الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يعتبر النفط سلعة حيوية وإستراتيجية وعنصر أساسي في مجريات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وذلك بما توفره الوفورات المالية للدول المنتجة من أهمية بالغة في قرارتها الاستثمارية وسياستها المالية. وعلى الصعيد السياسي فقد أعطى النفط الدول المنتجة وبالذات الكبيرة منها مثل المملكة العربية السعودية، قوة ودعم أمام دول العالم والتي منها حتى الاقتصادات المتقدمة. كما أنه نظراً للتطورات المتسارعة التي شهدها الاقتصاد العالمي في توجهه نحو العولمة اتسمت الأسواق النفطية بالحساسية الشديدة، فهي غير مستقرة حيث تتعرض أسعارها لتقلبات تعود بعضها للعوامل الأساسية التي ترتبط بآلية العرض والطلب نتيجة التغيرات في معدلات نمو الاقتصاد العالمي، وذلك مثل ما حدث خلال أزمة كورونا من التراجع الحاد في الطلب على خلفية حالات تقييد الحركة وإقفال الأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى العوامل الجيوسياسية كما يحدث حالياً في ظل ظروف الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على أسواق النفط والغاز العالمية. وبالنسبة للمملكة العربية السعودية التي تعتمد اعتمادا كبيراً على الإيرادات النفطية، فقد بقيت دوراتها الاقتصادية تعتمد على تقلبات أسعار النفط، وبالتالي أصبح نجاح السياسات الاقتصادية يعتمد بشكل كبير على استقرار السياسة المالية.
وفي حين شهد بداية هذا العام 2022 تسارع وتيرة التعافي للاقتصاد العالمي مع تنامي الطلب العالمي على النفط الذي ارتفع بنسبة 5.3% على أساس سنوي في الربع الأول، فإنه يقدر أن بلغ الطلب العالمي على النفط نحو 102 مليون برميل يوميا، حيث أخذت الأسعار منحنى تصاعدي. ثم بعد أن جاءت التطورات الجيوسياسية نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية ابتداءً من فبراير قفزت أسعار النفط لتقترب من مستوى 140 دولار للبرميل. وعلى أساس سنوي، فقد ارتفعت الأسعار بنسبة 29% للربع الأول 2022، حيث بلغ متوسطها 103 دولار للبرميل. وقد انعكست هذه التطورات في سوق النفط بشكل إيجابي على مؤشرات أداء الميزانية العامة للدولة للربع الأول من عام 2022 في جانب الإيرادات النفطية حيث بلغت 183.6 مليار ريال، لترتفع بنسبة 58% عن مستواها في الربع الأول من 2021. كما عزز هذا الارتفاع في الإيرادات النفطية إلى جانب الأسعار أيضاً زيادة الصادرات النفطية للمملكة بنسبة 30% لتصل إلى 7.3 مليون برميل يومياً في مارس 2022 من مستوى 5.6 مليون برميل يومياً لنفس الفترة من العام الماضي، (الرسم البياني 1).
إنه على إثر الإجراءات الضريبية الاستثنائية التي أدخلتها الحكومة إبتداءً من يوليو 2020 إلى جانب زيادة الرسوم الإدارية وغيرها من الإجراءات المالية التي جاءت ضمن برنامج التوازن المالي بهدف تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية مع سد العجز المالي نتيجة تداعيات جائحة فيروس كورونا فقد سجلت ميزانية الربع الأول 2022 ارتفاعا في الإيرادات غير النفطية بنسبة 7% على أساس سنوي إذ بلغت 94.26 مليار ريال، وشكلت حصتها 34% من إجمالي الإيرادات. وقد جاءت هذه الزيادة بشكل أساسي من الضرائب على السلع والخدمات (ضريبة القيمة المضافة التي تم رفعها من 5% إلى 15% في يوليو 2020 وكذلك الضريبة الانتقائية) لتبلغ 60.4 مليار ريال، حيث سجلت زيادة بنسبة 13% في الربع الأول 2022 مقارنة بالربع الأول من عام 2021، كما شكلت حصتها الأكبر بنسبة 64% من إجمالي الإيرادات غير النفطية وبلغت أيضاً نحو 21.7% من إجمالي الإيرادات. ونظراً لأنها ضريبة استهلاكية، فقد تسببت ضريبة القيمة المضافة في ارتفاع معدلات التضخم تراكمياً في السوق المحلي خلال الثلاث سنوات الماضية، وبالتالي ارتفاع تكلفة المعيشة.
وقد ارتفعت الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية لنفس الفترة بنسبة 28% على أساس سنوي لتبلغ 4.1 مليار ريال، كما ارتفعت حصيلة الضرائب على التجارة والمعاملات الدولية بنسبة 26% لتبلغ 5.06 مليار ريال، مع عودة نشاط الاستيراد. أما الإيرادات الأخرى والتي تشتمل على العوائد المتحققة من استثمارات البنك المركزي وصندوق الاستثمارات العامة إلى جانب رسوم الخدمات والرسوم الإدارية فقد تراجعت بنسبة 11% على أساس سنوي لتبلغ 21.48 مليار ريال، والذي قد يعود سبب هذا التراجع إلى التفاوت بين ربع وآخر في تحصيل هذه الإيرادات. وعلى أساس إجمالي فئات الإيرادات النفطية وغير النفطية للربع الأول 2022، فقد إرتفعت بنسبة 36% مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي، حيث تعزى بشكل أساسي هذه النسبة العالية إلى الإيرادات النفطية، ومن ثم إلى إجمالي إيرادات الضرائب بجميع فئاتها، والتي بلغت 72.7 مليار ريال.
وفي جانب المصروفات، التي هي من أهم أدوات السياسة المالية، جاءت نسبة الزيادة الأعلى في بند المصروفات الأخرى بنحو 18% وذلك من 20.5 مليار ريال في الربع الأول 2021 إلى 24.15 مليار للربع الأول 2022. يليه بند استخدام السلع والخدمات، والذي غالبه يمثل المصاريف التشغلية في القطاع الحكومي، حيث إرتفع بنسبة 15% خلال نفس الفترة على أساس سنوي لتبلغ 31.8 مليار ريال في الربع الأول 2022. كما أنه في ظل تنامي حجم الدين العام، فقد ارتفع بند مصاريف خدمة الدين بنسبة 15% ليبلغ 6.6 مليار ريال خلال الربع الأول 2022، إذ من المتوقع استمراره في الزيادة خلال السنوات القادمة، خصوصاَ مع اقتراب وصول بعض أدوات الدين والصكوك إلى نهاية آجالها والذي يعني الإلتزام بسداد أصول هذه الديون أو إعادة تمويلها، وبطبيعة الحال سوف يشكل ذلك عبءً مالياً متزايداً على الميزانية العامة للدولة في السنوات القادمة. أما من حيث الانخفاض فقد جاءت النسبة الأعلى تراجعاً في الربع الأول 2022 على أساس سنوي في بند المنح بنسبة 88%، وذلك بالمقارنة مع الربع الأول 2021 حيث حينها قدمت المملكة منحاً للمنظمات الدولية المعنية بمكافحة وباء كورونا ومنها منظمة الصحة العالمية بنحو 2.7 مليار ريال. ويليه من حيث الانخفاض بند الإعانات الذي تراجع بنسبة 10%، حيث جاء هذا الانخفاض في الربع الأول 2022 بالمقارنة للفترة المماثلة من العام الماضي على خلفية انتهاء تطبيق الإجراءات المالية الحكومية المتعلقة بدعم شركات ومؤسسات القطاع الخاص التي استمر العمل بها حتى نهاية الربع الأول 2021.
وعلى أساس توزيع النفقات حسب البنود خلال الربع الأول 2022 شكلت تعويضات العاملين الحصة الأعلى من المصروفات بنحو 56.7% لتبلغ 125.7 مليار ريال، والتي ارتفعت بنسبة بسيطة بنحو 2% على أساس سنوي، حيث لا يزال مقدار هذا الإنفاق يمثل تحديا كبيراً للحكومة في ظل حجم الجهاز الحكومي الذي يصل إلى ما يقارب من 3.2 مليون موظف. وتراجع بند الأصول غير المالية والذي يمثل الإنفاق على المشاريع الرأسمالية بنسبة 1% من 14.94 مليار ريال في الربع الأول 2021 إلى 14.83مليار ريال لنفس الفترة من 2022، ما يشكل 16% فقط من إجمالي المبالغ المخصصة لهذا البند في ميزانية 2022، الذي يقدر بنحو 92 مليار ريال. وقد اتخذت الحكومة قراراً بخفض الإنفاق على بند الأصول المالية ابتداء من عام 2021 ليبلع 112 مليار ريال بعد أن بلغ 155 مليار ريال في 2020. وقد أعزت الحكومة هذا القرار حينها إلى اكتمال العديد مشاريع البنية التحتية، وأيضاً إلى أهمية تعزيز دور صندوق التنمية الوطني في رفع كفاءة أداء الصناديق التنموية في تمويل القطاع الخاص في المشاريع التي تخدم الاحتياجات التنموية والاقتصادية.
وعلى أساس التوزيع القطاعي للميزانية خلال الربع الأول من 2022، جاء قطاعي الخدمات البلدية والموارد الاقتصادية الأدنى في نسبة المنصرف من إجمالي المعتمد لكل من هذين القطاعين بنحو 15% و21% على التوالي، غير أن قطاع الخدمات البلدية حقق زيادة بنسبة 11% على أساس سنوي بالمقارنة إلى الربع الأول 2021. كما تراجع الإنفاق في قطاع الدفاع بنسبة 2% على أساس سنوي خلال الربع الأول من هذا العام. وفي قطاع التجهيزات الأساسية والنقل فقد انخفض الإنفاق بنسبة 12% على أساس سنوي خلال الربع الأول 2022، كما أن حجم المنصرف مثل نحو 22% من الميزانية المخصصة لهذا القطاع. أما قطاع الصحة والتنمية الإجتماعية فقد ارتفع الإنفاق فيه بنسبة 10% على أساس سنوي في الربع الأول 2022، والذي يعزى إلى استمرار المصاريف الطبية والفنية في مواجهة جائحة كورونا وتنفيذ برامج تقديم اللقاح للجرعات المنشطة للمواطنين والمقيمين. وقد شكل حجم المنصرف في هذا القطاع من المعتمد خلال الربع الأول من العام الحالي 27%، حيث بلغ الإنفاق 37.7 مليار ريال. وتشير هذه النسب إلى حجم التفاوت ما بين القطاعات في نسبة المنصرف من المخصص لكل قطاع، والتي قد تعكس حالة البطء لدى بعضها في تنفيذ البرامج المعتمدة لها.
وفي حين أن إجمالي الإيرادات ارتفعت بنسبة 36% للربع الأول 2022، فأن المصروفات جاءت مرتفعة بنسبة بسيطة بنحو 4% لفترة الثلاثة شهور الأولى من عام 2022 مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي، وهو ما يشير إلى التزام الحكومة بضبط الإنفاق ضمن الخطط المعدة لها في برنامج الاستدامة المالية. وقد ساهم ذلك في تحقيق الميزانية لفائض بمقدار 57.49 مليار ريال في الربع الأول. كما أنه من المتوقع أن يؤدي الاتفاق الأوروبي الأخير على حظر واردات النفط الروسية المنقولة عبر البحر في زياد المخاوف من نقص المعروض وكذلك قيام الصين بتخفيف القيود على الحركة في مواجهة جائحة كورونا من ارتفاع الطلب وبالتالي الإبقاء على الأسعار مرتفعة فوق مستوى 110 دولار للبرميل خلال الشهور القادمة. يأتي ذلك في الوقت الذي سوف يستمر فيه إنتاج المملكة العربية السعودية من النفط الخام في الارتفاع بمقدار 130 ألف برميل يومياً حسب الحصص المتفق عليها بين دول أوبك وحلفائها من خارج أوبك، وأن يصل متوسط مستوى الإنتاج في المملكة لهذا العام إلى نحو 10.5 مليون برميل يومياً. ولذا من المتوقع أن يتجاوز الفائض المالي التقديرات الأولية بنحو 90 مليار ريال في ميزانية 2022 ليصل إلى نحو 240 مليار ريال.
وقد شكلت إصدارات الدين أو الاقتراض المحلي ما مقداره 52.26 مليار ريال في حين لم تتم أي عمليات إصدارات للدين الدولي، وبذلك ارتفع إجمالي الدين العام من 938 مليار ريال بنهاية 2021 إلى 958.6 مليار ريال بنهاية الربع الأول 2022. وقد أدت سياسة تنويع مصادر تمويل العجز في الميزانية خلال السنوات الماضية من خلال السحب من الاحتياطي والاقتراض الخارجي في المحافظة على استمرار نمو معدلات السيولة في النظام النقدي، حيث ارتفع إجمالي النقد (ن3) بنسبة عالية بلغت 8.4% على أساس سنوي في مارس 2022، والذي ساهم في نمو الإقراض للقطاع الخاص من الشركات والأفراد مستفيدين من انخفاض أسعار الفائدة والذي أتى في أعقاب قرار خفضها ابتداءً من مارس 2020، حيث نما الائتمان للقطاع الخاص بنهاية الربع الأول 2022 على أساس سنوي بنسبة 14.0% ليبلغ 2.13 تريليون ريال، والذي يشير إلى عدم مزاحمة إصدارات الدين الحكومية للقطاع الخاص خلال السنوات الماضية على الاقتراض البنكي. كما ساهم هذا التمويل للقطاع الخاص في زيادة الطلب على السلع والخدمات للأغراض الاستهلاكية والاستثمارية، مما قلل من الآثار الانكماشية على الاقتصاد السعودي خلال العامين الماضيين بعد رفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15% ابتداءً من يوليو 2020، (الرسم البياني 3).
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال