكال مختلفة كل منها يلبي احتياج فئة مختلفة من العملاء، وأصبحنا نلمس بوضوح حجم سوق تطبيقات الفوترة الالكترونية الذي تمدد واتسع وازداد نضجاً نتيجة ما قامت به الهيئة، والذي كان من آثاره رفع كفاءة الحلول المحلية للفوترة، وتعزيز انتشار الحلول المحلية مقابل الحلول الأجنبية التي كانت أكثر انتشاراً في فترة سابقة، ونمو للشركات التقنية العاملة في أنشطة الفوترة ورفع مستوى نضجها بما يمكنها أن تكون قادرة على المنافسة محلياً وخارجياً وهنا مربط الفرس! فالقدرة على تصدير الحلول المحلية التقنية خارجياً قد يكون المؤشر الأهم لقياس نمو الاقتصاد الرقمي السعودي.
كمثال آخر؛ سأتطرق إلى تجربة “مدد” و”جسر”، حيث هيّأت شركة “تكامل” المملوكة للحكومة، منصة “مدد” لضبط العلاقة التعاقدية بين الموظف وصاحب العمل من ناحية الأجور والعقود الوظيفية، بحيث تربط هذه المنصّة بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية مع وزارة الموارد البشرية لضمان توثيق عقود الموظفين وتسليم أجورهم في الوقت المحدد بحسب العقد الوظيفي، أما “جسر” فهو عبارة عن منتج وطني بدأ كمشروع ناشئ عام 2016 في الرياض لحل مشكلة إدارة عمليات الموارد البشرية للشركات الصغيرة والمتوسطة، وقبل بضعة أشهر، تم الاتفاق بين الطرفين على الربط التقني والذي كان نتيجته أتمتة عمليات إدارة الرواتب والالتزام لمستخدمي “جسر” بعد أن أتاحت “تكامل” من خلال “مدد” فرصة الربط التقني.
للتوضيح بشكل أكبر؛ كان صاحب العمل مخير بين استخدام “مدد” كوسيلة لرفع مسيرات الرواتب أو رفع مسيرات الرواتب المعتمدة من البنوك لتوثيق إيداع الرواتب لموظفيه، في حين أن “جسر” كان يقدم العديد من خدمات الموارد البشرية المتكاملة ومن ضمنها إدارة المسيرات ورفعها للبنوك، فما حدث هو باختصار شديد أنه من خلال إتاحة الربط والتكامل التقني بين “مدد” و”جسر” تمت أتمتة رفع المسيرات عبر “جسر” وتقديمها للبنوك وصرف الرواتب وتسجيل العمليات في “مدد” بشكل تلقائي دون أي تدخل بشري، فقط من خلال استخدام “جسر” دون الحاجة لأي نظام آخر، بمعنى أدق: تم اختصار خطوات العميل وتقليل جهده بشكل مباشر وواضح.
ولأن “جسر” تعمل -مثل أي شركة تطوير منتجات- جنباً إلى جنب مع عملائها وتوفر القيمة الكاملة لعملائها في نطاق اختصاصها، فهي قادرة وبكفاءة عالية على فهم احتياجاتهم وتوفير الحلول المثالية في مجال الموارد البشرية، والنتيجة هي منتج أفضل للمستفيد النهائي، العميل في القطاع الخاص، وتجربة أكثر تميزاً للوظيفة/المهمة التي يطلبها، ونجاح مميز لمنتج وطني يعزز من الاقتصاد الرقمي في المملكة.
أؤمن بشكل كبير أن الجهات الحكومية وإن بذلت الجهد العظيم، سيضيق عليها سقف تطوير تجربة المستفيد الرقمية، لأن واجبها الرئيسي هو تطبيق التشريعات في إطار عملها، وأن استخدام الشركات الحكومية كمخرج لن يغير الحال بشكل ملموس في تجربة العميل لانعدام المنافسة ومحدودية صلاحيات هذه الشركات، ولن يضيف ذلك للاقتصاد الرقمي بشكل فاعل نظراً لأن هذه الشركات الحكومية خُلقت كذراع تنفيذي وقد لا تنجح بالضرورة في التحول إلى شركات تحقق رؤية مستدامة في تنمية القطاع الرقمي.
من زاوية أخرى؛ فإن محاولة أي جهة حكومية في الوصول إلى كمال تجربة العميل الرقمية، تتعارض في جوهرها مع وظيفة هذه الجهة، حيث أن غالبية الخدمات التي تقدمها أي جهة حكومية أو القيمة التي تقدمها لمستفيديها لا تشكّل بالضرورة رحلة عميل كاملة، بل غالباً ما تكون جزءاً منها، وتشارك جهات حكومية وغير حكومية مراحلاً أخرى من هذه الرحلة، ولن تصل هذه الرحلة إلى الكمال ما دامت تستلزم أكثر من خطوة! وفي المثال الذي استعرضناه سابقاً حول رحلة تسجيل موظف أجنبي قادم من جهة عمل أخرى توضيحاً لذلك.
وبالحديث عن الاقتصاد الرقمي، أتساءل ونحن نعيش ونلمس هذه الحياة الرقمية المبهرة، ما هو نصيبنا من الصادرات الرقمية في قطاع تطوير الأنظمة التقنية؟
وهنا أنا لا أملك أرقاماً، ولكن أؤمن بأن الشركات الحكومية المسيطرة على هذه الخدمات لن تفلح في ذلك ليس قصوراً فيها، بل لأنها ستكون مكبّلة -كما أسلفت- كذراع تنفيذي فقط يخدم أهداف وزارة أو منظومة قطاعات حكومية بدلاً من أن تستقل برؤية وتصور مستقبلي خاص، وشفافية عالية، والاستثناء الوحيد في هذا المشهد هو شركة “علم” التي مرّت بمخاض طويل من المشاريع الحكومية حتى وصلت لمرحلة النضج المتقدمة التي هي عليها اليوم، وأزعم -بل أراهن- بأن فرصها اليوم في تصدير التقنية تضاعفت منذ إدراجها في سوق الأسهم السعودية نظير الشفافية التي يستلزمها الطرح في السوق، والاستقلالية في التوجه والرؤية عن القطاع الحكومي.
إن تحقيق التكامل التقني من خلال إتاحة الربط البرمجي عبر واجهات التطبيقات البرمجية وإتاحتها للقطاع الخاص، سيعزز فرص القطاع التقني في تطوير حلول ونماذج أعمال لا حصر لها، شهدنا اليوم بعض النماذج على أرض الواقع، ولن أتحدث عن أمثلة عالمية ما دامت لدينا نماذج بدأت فعلاً على أرض الواقع في السوق المحلية من أبرزها قائمة الشركات المحلية التي بدأت في البروز بعد تطبيق نظام الفوترة الإلكترونية، ومثال “جسر” الذي استفاد من الربط التقني مع “مدد”.
قد نكون قد قطعنا شوطاً جيداً في مجال البيانات المفتوحة من خلال إتاحة البيانات للاستعلام والاستفادة منها في منتجات مختلفة يطورها القطاع الخاص، ونشأ عن ذلك ظهور عدد من المشاريع التقنية الوطنية المميزة أذكر منها “عقار ساس” أو “سهيل” اللتان تمدّان السوق العقاري بمعلومات ضخمة وقيّمة من واقع البيانات التي يتم جمعها من المصادر الحكومية المعتمدة ومن أبرزها البيانات المفتوحة لوزارة العدل، وقبلها بكثير ما قامت به “تداول” مع شركات المعلومات المالية، ولكن لا نزال في أول الطريق في مجال الربط والتكامل التقني، الذي أراه ذروة سنام نضج الخدمات الحكومية الالكترونية.
خلاصة القول؛ بعد أن كانت الرقمنة والأتمتة هي الهاجس في تقديم الخدمات الحكومية، سيكون العصر الجديد هو عصر البيانات المفتوحة والتكامل التقني مع القطاع الخاص، أبو بمعنى أدق: تمكين القطاع الخاص، وهنا أشير إلى ثلاث نتائج متوقعة من إتاحة البيانات المفتوحة وتعزيز التكامل التقني مع القطاع الخاص بشكل فاعل بما يشمل إتاحة سوق ضخم لواجهات التطبيقات البرمجية “API’s Marketplace” يشمل الخدمات الحكومية المختلفة، ويمكّن القطاع الخاص التقني في المملكة من التكامل والربط، ألخصها على النحو التالي:
سيكون القطاع الحكومي أكثر توجهاً للعميل، ليس بالتعامل المباشر مع العملاء، بل بتمكين القطاع الخاص التقني من تقديم الخدمات بالشكل الذي يلائم احتياجات المستفيد من قطاع الأعمال، وبما يلبي احتياجاتهم بشكل فعلي ويخدم رحلاتهم بشكل متكامل.
سيمنح فرصة أفضل للقطاع الحكومي للتركيز على تطوير البنية التحتية التقنية بدلاً من تصميم الخدمات وتهيئة الواجهات التي تتقاطع مع المستفيد، كما سينظم التغذية الراجعة للجهات الحكومية بكفاءة أعلى بما يعزز تجربة العميل كمستفيد نهائي من هذه التحسينات.
سيخلق فرص عظيمة للقطاع الخاص التقني في تطوير نماذج أعمال مبتكرة تعزز من المنظومة الرقمية الحكومية المتكاملة بشراكة حقيقية مع القطاع الخاص لا سيما الشركات الناشئة وسيخلق اقتصاديات قوية وفرص أعمال لا حصر لها.
ختاماً؛ فإننا نفخر أشد الفخر بالمنظومة التقنية الحكومية، ونرى أن لدينا الكثير مما يمكن تصديره للعالم أجمع في هذا المجال، لذلك فإن تطوير منظومة متكاملة من الحلول الرقمية يشارك فيها القطاع الخاص المستقل بشكل أساسي، سيكون رافداً حقيقياً للصادرات السعودية في المرحلة المقبلة، فعلى الرغم من تقدم المملكة في كافة مؤشرات البيئة الرقمية، إلا أننا لا نزال في أول طريق تصدير هذه التجربة من خلال المنتجات السعودية الرقمية، ولا أرى حلاً يلوح في الأفق يوازي تهيئة البيئة التي تسهم في بناء الشركات المحلية ونموها.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال