الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في هذه الحقبة من الزمان، باتت الحاجة للتشريعات التي تحارب الجريمة الاقتصادية امراً ملحاً. وهذه الحاجة الملحة تعني، ان التشريعات المستقلة التي تجرم كل جريمة اقتصادية على حدى “مثل نظام مكافحة غسل الاموال او نظام مكافحة الرشوة …الخ”، ليست كافية لحماية النظام المالي الوطني. كما ان المعايير الدولية ايضا لا لا تتمتع بالصفة الإلزامية و بالتالي إلزامية التطبيق غير موجودة. و نظرا لأن الحروب بين الدول لم تعد مقتصرة على الهجوم العسكري، بل امتدت للهجوم الاقتصادي الذي يقصم ظهر الدول، اذ انه بانهيار الاقتصاد تنهار أركان الدولة و تقوض قواعدها من جميع النواحي. وبالتالي، فإن الحاجة لوجود تشريعات تركز على محاربة الجريمة الاقتصادية بات أمرا بغاية الاهمية. وفي هذا الصدد، تعتبر بريطانيا هي أول الدول التي أدركت ذلك، حيث أصدرت في مارس الماضي٢٠٢٢ “قانون الجرائم الاقتصادية (الشفافية و نفاذ القانون)”.
فكرة هذا القانون كان يُعمل عليه منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي، ولكن كانت هناك اولوية لانظمة اخرى بسبب انفصالها، ولكن عندما غزت روسيا أوكرانيا، أصبح هذا القانون على رأس الأولويات لاسيما في ظل الحرب الاقتصادية التي شنتها دول أوروبا على روسيا. لذلك، يرتكز هذا النظام على ثلاث ركائز اساسية تهدف إلى تعزيز مكافحة بريطانيا للجريمة الاقتصادية.تشمل هذه الركائز الجديدة ما يلي: إلزامية تسجيل بيانات المالكين المستفيدين من العقارات التي تم شرائها على الأراضي البريطانية بإسم شركات خارجية، حيث يعتبر السماح لمشتري الأصول بأن تسجل باسم شركات خارجية من دون معرفة هوية المشتري الأصلي ثغرة رئيسية في النظام التشريعي. بمعنى اخر، غالبًا ما يتم إخفاء غسيل الأموال خلف هياكل الشركات الخارجية الغامضة والمعقدة ، مما يجعل من الصعب الكشف عن مصادر الأموال غير المشروعة و التي يتم غسلها من خلال سوق العقارات في المملكة المتحدة. وبالتالي، يصبح اكتشاف من يملك هذه العقارات أكثر صعوبة إذا تم تسجيله باسم شركة خارجية حيث يتم إخفاء المستفيدين الحقيقيين عن الأنظار. النظام الجديد يتطلب سجل الملكية للشركة، ومن هم ملاك الشركة الحقيقين لتحديد الملاك الحقيقين للعقار، وبالتالي متابعة ماذا كان شراء العقار من أجل غسل الاموال او من اجل الاستثمار الحقيقي.
ثاني ركيزة اعتمدها النظام البريطاني الجديد هو الاقتصاد عن مصادر الثروة. هذه الركيزة ليست جديدة على النظام المالي البريطاني، حيث تم إطلاقها عام ٢٠١٧، ولكن لم تملك سلطات إنفاذ القانون السلطة لتطبيقها، حيث كان التجاوب مع طلب الإفصاح ضعيف. في النظام، تم إعطاء سلطات إنفاذ القانون الصلاحية لتطبيق هذا النظام من خلال فرض العقوبات على من لا يتجاوب في ذلك. ويتم التركيز بالذات على معالجة مصدر الثروة ، خصوصا لأولئك الموجودين في الخارج و يرغبون بالاستثمار في بريطانيا. حيث يتم التركيز مثلا على من يقيم في المناطق التي ترتفع فيها نسبة التهرب ضريبي محتمل أو غسيل أموال أو أي إجرام آخر يتعلق بالأموال او المخدرات او اي تجارة غير مشروعة. كما ان تاريخ تكون رأس المال للمستثمر ايضا من الامور يجب ان يفصح عنها للحكومة البريطانية قبل السماح بتدفق اية اموال داخل اراضيها.
يبقى السؤال هنا، ماذا عن الشركات البريطانية التي تدخل في شراكات مع شركات خارجية؟ هذا ما عالجته الركيزة الثالثة من نظام مكافحة الجريمة الاقتصادية، حيث فرض النظام عقوبات مدنية على الشركات التي لا تتحقق من خلفية الشركات الخارجية قبل الدخول معها في اي شراكة. هذا ليس مقتصرا فقط على الشركات التجارية، وانما تشمل ايضا المؤسسات المالية بكافة اشكالها، وبالتالي ستواجه الشركات و المؤسسات المالية مسؤولية مدنية وغرامات مرتفعة في حالة لم تتخذ العناية اللازمة لفحص الشراكات و الاموال الاجنبية التي تريد الدخول للسوق البريطانية. وبالتالي، منحت سلطات إنفاذ القانون البريطانية الصلاحية للتحقق من مصادر الأموال وبيانات الملاك الذي يقطنون خارج حدود بريطانيا بشكل مباشر من خلال اجهزة الاستخبارات، وبشكل غير مباشر من خلال فرض معايير على الشركات والمؤسسات المالية للتحقق من شركائها الأجانب. وفي حال ثبوت عدم تطبيق هذه المعايير او الشك بعدم اخذ العناية اللازمة، فهو كفيل بفرض عقوبات مالية، واحيانا تصل الى السجن.
يبقى السؤال، هذا النظام بشكل عام ومن وجهة نظر شخصية يعالج بعض الجوانب ذات العلاقة بمكافحة غسل الأموال والجرائم الاقتصادية داخل المملكة المتحدة. لكن، كيف سيتم التعامل مع الأموال التي تم اكتشاف أنها مملوكة لكيانات مشبوهة، إلغاء هذه الشراكات بشكل متسارع قد يؤدي الى مشاكل اخرى مثل ارتفاع معدل البطالة في ظل التضخم الاقتصادي الذي يشهده العالم، وهذا سينعكس على انخفاض معدل الثقة بالنظام المالي البريطاني. من ناحية اخرى، الشركات لابد لها ان تبني نظام التزام جديد وتقييم للمخاطر مختلف عن المعمول به الآن. و الإشكالية الأخيرة، ماذا عن الشركات المؤسسات المالية الأمريكية على سبيل المثال، نظرا لكمية الأعمال الاقتصادية على الاراضي الامريكية، فنسبة التهرب الضريبي مرتفعة، وبالتالي كيف سيتم معالجة هذا الأمر.
بغض النظر عن الإشكاليات التي يثيرها نظام مكافحة الجريمة الاقتصادية البريطاني، الا انني ارى بأنه سيكون نقلة نوعية في مجال محاربة الجريمة الاقتصادية وخصوصا جريمة غسل الأموال. ويبقى السؤال، كيف يمكن أن تعمل المملكة العربية السعودية على بناء نظام تشريعي متكامل لمكافحة الجريمة الاقتصادية يتفادى الثغرات التي قرأتها للوهلة الاولى عند الاطلاع النظام البريطاني؟
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال