الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لم يَعُد علم الاقتصاد علماً كئيباً كما وصفه الناقد توماس كارليل Thomas Carlyle في خمسينيات القرن التاسع عشر (عندما هاجم بعنفٍ علماءَ الاقتصاد التقليديين الذين تنبَّئُوا بالفقر والأزمات وقانون الأجور الحديدي)… هذا العلم اليوم هو بمثابة أكسجين حياة وشغف لا ينتهي، فالاقتصاد هو أسلوب حياة يرتبط ارتباطا وثيقا بكل علم ونشاط ولم يعد شائعا في الأوساط المجتمعية بأن الاقتصاد يعني اقتصد بمعناها المؤدي إلى مفهوم البخل وأيضا لا يرتبط بمفهوم الأبراج العاجية كما تصنفه بعض المفاهيم بل هو العلم الذي يمتد كثيرا في تفاصيل الحياة بدءا من الاستهلاك وانتهاء بالتأثير والنفوذ.
لطالما خيّم التشاؤم بشأن المستقبل على هذا الجيل ممن تعلم أو درس الاقتصاد بشكل أو بآخر حيث نجد حقيقة كماً هائلاً من المحتوى المفرط تجاه القضايا الاقتصادية .. وهذا ليس جديدا حيث كانت ظاهرة ولا تزال عبر الأجيال الاقتصادية السابقة والممتدة من بدايات العشرينيات حتى اليوم وهذا نتج عنه تشكيل عدة مدارس اقتصادية متباينة بيد أن هذا الأمر صحيا ومقبولا لأنه أتى من علماء اقتصاد كان لهم دور كبير في التأسيس الصحيح لعلم الاقتصاد في حين أن التشاؤم والخلط بين الحقائق غير مقبول على الإطلاق عندما يأتي من غير المختصين كما هو الحال عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في عام ١٩٣٠ أي في بداية فترة الكساد العظيم، كتب الاقتصادي المعروف جون مينارد كينز مقالًا صغيرًا يُعنِّف فيه زملاءه لسلبيتهم المفرطة بشأن الاقتصاد الراكد وكان عنوان المقال (الإمكانات الاقتصادية لأحفادنا) حيث انتقد كينز أصدقاءه لتشاؤمهم، مُعلنًا أنهم كانوا مخطئين بشأن المستقبل وان الكساد الكبير خللاً مؤقتاً وعلى المدى البعيد سيحل الناس مشاكلهم الاقتصادية وهذا ما حدث فقد شهدت البشرية لاحقا تقدما عظيما على كافة المستويات الحضارية والتقنية يعود فضلها للذكاء الإنساني من جهة ومن جهة أخرى ارتباط هذا التقدم بجيل من الاقتصاديين الذين ساهموا في تغيير الأسلوب الذي يتبعه العالم من خلال سياساتٍ معدَّلةٍ ودراساتٍ تجريبيةٍ عمليةٍ جديدةٍ ومثيرة، فمنذ الحرب العالمية الثانية والاقتصادُ العالمي في ازدهارٍ وصعود، فتحرَّرتْ التجارة العالمية وبرامج ريادة الأعمال من قيودها مما قاد في نهاية المطاف إلى المزيد لاختراعات والتطوُّرات التكنولوجية الجديدة على الرغم من وجود فترات من الركود والأزمات هنا وهناك كما هو الحال اليوم.
يعول كثيرا على جيل الاقتصاديين اليوم مواصلة الانتقال بهذا العلم الى مستويات فهم اوسع وفكر متجدد وشغف اكبر وارهن في ذات الوقت على قدراتهم المهارية العالية على التعلم واكتساب الخبرات والاستفادة ممن سبقونا من علماء ومدارس اقتصادية مختلفة ليكونوا بالفعل جيلا مؤثرا يصنع الفرق في فلسفة هذا العلم ونشاطاته المتجددة ، الاقتصاديون الحقيقيون اليوم هم من يقدموا الحلول للمشكلات الاقتصادية بطريقة مبتكرة وهم من يرموا إلى الارتقاء بفكر اقتصادي نافع يملك الحلول الفعلية وهم أيضا ملتزمون مهنيا وأدبيا بمبادئهم الأساسية التي تضيف للاقتصاد المحتوى اللائق الصادق .
من المهم الأخذ بعين الجدية التوجه نحو تأسيس مدرسة اقتصادية سعودية Saudi school of economics كمدرسة فكرية تقوم على أسس علمية مستقلة لتكون بمثابة رافد فكري اقتصادي ثقافي تضم مجموعة من المفكرين الاقتصاديين من هذا الجيل ليشاركوا ويتشاركوا وجهات نظر مشتركة بتلاقح الأفكار cross- fertilization of ideasوتدفقها mainstream economics لتوليد أفكار أسمى حول طريقة خلق وتعزيز فكر اقتصادي جديد وتطوير المفاهيم الاقتصادية والنمذجة والتأليف العلمي وتكريس علوم اقتصادية جديدة تتزامن مع الاقتصاد الرقمي والتطور التقني وتمارس علمياً الحلول للعديد من القضايا الاقتصادية من منظور الأطروحات والنقاشات المفتوحة وتجنيبها دائرة الروتينية من ندوات وورش العمل ومحاضرات ودورات التدريبية وصولا إلى مرجعية فكرية اقتصادية تتجاوز ما سبقها من مدارس اقتصادية حول العالم عبر التاريخ ، بعيدا عن الدفع التقليدي بهذا العلم الذي لا يزال يدور في حلقة مفرغة وفق نظريات محددة آن الأوان لتطويرها.
نعم نستطيع ذلك وأكثر فنحن نملك العقول الإبداعية التي تعشق التفكير من خارج الصندوق .. عقولا تتجاوز فهم الاقتصاد من أجل التخرج من مقاعد الجامعة إلى ما هو أبعد .. وأيضا نمتلك فكر اقتصادي عميق وراءه الأثر الفكري لرؤية المملكة 2030 وأيضا جامعاتنا تضم الكثير من النخب الاقتصادية القادرة على صناعة الفكر الفلسفي من منظور اقتصادي متطور.
مجمل القول : ينبغي أن ندرك اليوم بأن سماء الاقتصاد مفتوحة ومرغوبة علما ونشاطا من خلال التواصل الفعال وانتشار البيانات والعلوم المعرفية ورودها حول العالم وهذا شيء جميل أن نتعلم ونتوسع ونمارس ما نتعلمه ونطبقه على واقعنا المعاصر ولكن لا بد لنا أيضا أن نستوعب تفصيلا الإمكانات العلمية الهائلة لدينا لتأسيس مدرسة اقتصادية سعودية رائدة في فكرها الفلسفي وأطروحاتها الجديدة، وكلي يقين أننا أمام جيل ذهبي مبدع من الاقتصاديين في قادم الأيام.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال