الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
سلسلة مقالات اقتصادية في التنمية والتجارة الدولية يتداول المهتمون والمختصون مصطلح الاستراتيجية أو استراتيجي انطلاقا من كونه احد الأذرع الرئيسة في علم التخطيط، وقد انتشر استخدام هذا المصطلح بدايةً في العلوم العسكرية، حيث يشير مصطلح (Strategy) الى الكلمة اليونانية (Stratos) التي معناها جيش ومصطلح (Agein) ومعناها قيادة، أي ان معني الاستراتيجية هو قيادة الجيش، وقد استخدم هذا المصطلح يشكل خاص عند التخطيط للعمليات قبل بداية المعارك، وإدارة تلك العمليات اثناء المعارك وبعد انتهاؤها. وبشكل عام تعكس الإستراتيجية الخطط المحددة مُسبقاً لتحقيق هدف معين على المدى البعيد وذلك في ضوء الإمكانيات المتاحة أو التي يمكن الحصول عليها. وبالتالي فالاستراتيجيات تعد خطط أو طرق توضع لتحقيق هدف معين على المدى البعيد اعتماداً على التخطيطات والإجراءات في استخدام المصادر المتوفرة في المدى القصير. ومفهوم الإستراتيجية عموما يتمحور حول انه مجموعة السياسات والأساليب والخطط والمناهج المتبعة من أجل تحقيق الأهداف المحددة في أقل وقت ممكن وبأقل جهد مبذول. أما مفهوم علم الاقتصاد (Economics) المتفق عليه من غالبية الاقتصاديين انه أحد فروع العلوم الاجتماعية وهو العلم الذي يهتم بتوظيف الموارد الاقتصادية ويشمل ذلك النادرة أو المحدودة أو عناصر الإنتاج (العمل، راس المال والموارد الطبيعية) واستعمالها على نحو يسمح بالحصول على أكبر إشباع لحاجات المجتمع غير المحدودة.
وقد شدني بحكم انتمائي الى الاقتصاديين الذي يعملون في الاشراف على تنفيذ استراتيجيات مؤسسية، والتراكمات العملية والتجارب المهنية بروز التساؤل حول وجود الارتباط أو الاختلاف بين الاستراتيجية والاقتصاد، وهذا ما ناقشه اقتصاديين مثل ريتشارد لانجلوا في عام 2003م (الاستاذ في قسم الاقتصاد بجامعة كونيتيكت) حول مفهوم الارتباط والاختلاف بين الاستراتيجية والاقتصاد. حيث بدأ مناقشاته من أن الإستراتيجية تعمل على مستوى المنشآت وتهتم بشكل وصفي بالشركات ومعياريًا بمهام المديرين، بينما يهتم علم الاقتصاد وصفيًا بالنظام الاقتصادي بأكمله وبشكل معياري بالأداء الفعال لهذا النظام، ومع ذلك فإن أوجه التداخل بينهما كبيره، وفي سبيل ذلك وسع كل من علماء الإدارة والاقتصاد نطاق بحثهم في مناقشات منهج الفكر الاقتصادي للتطوير والابتكار في النظرية الاستراتيجية والممارسة الإدارية.
وقد كانت الادبيات والمراجعات الفكرية تميز بين الاقتصاد والإدارة كتخصصات فكرية، حيث انه في عشرينيات القرن الماضي كان من المألوف أن تحاول كتبا مثل كتاب دكستر كيمبل (Kimball, Dexter) الاقتصاد الصناعي (Industrial Economics) تبني العناصر الوصفية Descriptive والمعيارية Normative للممارسة الصناعية بروح سميث وبابباج ومارشال، ولكن التوليفة من تلك العناصر تتأثر تحليلاتها أمام قوى وحجم السوق، ومع نمو الاقتصادات بحلول الثلاثينيات كان الفكر الاقتصادي قد أنتج بالفعل متغيرا متخصصا ومجردا من خلال نظرية الأسعار التي كانت من المفترض أن تصبح أساس مجال التنظيم الصناعي. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية بدء مفهوم الإدارة (وفي الواقع الاستراتيجية) بالتطور كتخصص مثل التخصصات الأخرى في فكر الدراسات النظرية بالجامعات، وهذا المجال الجديد جاء وبشغف للبحث عن تأصيل مفهوم “الإمبريالية” بشكل أكثر تجريدا وتطويرا للغاية في منهج البحوث الاقتصادية.
اسهب لانجلو في ربط وتأصيل العلاقة بين الاقتصاد والاستراتيجية واشتملت تحليلاته على نظام وهيكلية السوق والمنافسة الكاملة وغير الكاملة والاحتكار وتأثير البيئة الخارجية على المنشآت والمعلومات وتكلفتها والجدل بين مدرستي شيكاغو وهارفرد حولها واقتصاديات تكلفة المعاملات الذي يسهم في تدفق الافكار الاقتصادية الى الاستراتيجية وانتقاد فكرة الاستراتيجية القائمة على الموقف من المنافسين الى استراتيجية الاقتصاد من خلال تكلفة المعاملات وارتباط ذلك في الهياكل التنظيمية لتعمل على التحكم بالمعاملات وطرح نماذج لنجاح هذا النهج في حوكمة الشركات وسلاسل التوريد، وتوسعت المناقشات لتتناول نظرية القدرات الاقتصادية والنهج القائم على الموارد وهو مجال آخر أثر فيه الاقتصاد بشدة على نظرية الإدارة، وخلص الى ان الإدارة كانت بمفهومها الاستراتيجي تنطلق وتستفيد من المنهج الاقتصادي، الا ان الأكثر إثارة للاهتمام أنه ينبغي عكس العملية، وذلك بان يمارس الاقتصاد من خلال تعلم الدروس من الإستراتيجية. وبين أن التأثيرات الرئيسية على النهج القائم على الموارد للاستراتيجية في نظرية القدرات الاقتصادية هي تدخلات الفكر الاقتصادي، وليس النظرية الاقتصادية بذاتها.
لعل تلك المناقشات الفكرية تبرز الحاجة الى ظهور مصطلح جديد في علم الاقتصاد وهو الاقتصاد الاستراتيجي، وقبل مناقشة مفهوم الاقتصاد الإستراتيجي فان من الأهمية بيان اختلافه عن التخطيط الاستراتيجي للاقتصاد وهذا الأخير حسب تعريفات دراسات التنمية الاقتصادية هو عملية تنسيق الموارد والفرص المتاحة للاقتصاد في المدى الطويل لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأجل تقوم على رؤية استراتيجية يُراد تحقيقها في ذات الأجل. لذلك فالتخطيط الاستراتيجي بمعنى التفكير المسبق لما يجب عمله خلال فترة زمنية معنية لتحقيق أهداف محددة بالاعتماد على الموارد والإمكانات والفرص المتاحة، ويرسم التخطيط الطريق إلى تحقيق الأهداف المحددة مسبقاً، وهذا التعريف يشير إلى السعي نحو تحقيق مصالح طموحة وبالتالي لا يتناول زيادة تقليدية للدخل القومي وإنما تنمية كبيرة تمكن الدولة من تقديم خدمات متطورة لمواطنيها، وعند تناوله للدخل القومي فهو لا يتناول زيادته فقط وإنما يمتد كذلك ليشمل توزيع ذلك الدخل لتحقيق الرفاه الاجتماعي لكل فئات المجتمع.
لهذا الغرض، يبدو ان الاقتصاد الإستراتيجي مصطلحًا لفرع من علوم الاقتصاد الواسعة مثل الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الرياضي والقياسي والتطبيقي واقتصاديات النقود والبنوك وهكذا. وقبل بحث مفهوم الاقتصاد الاستراتيجي فانه من المفيد الإشارة الى مفهوم الاقتصاد التطبيقي والذي يعني بتطبيق المبادئ الاقتصادية والنظريات المختلفة على المواقف والحالات العملية الحقيقية لمحاولة التنبؤ بالنتائج. ومن خلال ربط النظريات الاقتصادية التي تناقش مختلف أوجه التنمية وانطلاقا من التجارب العملية التي تمت في المملكة منذ إطلاق رؤية 2030 وتزايد اعداد الاستراتيجيات التطويرية والتحولية للعديد من أجهزة الدولة لإعدادها لتنفيذ مستهدفات الرؤية. فقد أصبح هناك مفهوم للاقتصاد الاستراتيجي ليعني بعملية إدارة وتوجيه اعداد وتنفيذ الاستراتيجيات وفقا للأسس الاقتصادية لمحيط الاستراتيجية، من خلال تضمين الجوانب الاقتصادية والتوجهات التنموية بعداً استراتيجيا على اعداد وتنفيذ الخطط والبرامج والمبادرات التي تتضمنها الاستراتيجية مهما كان محيط عملها. وبالتالي يعد تخصص يعتمد على توجيه الاقتصادي للإعداد او الاشراف على تنفيذ الاستراتيجيات ذات العلاقة بتحقيق نتائج تتضمن اهداف اقتصادية.
لعل هذا المصطلح يزيل العتمة على تساؤل بعض الزملاء الاقتصاديين من قيام احدى الجهات التي رغبت شغل وظيفة محلل اقتصادي ولكنها حددت المؤهل المطلوب بتخصص إدارة الاعمال أو إدارة مالية وليس تخصص الاقتصاد، لان المطلع من الوهلة الأولى سيعتقد ان هذه الوظيفة مشروطة بتخصص في مجال الاقتصاد، كما ان المفاجأة ان شروط شغل الوظيفية عدم اشتراط خبرة اقتصادية ضمن شروط الترشيح مع المؤهل المشار إليه، لتغطية استثناء مؤهل الاقتصاد من الوظيفية الاقتصادية، وقد تفيد هذه الحالة أن نرى بعض الدراسات والتقييمات الاقتصادية التطبيقية في مستوى هش ولا تتمتع بالعمق وتعتمد على تبنى التوصية أولا ومن ثم الشروع في بيان مبرراتها من خلال غير المختصين بالاقتصاد بسبب ان الاستراتيجية تقود الاقتصاد وليس العكس وذلك بقيادة الاقتصاد الاستراتيجي للمنظومة وخصوصا في الجوانب والمجالات التنموية والاقتصادية ليكون مجال جديد نسبيًا وسريع التطور للاستشارات الاقتصادية، يتضمن تطبيق المبادئ والأساليب الاقتصادية لتوليد الرؤى بهدف معالجة قضايا ومشاكل محددة وتحسين الأداء على المدى الطويل.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال