الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
سوق الفنون البصرية السعودي مازال في مرحلة التكوين، لذلك ليس من السهل دراسته وتحديد معالمه بدقة. لكن بدأت تظهر بعض المعالم الاقتصادية التي تدل على أنه يتجه للنمو والازدهار.
الفنون بشكل عام والفنون البصرية بشكل خاص تعد منتجات ابداعية تجمع بين الموهبة والعلم والطابع الشخصي للفنان (المُنتج) بدرجة تفوق أي مهنة أخرى، لذلك ليس من السهل التحكم في جانب العرض من حيث الكم والنوع مطلقا. مع ذلك منذ أنشئ أول معهد للفنون في الرياض، وأعداد الفنانين والفنانات السعوديين في تزايد، والنمو في جودة المنتجات تتطور بدرجة كبيرة وإبداعية. ورغم التباطؤ خلال الثمانينات والتسعينات الميلادية، إلا أن نمو جانب العرض بداية الألفية إرتفع بشكل ملحوظ، نتيجة تزايد الطلب الذي سنتطرق له لاحقا. لكن التسارع الكبير في جانب العرض ظهر بشكل واضح بعد تبني الدولة الفنون من خلال إطلاق عدة مبادرات في مقدمتها التوسع في كليات الفنون المتخصصة في الجامعات، بعد أن كانت مجرد أقسام محدودة الامكانيات ضمن كليات التربية لإمداد المدارس بمعلمي التربية الفنية فقط، ثم عودة الدولة للابتعاث في تخصصات الفنون والتوسع فيه. كما ارتفعت أعداد المنشآت الخاصة التي تعلّم الفنون، بدءا من الدورات القصيرة المتخصصة، إلى تخريج المتخصصين بدرجتي البكالوريس والماجستير.
فبعد أن استمر جانب العرض لفترة طويلة، محدودا كما ونوعا، حيث وجد عدد قليل من الفنانين، وأقل منهم بكثير جدا من الفنانات، الذين يمكن تسويق أعمالهم، باعتبارها منتجات فنية حقيقية، تسارع نمو أعداد الفنانين والفنانات بصورة ملحوظة في جميع مناطق المملكة، وأكتسب العديد منهم شهرة كبيرة على مستوى الوطن، كما أن بعضهم اكتسب شهرة عالمية. هذا العدد الكبير من الفنانين وسع مساحة السوق، ورفع جودة المنتجات، وقد وصلت بعض تلك المنتجات للسوق العالمية.
ومن الاسباب الرئيسية لضعف جانب العرض هو الضعف الشديد في جانب الطلب، فليس من المتوقع اقتصاديا نمو العرض لأي منتج مع ضعف الطلب عليه.
وقد أدت عدة اسباب لضعف الطلب، أولها عدم وجود منافذ بيع من أي نوع مثل الصالات الفنية، والمزادات ، والمؤسسات المتخصصة في الفنون، وكان التسويق يعتمد كليا على الفنان نفسه. لذلك كانت العلاقات الشخصية هي المسوق لأعمال أي فنان، وقد عملت تلك العلاقات دورا مهما في البدايات على تسويق أعمال بعض الفنانين وإكسابهم الشهرة داخليا على الأقل .
حتى بعد تواجد الصالات الفنية لم يكن السوق رائجا، واستمر ضعف الطلب، لندرة المقتنين الذين يقدرون قيمة الفنون البصرية جماليا واقتصاديا. لذلك ظلت العلاقات الشخصية للفنانين، ولملاك الصالات ومديريها هي المسوق الاول. ونتج عن ذلك إلى إختفاء عدد من الفنانين المميزين، لعدم قدرتهم على مقابلة متطلبات الانتاج الفني، في ظل عدم قدرتهم على تسويق أعمالهم، وعدم وجود رعاه، أو منافذ بيع. وقد عاد بعضهم للساحة الفنية بعد تحسن سوق الفنون ورواج الثقافة الفنية.
وتحسن الطلب كثيرا خلال الالفية، وأخذ النمو في الطلب يتزايد، وذلك بدعم بعض الجهات الحكومية كراعي أو مقتني، مثل رعاية الشباب (سابقا)، ووزارة التعليم العالي (سابقا)، ووزارة الثقافة والإعلام (سابقا)، وبعض البلديات، والمستشفيات والفنادق. أما المقتنين الفرديين فلم يكن من السهل تحديد حجمهم، وتأثيرهم في السوق، في السابق، لكن في الفترة الأخيرة بدأ بعضهم يظهر بشكل واضح.
كما عملت فكرة (المفتتح المقتني) دورا مهما جدا في تشجيع إقامة المعارض، حيث يتكفل الفنان نفسه بدعوة المفتتح الذي قد يقتني بعض أعماله. وغالبا ما يكون المفتتح من رجال الاعمال ليكون قادرا على الشراء.
ومن الأسباب الرئيسية لتدني الطلب عدم شيوع الثقافة الفنية في المجتمع، لعدم وجود محفزات مثل المتاحف المتخصصة، وصالات العرض الدائمة، وعدم وجود حوارات ثقافية في الفنون البصرية في أي مكان. فباستثناء متحف عبدالرؤوف خليل في جدة، لا يوجد في السعودية أي متحف فنون متخصص.
وحضور المعارض الفنية المؤقتة كان محصورا على المهتمين بالفنون فقط، وعددهم محدودا جدا، بل معظمهم من فنانين وفنانات. كما لم يكن شائعا إلى وقت قريب أن يتم تجميل المنازل بالاعمال الفنية الأصيلة. والتحسن في الثقافة الفنية على مستوى المجتمع بدأ منذ سنوات قريبة، لكنه تسارع بدرجة عالية، بعد أنتشار صور لأعمال فنانين سعوديين في مكاتب سمو ولي العهد، وبعض الوزارات والجهات الحكومية، حيث كان لتلك الصور مفعول السحر في توسيع القاعدة الشعبية للفنون البصرية، وخصوصا التشكيلية.
كذلك عملت مسك الفنون في جانبي العرض، من خلال دعم الفنانين بالرعاية والدورات والتعليم والابتعاث. وفي جانب الطلب من خلال الاقتناء، وإقامة المعارض، والتسويق المحلي والدولي.
وعمل الانترنت وخصوصا مواقع التواصل الاجتماعي كمنصات عرض خاصة دائمة، للفنانين، يستطيعون من خلالها التواصل مع المقتنين مباشرة دون وسيط، وذلك أعطاهم فرصة كبيرة لتسويق أعمالهم، والتعرف على المقتنين بكافة صفاتهم، بعد أن كان المقتنون يفضلون التعامل مع الصالات الفنية ، وخبراء الفنون. وأدت تلك المواقع إلى رفع الطلب على الفنون البصرية، وسهلت على المقتني العادي الوصول للفنانين في جميع انحاء المملكة، وبذلك ازدادت أعداد المقتنين، ما أدى إلى زيادة العرض أيضا.
لكل ذلك ازدهرت صناعة الفنون البصرية في المملكة، ومن المتوقع أن تستمر في الازدهار بشكل أكبر خلال السنوات القادمة، مع اكتمال مبادرات رؤية 2030 المعنية بالثقافة والفنون. ومن مؤشرات ذلك الازدهار أن عددا كبيرا من الفنانين قاموا بإنشاء مراسم خاصة بهم في مراكز تجارية خُصصت بالكامل للفنون في مديني جدة والرياض، علما بأن معظمهم يملكون مراسمهم الخاصة في منازلهم.
ومن المؤشرات ايضا تكون طبقة من الفنانين السعوديين الذين أصبحت أعمالهم ذات قيمة راس مالية، لذلك يحرص المقتنون على اقتنائها، ولم يعد أي منهم حريصا على بيع أعماله بأي سعر، ويفضلون الاحتفاظ بها كمدخرات رأسمالية تنمو قيمتها بمرور الزمن.
ومن المؤشرات كذلك ارتفاع متوسط السعر العام لجميع أعمال الفنانين بما فيهم المبتدئين، رغم صعوبة تحديد معدلات الاسعار لأسباب كثيرة، وذلك بتحفيز من المقتنين غير المتخصصين من عامة الشعب.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال