الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لاشك أننا نقف عند فجر حقبةٍ جديدةٍ بعد أن كان الذكاء الاصطناعي حاضرًا في روايات الخيال العلمي إلى أن خرج من مختبرات الأبحاث العلمية ليصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية ابتداءً من مساعدتنا في التنقل لتجنب زحمة المرور وصولًا إلى استخدام مساعدين افتراضيين لمساعدتنا في أداء المهام المختلفة، فاليوم أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي متأصلًا من أجل الصالح العام للمجتمع من خلال الشراكة بين الانسان والآلة لتحسين الكثير من خدمات الرعاية الصحية والتجارة والتعليم وأشياء أخرى كثيرة، وفي الجانب الصحي تحديدًا أثبت الذكاء الاصطناعي جدارته و أهميته في مواجهة جائحة كورونا لكونه ساهم في التخفيف من أثر انتشار الأزمة من خلال خصائص التعقب والتتبع بواسطة المنصات الرقمية، بل أنه ساعد الباحثين في معالجة كميات هائلة من البيانات التي تفيدهم في السباق للتوصل إلى اللقاح المناسب، وأنه بالرغم من التقدم الواسع في مجال الذكاء الاصطناعي إلا أن هنالك تساؤلات عديدة حول مدى حيادية الذكاء الاصطناعي في تأثره بسلوكيات وصفات الأشخاص التي أشبه بأن اسميها بـ (الحمى الخوارزمية)، فهنالك تجارب عديدة أثبتت مفارقة وعدم حيادية ونزاهة الخوارزميات في المعاملة التفاضلية.
قبل فترة ليست بالبعيدة صنفت خوارزمية فيسبوك أشخاصًا سود على أنهم قردة وذلك عندما طرحت سؤالًا على بعض المستخدمين بعد مشاهدتهم مقطع فيديو لإحدى الصحف يظهر فيه رجال سود لتستفسر عن إذا كانوا يريدون مشاهدة المزيد من مقاطع الثدييات أو القردة! وقد صرح مسؤول فيسبوك لِـ BBC أن ما حدث كان خطأ غير مقبول وأعلن أنه عطل الخوارزمية وفتح تحقيقًا في الحادثة، مضيفًا إلى أن فيسبوك يعتذر لأي شخص قد يكون اطلع على تلك المقترحات المسيئة، وفي حادثة أخرى مشابهه صنف تطبيق قوقل للصور في عام 2015م الأشخاص السود على أنهم غوريلات، وأعربت الشركة آنذاك عن أسفها الشديد وتعهدت بإصلاح الخطأ، وهنالك تحيزات أخرى في اللغة عبر مقال منشور لجامعة MIT Technology Review-Word2vec-hidden gender bias
هل هنالك أي حلول ممكنة؟
لا شك تحيز الذكاء الاصطناعي موروث من التحيز البشري وتحاول مبادرات عدة الحد من مواضيع التحيز هذه بما يشمل ذلك على سبيل المثال: مجموعات مراقبة الخوارزميات وقواعد البيانات مثل: أديل أو أدوات لتصحيح قواعد البيانات، وفي فرنسا أعلنت هيئة حماية البيانات الفرنسية عزمها عن إقامة (منصة وطنية للتدقيق بالخوارزميات) لذا ينبغي بعد إطلاقات نماذج الذكاء الاصطناعي أن تكون هنالك تغذية راجعة لتصحيح تحيز الذكاء الاصطناعي أو على أقل تقدير برمجتها من الأساس ضد التحيز العنصري وذلك مثلما قام به الذكاء الاصطناعي في تطبيق اليوتيوب عندما قام بحظر قناة لاعب الشطرنج الكرواتي الشهير: (أنطونيو راديتش ) بسبب كلمات (أبيض يهجم) و(أسود يهدد) حيث كان يقصد فيها شرح لتحركات أحجار لعبة الشطرنج، فيما اعتقد الذكاء الاصطناعي أنها إهانات عنصرية.
ولاشك في أن شريعتنا الغراء تدعو للمساواة ونبذ العنصرية، فلم يكتفِ الإسلام بالحديث عن المساواة بل وضع تشريعات تصون الكرامة الإنسانية ابتداء من تغيير أساليب الفكر وبناء الوعي ووصولًا إلى تعظيم حقوق الانسان، ولعل أقدم دستور ظهر في العالم هو وثيقة المدينة المنورة التي ضمنت لغير المسلمين أن يعيشوا بسلام وأمن وأمان مع المسلمين كما جاء في خطبة حجة الوداع عندما قال صلى الله عليه وسلم: ” أيها النّاسُ إن رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنّ أَبَاكُمْ واحِدٌ، كُلكُّمْ لآدمَ وآدمُ من تُراب، إن أَكرمُكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ وليس لعربيّ فَضْلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقْوىَ، أَلاَ هَلْ بلَّغْتُ، اللّهُمّ اشهد” قَالُوا: نَعَمْ قَال: فلْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائبَ والسلامُ عليكم ورحمة الله”
و في المملكة العربية السعودية قد صدر نظام حماية البيانات الشخصية في جريدة أم القرى بموجب المرسوم الملكي رقم (م/19) وتاريخ 9/2/1443هـ وقرار مجلس الوزراء رقم (98) وتاريخ 7/2/1443هـ، الذي يعد من إطلاقات الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي وبدوره يضع سياسات وضوابط في جمع و معالجة البيانات الشخصية لاسيما البيانات الحساسة التي تتضمن الإشارة إلى الأصل العرقي أو القبلي أو الديني، فما بين سرية البيانات والذكاء الاصطناعي هنالك علاقة وطيدة بنظري لم تنظم بالشكل المطلوب، فالذكاء الاصطناعي ما هو إلا آلة يتم برمجتها من خلال كمية هائلة من البيانات التي من ضمنها البيانات الشخصية، وهذا ما يقودنا إلى استنتاج أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون بمعزل عن النظام، فالذكاء الاصطناعي حاضر في حياتنا بل أنه أصبح يوجه خياراتنا بطريقة مؤذية في بعض الأحيان، والواقع والحال أننا نواجه بعض المعوقات لِلفجوات التشريعية في هذا المجال التي يتوجب سدها في أسرع وقتٍ ممكن، لذا ينبغي استحداث مشروع نظام آخر ينظم الذكاء الاصطناعي على وجه الاستقلال و بالشكل الدقيق، بل ويخاطب القائمين على الذكاء الاصطناعي من خلال وضع مواد تتضمن قواعد آمرة تفضي بإلزامهم بسرية البيانات التي يطلعون عليها وأن تبرمج من الأساس على قرارات موضوعية مستنيرة خالية من التحيز العنصري، وأن يكون لكل نموذج ذكاء اصطناعي تغذية راجعة لتصحيح التحيز إن وقع فيه باعتبار أن الخطأ وارد، مع ربط هذا النظام بالتوصية الواردة في (الاتفاق العالمي الأول بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي) التي تقوم على المساعدة في الرصد والتقييم من خلال استحداث وظيفة جديدة “لمسؤول عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” تحت مظلة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي لكونها الجهة المنوطة بذلك، هذا وينبغي وضع حد لتطورات الذكاء الاصطناعي من خلال حظرها أن تطال لبعض المجالات الحساسة؛ أي أن تكون بمعزل عنها لاسيما أروقة المحاكم، والسبب في ذلك تخيل أنك تقوم بتحريك دعوى في محكمة قضائية وتتكبد تكاليفها و يحكم عليك من ذكاء اصطناعي تم الاستعانة به لسرعة الفصل المنازعات؟ أو على أقل تقدير أن تكون محاطًا بالشكوك في محل الإدانة لمجرد توقع خوارزمية بإدانتك؟
العنصرية لم تعد هاجس هنالك مخاوف جديدة بشأن العدالة والمخاطرة بحقوق الانسان، و لا غرابة في ذلك فروايات الخيال العلمي أصبحت واقع .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال