الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يُرجِع مُفَكرو التاريخ الاقتصادي عبارة : دعه يعمل… دعه يمر… إلى مقالٍ نشرهُ وزيرُ الماليةِ الفرنسيِ رينيه دي فوير عام 1751 بمجلة économique الفرنسية ، وفي خمسينيات القرن الثامن عشر طور الاقتصادي الفرنسي فنسنت دي جورناي Vincent de Gournay، المصطلح والمبادئ الأولى للنشاط الاقتصادي بعدم تدخل الدولة فيه ، مطلقًا عبارة laissez- faire، laissez- passer أي «دعه يعمل… دعه يمر» حيث نشأت حينها مدرسة الاقتصاد الطبيعي- الفيزيوقراطية – Physiocracy والتي تؤسس وتنادي لهذا الفكر الاقتصادي ، وعندما زار لاحقا آدم سميث باريس والتقى الفيزيوقراطي فرانسوا كيني وبنيامين فرانكلين وكبار المفكرين لهذه المدرسة فتشكلت لديه فكرة تطوير هذا الفكر من خلال حرية الأسواق حيث استخدمها سميث في كتابة الشهيرة “ثروة الأمم”. وأيدها تباعاً دافيد ريكاردو وغيرهما من الاقتصاديين التقليديين.
تقوم فلسفة مبدأ دعه يعمل دعه يمر .. وفقاً لآدم سميث إلى أن قوى العرض والطلب تسمح لاقتصاد السوق بتنظيمه من تلقاء نفسه ، وأن مستويات الأسعار والأجور والعمال تعمل تِلْقَائِيًّا عن طريق ما سماها ب «اليد الخفية». وهو ما يفسر تكامل أداء الأدوات في السوق لتكون المخرجات وفقا لتلك القوى ، ودون أي تدخل حكومي باستثناء الضرائب التي اعتبرها ضرورية لضمان الرفاهية الاقتصادية، ولا تؤدي إلى عدم الكفاءة أو إعاقة الإنتاج ، ويرى سميث أن الاقتصاد يعمل وفقًا لثلاثة قوانين طبيعية، الأول : هو أن الجميع يجب أن يتصرفوا وفقًا لمصالحهم الذاتية، والثاني : هو أن كل إنسان يعرف جيدا مصلحته الذاتية، أما الثالث : فهو أن كل إنسان يعمل لمصلحته الذاتية، سيضيف هذا التصرف إلى الرفاهية العامة للمجتمع .
وعلى الرغم من أن سميث قد قال بتقليص دور الحكومات في الاقتصاد إلا إنه وبظهور تطورات اقتصادية جديدة مثل التبادل التجاري الخارجي، تخصيص الموارد، تطور الصناعات وغيرها أظهر قصور آليات السوق في أن تعمل لوحدها وذلك بعدم قدرتها على الاضطلاع بدورها ، مما قاد في النهاية إلى حدوث أزمات اقتصادية متتالية ومنها أزمة الكساد الكبير 1929-1932 حيث عجزت حينها المدرسة الكلاسيكية عن إعطاء تفسير واضح لها وهو ما نتج عنه ظهور المدرسة الكينزية بقيادة الاقتصادي الشهير جون مينارد كينز والذي تبنى مشروع تدخل الدولة لتحقيق التوظيف الكامل عن طريق خلق طلب عال ليعادل زيادة الإنتاج ومن ثم تحقيق التوازن ، لكن ما لبث الامر ان عاد المفكر المعروف ميلتون فريدمان وَجدَّد فِكْرَة حُريَّة الأسواق والتقليل من دور الحكومات في الأسواق معارضًا بها آراء علماء الاقتصاد الكينزيين.
في الأزمات الاقتصادية المتتابعة تميل بعض المدارس الاقتصادية إلى أهمية التدخل الحكومي في تنظيم النشاط الاقتصادي والتخطيط والرقابة على الأسعار لتقويض احتمالية أن تكون آلية التسعير بعيدة عن قوى السوق (العرض والطلب) مما يعني أن هذا التدخل سيكون بمثابة الرقابة على السقف الأعلى للمنتجات وذلك بدراسة هامش الربح والتكاليف الإنتاجية والمتغيرات المرتبطة بها من بداية الإنتاج إلى المستهلك ذلك أنه عادة ما تنشأ فرضية تعظيم الأرباح لدى المنتجين والبائعين في ظل الأزمات وأحيانا عندما يرتفع الطلب وكذلك في أسواق الاحتكار مما يوصلنا في نهاية المطاف إلى حفظ التوازن في الأسواق بعيدا عن إخفاقات الأسواق المتوقعة في مثل هذه الظروف ، لقد أثبتت النتائج (إيجابية التدخل الحكومي) وفق إطارها المحدد بالتنظيم والتخطيط وخلق المبادرات والتي بدورها انعكست إيجابا على النمو الاقتصادي في منظومة الاقتصاد الكلي في ظل التوسع والنمو الحضاري العالمي مما شكل منعطفا مهماً بالعودة إلى مدرسة الاقتصاد الكينزي Keynesian economics للمساعدة في التغلب على انخفاض الطلب الكلي بالرقابة على الأسعار والأدوات والمتغيرات المرتبطة بعدم توازنها ، من هنا فإن التدخل الحكومي في الاقتصاد على أسس علمية وعملية إلى الحد الذي لا يفضي إلى غياب المنافسة ، ضرورة ولا يمكن الاستغناء عنه ، ذلك انه وبدونها ستتفاقم الأزمات الاقتصادية التي أثبتتها التجارب العالمية فيما سبق من أزمات .
مجمل القول : لقد أظهرت مخرجات الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والتي عصفت بالاقتصاد العالمي بدءا من أزمة 2007- 2008 مروراً بجائحة كورونا فحرب أوكرانيا ونقص سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف إنتاج السلع الأساسية والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم الحاجة إلى خلق التوازن بين التدخل الحكومي وآليات السوق، خصوصًا فيما يتعلق بدراسة الأدوات التي أدت إلى ارتفاع الأسعار ومن ثم بناء أدوات تسهم في ضبط الأسواق والارتقاء بدورها لتحقيق المرونة المطلوبة وصولاً إلى تحقيق التوازن وعقلانية الأسواق.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال