الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تضخم متسارع أدخل الولايات المتحدة في حالة من الذعر في وقت قياسي بعد أن وصل لمستوى لم يصله منذ ديسمبر 1981 ولا يعرف أين منتهاه، وفي ظل معضلات اقتصادية داخلية عميقة، وتحديات جيوسياسية وجيواقتصادية ليست بالهزل، فهل ستنجح الإدارة الأمريكية في ترويض التضخم ومن ثمّ معالجته بأقل الخسائر الممكنة وبعيدا عن شبح الركود؟
كان لجائحة كوفيد-19 دورا كبيرا في إغلاق اقتصادي قاسٍ، أرغم الحكومة الأمريكية لضخ تريليونات الدولارات لتحفيزه، مما حذر منه العديد من كبار الاقتصاديين كقرار خاطئ سيسرِّع وتيرة ارتفاع التضخم خاصة مع انخفاض قيمة الدولار الأمريكي، وقد حصل.
ثم وبالرغم من وضوح تسارع ارتفاع التضخم واستمرار خبراء الاقتصاد تحذيرهم للمسؤولين، كان البنك الاحتياطي الفيدرالي يرتكب خطأً إضافيا بطمأنته الجميع بأن التضخم الحاصل مؤقت وتحت السيطرة، متحزما بمعنويات سوق مرتفعة التي استفادت من التحفيز الكمي، ولكن أقرت وزيرة الخزينة الأمريكية فيما بعد بعدم صحة ما يحصل، وليعتمد بنك الاحتياط الفيدرالي بوصلة الأساسيات الاقتصادية ورفع نسبة الفائدة 50 نقطة أساس في مايو، ولتُلحق بارتفاع ثاني مقداره 75 نقطة أساس إضافية في يونية وهو الأعلى منذ 28عاما، لتصل نسبة الفائدة إلى 1.75%.
لم تنته القصة هنا، ولكن أكملها رئيس البنك بتنويه لارتفاع ثالث ما بين 50 و 75 نقطة أساس في يوليو القادم، وغالبا لن يكون الأخير لأن البنك يخطط لرفع نسبة الفائدة لحدود 3.5% هذا العام وإلى 3.8% في عام 2023، مما يومئ بأن التضخم سيتأخر في إعطاء إشارات تدل أنه دخل في حالة ترويض نحو بداية رحلة انخفاضه – الذي وصل 8.6% حسب قراءة مايو الفائت – إلى 2% وهي النسبة المستهدفة.
أتت معالجة التضخم المتأخرة في وقت يعاني الاقتصاد الأمريكي أصلا من تراكمات أخطاء سابقة سببت له أمراض مستفحلة في أركانه، من أهمها وصول الدين القومي لحدود لم تعد محتملة، فقد تجاوز هذا الدين 30 تريليون دولار، ولا توجد دلالات حتى الآن تفيد بأن هناك نية جادة لتغييرات في التشريعات التي من شأنها أن تتولى علاج هذا المرض المزمن.
بالإضافة للبنية التحتية المتهالكة، فإن الميل بتطرف غير منطقي نحو مصادر الطاقة النظيفة – التي لم تثبت موثوقية مطمئنة حتى الآن – ومحاربة مصادر الطاقة التقليدية بشراسة، يضع الاقتصاد الأمريكي أمام إشكالية معقدة، مادام مبدأ تكاملية المصادر مرفوض عند اليسار الديموقراطي الحاكم حاليا.
أيضا من ضمن أمراض الاقتصاد الأمريكي يكمن في مواجهته لتحدٍّ ديموغرافيٍّ خطير مرتبط بشيخوخة السكان بحلول عام 2030، مع ارتفاع وتيرة نفقات الرعاية الصحية بشكل أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي منذ عدة سنوات، وأمناء الضمان الاجتماعي لا يرون أي حلول ضريبية جديدة يمكن أن تنقذ برنامج الضمان الاجتماعي الذي يعاني حاليا من نقص التمويل.
الاقتصاد الأمريكي الضخم سيواجه التضخم الذي سيُعالج في معظمه، ولكن لا يُعلم كم سيستغرق من وقت أو ماهي الآثار الجانبية، خاصة أن أدوات السياسة النقدية ليست مسؤولة عن سلامة أرقام النمو وخلق الوظائف، بل وربما تتسبب في تقزُّر الجروح الاقتصادية القديمة أثناء أو بعيد معالجة التضخم، وهذا يفسر قلق العديد من الاقتصاديين والمستثمرين من احتمالية حدوث ركود اقتصادي، والذي اعتبرته وزيرة الخزينة الأمريكية قبل أيام بأنه احتمال وارد، وإن يعتقد الرئيس الأمريكي بعدم حتمية حدوثه.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال