الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تقدم المنظمات والمؤسسات الدولية التنموية والدول المانحة مساعداتها التنموية بالتوازي والتوافق مع توجهات أصحاب المصلحة في مجتمع التنمية الدولي، التي يتم الاتفاق عليها من خلال ورش العمل والندوات التي تعقد بمختلف المستويات والمراحل وتستضيفها العديد من الدول والمنظمات، وتنصب نتائجها وتوصياتها وتعلن في الاجتماعات الدورية والمؤتمرات السنوية لتكون ضمن اطار عمل تقوم عليه استراتيجيات المانحين، وتبنى عليه توافق مخرجاتها واهدافها الداخلية وتعزز من تعظيم الاستفادة من أدواتها مثل التعاون والتمويل المشترك وتبادل الخبرات وتطوير البحوث والدراسات والتقارير لضمان جودة المخرجات، وبالتالي فان العمل بمجال التنمية الدولية لا يتم كيفما كان أو ان تلك الجهات والدول تعمل على تقديم المساعدات بمعزل عن ما يدور ويحدث في المجتمع الدولي.
من أبرز محاور اجندة التنمية الدولية في القرن الحالي إقرارها الأهداف الالفية للتنمية MDGs والتي استمر العمل لتحقيق الإنجازات فيها الفترة من عام 2000م وحتى العام 2015م ومن ثم أقرت أهداف التنمية المستدامة SDGs للفترة التي نعاصرها من 2015م وحتى 2030م. وبالتوازي مع تلك الاجندات فقد كانت هناك جهود بذلت في القرن الماضي، فمنذ أواخر السبعينيات كانت هناك مطالبات من الدول المستفيدة والدول المانحة على حد سواء لتعزيز وتعظيم فاعلية تلك المساعدات والتأكد من تمريرها الى المستفيدين النهائيين بشكل عادل ودون تكاليف عالية وبجودة وفاعلية وكفاية وكفاءة واستدامة، لهذا برزت العديد من الاجندات والمحاور التي عمل عليها مجتمع التنمية الدولي، كان على رأسها مطالبات دول الجنوب بتعزيز التعاون فيما بينها، كانت بدايته الفعلية بعقد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالتعاون بين دول الجنوب في بيونس آيرس بالأرجنتين عام ١٩٧٨م، وقد أعتُمدت ضمن مخرجات المؤتمر خطة عمل بوينس آيرس للتعاون التقني فيما بين الدول النامية، وكانت هذه المبادرة حجر الأساس للتعاون فيما بين دول الجنوب حتى اليوم، ويجري التعاون في ما بين دول الجنوب (South–South Cooperation) من خلال إطار واسع من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والتقنية. ويقصد بالتعاون فيما بين دول الجنوب مشاركة دولتين ناميتين أو أكثر على أساس ثنائي أو إقليمي أو داخل منطقة معينة أو بين أقاليم بعينها، يتم بواسطته تبادل المعارف والمهارات والخبرات والموارد لتحقيق أهدافها الإنمائية من خلال بذل جهود مشتركة. أما التعاون الثلاثي (Triangular Cooperation) فهو أداة شاملة لدعم الأطراف في تنفيذ الاتفاقية من خلال المنظمات والمؤسسات التنموية الدولية متجاوزا مفاهيم التنمية والتعاون التقليدية، لأن تحديد الممارسة الأفضل ودعم الأقران يصبح أكثر فاعلية في التعاون الثلاثي عنه في ممارسات المعونات التقليدية، ويمكن هذا التعاون للدول تقاسم المعرفة والتكنولوجيا والسياسات وسائر الموارد. وقد بينت مخرجات المؤتمرات السابقة للتعاون الثلاثي لدول الجنوب أن التعاون بينها ينطوي على إمكانات هائلة في العديد من المجالات سيما في الزراعة والتنمية الريفية في الدول النامية، ويوفِّر خبرات متنوعة وحلولاً للتحديات الإنمائية المُلحة للقضاء على الفقر والجوع وتامين الأمن الغذائي العالمي. ولهذا الغرض فان هذا التعاون سيسهم في التنفيذ الفعال لتحقيق اهداف التنمية المستدامة 2030 بواسطة الابتكارات وشراكات جديدة وتقاسم للمعرفة وتوسيع لنطاق المناهج المجربة وتعد التحديات التي تواجهها الأطراف في تنفيذ الاتفاقية متشابهة جداً مما يجعل هذا موضوعاً واعداً وذا أساس متين من أجل التعاون فيما بين دول الجنوب والتعاون الثلاثي.
في الماضي تطلّب التعاون بين دول الجنوب والتعاون الثلاثي أساساً يشمل تبادل الخبرات التقنية والمعارف والمهارات في مسائل من قبيل الثروة الحيوانية، والصحة، وتجهيز الأغذية، وكفاءة استخدام المياه. وحاليا يشمل أيضاً التعاون التقني الحوار بشأن تنسيق السياسات الإقليمية والإجراءات الحكومية الأخرى الحاسمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبات التعاون يتركز أيضاً بصورة متزايدة على تقاسم الموارد المالية بين دول الجنوب، ومن إيجابيات العمل التي تم رصدها كنتيجة لهذا التعاون ان ازداد فيما بين دول الجنوب حجم تدفقات المعونة والتجارة وتدفقات الاستثمار المباشر الأجنبي وخطوات نحو التكامل الإقليمي. ويتعزز دور المنظمات والمؤسسات والصناديق الدولية في تنمية التعاون بين دول الجنوب والتعاون الثلاثي باعتباره آلية رئيسية لإفراز حلول إنمائية ذات صلة وموجَّهة وفعالة من حيث التكلفة، ولتوفير الموارد الأخرى للمستفيدين والشركاء في جميع أنحاء العالم.
الجدير بالذكر أن نشأة تعاون دول الجنوب جنوب والتعاون الثلاثي أخذ جانبا تنظيميا رسمياً منذ تأسيس مكتب ذو استقلالية ويندرج ضمن منظومة إدارة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP وهو مكتب الأمم المتحدة للتعاون فيما بين دول الجنوب لتعزيز وتنسيق ودعم التعاون فيما بينها والتعاون الثلاثي على الصعيد العالمي وعلى نطاق منظومة الأمم المتحدة. ويدعم المكتب جهود الدول لإدارة وتصميم وتنفيذ سياسات ومبادرات التعاون فيما بينها من خلال تحديد وتبادل ونقل الحلول الإنمائية الناجحة التي ابتكرتها الدول والمعطيات الأساسية للتعاون كتبادل الخبرات والاندماج بين الأطراف وحشد المقومات المالية والبشرية، ومؤخرا دعى المكتب الى ضرورة إشراك القطاع الخاص والعام والأكاديمي لاستكشاف الفرص العديدة المتاحة للتعاون في شتى المجالات الانمائية خصوصا القطاعات الحيوية مشيرا لأهمية هذا التعاون ودوره بتعزيز الاهداف التنموية 2030م. ومن ابرز جهود المكتب مؤخرا أن أنشئ نظام “جالاكسي فيما بين دول الجنوب” وهو منصة عالمية دُشنت في عام 2019م لتبادل المعرفة والشراكة. ويهدف المشروع إلى تقديم دعم منهجي وفعال لدول الجنوب لتتمكن من الاتصال والتعلم والتعاون مع الشركاء المحتملين في المجال الرقمي الأوسع، وتقدم المنصة كذلك عددًا كبيرًا من الندوات وبرزت فائدتها في الاستجابة للتعاون فيما بين دول الجنوب لوباء كوفيد 19، ومن ابرز المحاور التي تم العمل عليها أيضا من قبل المكتب، تخطيط آليات التعاون والحلول فيما بين دول الجنوب في المنطقة العربية، وهناك جهود لمنظمة الأغذية والزراعة للعمل في اطار التعاون في ما بين دول الجنوب وكذلك منظمة الصحة العالمية في مجال التعاون بين دول الجنوب والتعاون الثلاثي، ومنظمة العمل الدولية والمنظمة العالمية للملكية الفكرية وبرنامج الأغذية العالمي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية. وحاليا فان الجهود التنموية الدولية تشمل ملفات المياه والتغيرات المناخية، والشراكة في موضوع الطاقة والربط الكهربائي، وكذلك الشراكات الاقتصادية، والاستثمارات المشتركة.
حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين لها جهود مميزة في دعم العمل في مجال التعاون بين دول الجنوب والتعاون الثلاثي في عدة نواحي وقطاعات، شهدت تواجد وحضور المملكة في العديد من المؤتمرات والاجتماعات الدولية والاقليمية المتعلقة بمجال التعاون فيما بين دول الجنوب، كما ان المملكة عضو رئيسي في مجال تقديم التمويلات التنموية الداعمة لتعزيز هذا التعاون من خلال ما يقوم به الصندوق السعودي للتنمية من دور محوري في هذا الشأن، وترتكز السياسة التنموية للصندوق في توزيع مساعداته من الناحية الجغرافية على دعم الدول النامية الأقل نموًا والأشد فقرًا في العالم وهي دول الجنوب ويقوم بالإسهام في التمويل المشترك مع مختلف المؤسسات الدولية المالية المانحة كما ينفذ بعض برامجه من خلال بعض المنظمات والبرامج التنموية الدولية بهدف استفادته من خبراتها وآليات عملها وأدواتها، وانطلاقًا من هذا المبدأ فقد وجه الصندوق معظم نشاطه التنموي في قارتي إفريقيا وآسيا، نظرًا إلى انخفاض المستوى الاقتصادي والتنموي في دولها، إضافة إلى ارتفاع معدلات النمو السكاني والبطالة وتدني مستويات الدخل، وبذلك فقد موّل الصندوق 408 مشروعًا وبرنامجًا تنمويًا في 46 دولةً إفريقية بمبلغ إجمالي مقداره 39,2 مليار ريال، وساهم في تمويل 265 مشروعًا وبرنامجًا تنمويًا في 30 دولة آسيوية بمبلغ إجمالي مقداره 27,5 مليار ريال، شملت هذه التمويلات العديد من القطاعات الاقتصادية بمختلف المشاريع من طرق ومطارات وموانئ وسكك الحديد واستصلاح الاراضي ومخازن الحبوب وقنوات الري والسدود الزراعية ومحطات إنتاج وخطوط نقل الطاقة ومشاريع الاسكان والتنمية الحضرية والتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والحماية من الفيضانات وبرامج دعم القطاع المالي وغيرها من المشاريع التنموية. كما ساهم الصندوق في رؤوس أموال للعديد من البنوك والصناديق والمصارف والمؤسسات والتعبئات المالية للبرامج والوكالات المالية التنموية الدولية التي تسهم أيضا في تعزيز التعاون الثلاثي وفيما بين دول الجنوب.
وتبين الأرقام والاحصائيات المالية الدولية تزايد اهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله في تعزيز التعاون والعلاقات الانمائية مع دول الجنوب حيث مثلت قيمة التمويلات الإنمائية منذ عام ٢٠١٥م وحتى نهاية العام ٢٠٢١م ما نسبته 32٪ من اجمالي تمويلات الصندوق منذ بدء ممارسة اعماله في عام 1975م بمتوسط معدل نمو سنوي بلغ 16٪ للفترة المشار اليها وهو ما يتوافق مع رؤية المملكة ٢٠٣٠ التي تقوم على توظيف الموقع الاستراتيجي الجغرافي للمملكة والتقدم المتحقق في مجالات تنموية عديدة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية والعمل المشترك ودعم مبادرة طريق الحرير لتعزيز التعاون فيما بين دول الجنوب وهو ما سوف يسهم في تحقيق معدلات تنمية بالدول الجارة والصديقة والشقيقة ورفع معدلات التبادل التجاري وتدفق الاستثمارات وانسياب التقنية وتركيز الدول والشعوب على السلام فيما بينها لينعكس ذلك على تحقيق الأهداف التنموية فيها ورفع مستويات الاستدامة والرفاه والنمو الاقتصادي.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال