الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
الحمد لله، وبعد. لقد اجتهد العلماء وشراح الأنظمة في استخراج مبادئ القضاء السعودي، المبادئ التي تتضمن الأصول الجامعة والقواعد الكلية التي تحكم النظام القضائي، والمستقرئ والباحث في الأنظمة والقوانين، يجد أن هناك مبادئ أساسية وأصولاً عامة يندرج تحتها كثير من الجزئيات والأحكام، والأصل أن تكون هذه المبادئ منارة للقاضي في حكمه، وللمحامي في عمله، وللباحث في كتابته، ويمكننا إيجاز المبادئ والقواعد التي تحكم النظام القضائي في المملكة العربية السعودية إلى ما يلي :
المبدأ الأول – الشريعة الإسلامية هي المرجع في إصدار الأحكام .
نصت المادة (48) من النظام الأساسي للحكم، أن تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية، وفقا لما دل عليه الكتاب والسنة، وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة، حيث جاء ما نصه ( تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية ، وفقا لما دل عليه الكتاب والسنة، وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة )، وجاءت المادة (1) من نظام المرافعات الشرعية مؤكدة لهذا النص بنفس صياغته.
المبدأ الثاني – استقلال القضاء والقضاة.
وذلك أن السلطة القضائية والقضاة في ممارستهم لعملهم يجب ألا يخضعوا لأي تأثير أو مغريات أو تدخل يُخِلُّ بمبدأ فصل السلطات، فسلك القضاء والقضاة يجب ألا تملى عليهم إرادة خارجية فيما عدا الأحكام المهيمنة على عملهم والمقررة في النظام الأساسي للحكم والأنظمة الموضوعة لتنظيم عمل السلك القضائي، لذا نصت المادة (46) من النظام الأساسي للحكم أن (القضاء سلطة مستقلة، ولا سلطان على القضاة في قضائهم لغير سلطان الشريعة الإسلامية).
المبدأ الثالث – الرقابة والتفتيش على أعمال القضاة .
على الرغم من رغبة المنظم في المملكة العربية السعودية في تحقيق مبدأ استقلال القضاء إلا انه لم يغفل أهمية الرقابة والتفتيش على أعمال القضاء القضاة ضماناً لتحقيق الكفاءة المرجوة في أعماله وأحكامهم، وجعل جميع أنواع الرقابة على أعمال القضاة من اختصاص السلطة القضائية نفسها، وتنوعت أشكال الرقابة والتفتيش على أعمال السلطة القضائية، ويمكن إجمالها في أمرين :
أ- رقابة قضائية: ويُعنى هذا النوع من الرقابة بمراجعة الأحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأولى للنظر في مدى توافقها مع قواعد وأحكام الشريعة والأنظمة والقواعد الإجرائية المنظمة لسير القضايا المعروضة أمام المحاكم، ويتولى هذا النوع من الرقابة ثلاث جهات:
1/ المجلس الأعلى للقضاء: حيث تتولى إدارة التفتيش القضائي عملية التفتيش على الأعمال القضائية للقضاة بمحاكم الاستئناف ومحاكم الدرجة الأولى، مرة كل سنة على الأقل أو مرتين كل سنة على الأكثر، والغرض من هذا التفتيش معرفة كفاية القاضي، ومدى حرصه على أداء واجبات وظيفته وفقاً للمعايير القضائية التالية :
– تكييف القضية وصحة السير فيها، وسلامة إجراءاتها.
– تطبيق الأنظمة والتعليمات.
– إنجاز العمل، وإتقانه.
– تسبيب الأحكام.
– صحة الأحكام، ودِقَّة منطوقها، وشمولها للطلبات.
– حسن الصياغة، ومراعاة القواعد اللغوية والنحوية والإملائية.
– أداء واجباته.
– الأحكام المؤيدة والمنقوضة وأسباب النقض، والبيانات الإحصائية.
وهذه المعايير دلت عليها المادة (20) من لائحة التفتيش القضائي الصادرة من المجلس الأعلى للقضاء.
2/ المحكمة العليا : تختص المحكمة العليا بمراقبة سلامة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض معها، أو صدور الحكم من محكمة غير مشكلة تشكيلًا سليمًا طبقًا لما نُص عليه نظامًا، أو صدور الحكم من محكمة أو دائرة غير مختصة، أو الخطأ في تكييف الواقعة، أو وصفها وصفًا غير سليم.
3/ محاكم الاستئناف: تختص محاكم الاستئناف بالنظر في الأحكام الواجبة أو القابلة للاستئناف الصادرة من محاكم الدرجة الأولى.
ب- رقابة إدارية: ويُعنى بهذا النوع من الرقابة على عمل القاضي من خلال متابعة مدى تطبيقهم للأنظمة وواجباتهم الوظيفية، ويتم ذلك من خلال جهتين :
1/ المجلس الأعلى للقضاء: حيث تتولى إدارة التفتيش القضائي عملية التفتيش على الأعمال الإدارية للقضاة محاكم الاستئناف ومحاكم الدرجة الأولى، مرة كل سنة على الأقل أو مرتين كل سنة على الأكثر، والتحقيق في الشكاوى التي يقدمها القضاة أو تقدم ضدهم في المسائل المتصلة بأعمالهم الوظيفية.
2/ رئيس كل محكمة: يتولى رئيس المحكمة متابعة مباشرة القضاة لأعمالهم والإشراف عليهم وتنبيههم إلى ما يقع منهم مخالفاً لواجباتهم، أو مقتضيات وظائفهم، والنظر في الشكاوى التي تقدم ضدهم في المسائل المتعلقة بأعمالهم، استناداً للقاعدة (3) من قواعد اختصاصات وصلاحيات رؤساء المحاكم ومساعديهم، المعتمدة بقرار المجلس الأعلى للقضاء برقم (10/3/42) في 5/7/1442ه.
المبدأ الرابع – علانية الجلسات .
يقصد بهذا المبدأ تمكين غير أطراف الدعوى ووكلائهم من حضور جلسات المحاكمة، حيث نصت المادة (64) من نظام المرافعات الشرعية على أن (تكون المرافعة علنية إلا إذا رأى القاضي -من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب أحد الخصوم- إجراءها سراً محافظة على النظام، أو مراعاة للآداب العامة، أو لحرمة الأسرة) ونصّت المادة (154) من نظام الإجراءات الجزائية على أن ( جلسات المحاكم علنية، ويجوز للمحكمة – استثناء – أن تنظر الدعوى كلها أو بعضها في جلسات سرية، أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها؛ مراعاة للأمن، أو محافظة على الآداب العامة، أو كان ذلك ضروريًا لإظهار الحقيقة ).
المبدأ الخامس- احترام حق الدفاع.
يقصد بهذا المبدأ تمكين أطراف الدعوى من التوكيل في الخصومة والدفاع عن موقفهم بجميع الوسائل المشروعة، ومن التطبيقات لهذا المبدأ :
أ- تمكين أطراف الدعوى في التوكيل في المرافعة والخصومة، حيث نصت المادة (49) من نظام المرافعات الشرعية أنه ( في اليوم المعين لنظر الدعوى يحضر الخصوم بأنفسهم أو مَنْ ينوب عنهم، فإذا كان النائب وكيلًا تعين كونه ممن له حق التوكل حسب النظام). سوى ما يكون للدائرة القضائية من سلطة تقديرية من طلب حضور الموكل في مسائل الأحوال الشخصية، بموجب اللائحة (2) من المادة (53) من نظام المرافعات الشرعية، وكما يجب حضور المتهم بالجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف مع عدم الإخلال بحقه في الاستعانة بمن يدافع عنه، وذلك استناداً للمادة (139) من نظام الإجراءات الجزائية.
ب- تمكين الأطراف من الاستمهال لتحضير الجواب. حيث نصت المادة (65) من نظام المرافعات الشرعية ( على المحكمة أن تعطي الخصوم المهل المناسبة، للاطلاع على المستندات، كلما اقتضى الحال ذلك).
ج- للمتهم في القضايا الكبيرة الموجبة للتوقيف، حق الاستعانة بمحام على نفقة الدولة إذا لم تكن لديه المقدرة المالية للاستعانة بمحام، استناداً للمادة (139) من نظام الإجراءات الجزائية.
المبدأ السادس – تسبيب الأحكام.
ويقصد بهذا المبدأ أن على القاضي أن يذكر الأسباب التي بَنَى عليها حُكمَه القضائيَّ من الأدلة الشرعية، والأنظمة المرعية وذِكْر الوقائِع القضائيَّة المؤثرة، وصِفة ثُبوتها. حيث نصت المادة (163) من نظام المرافعات الشرعية على أن القاضي (بعد قفل باب المرافعة والانتهاء إلى الحكم في القضية يجب تدوين الحكم في ضبط المرافعة مسبوقًا بالأسباب التي بُنِيَ عليها، ثم يوقع عليه القاضي أو القضاة الذين اشتركوا في نظر القضية. )، ويعتبر تسبيب الحُكمِ القضائيِّ في طليعةِ ضماناتِ العَدَالةِ، وعُنوانُ شَفافيتِها، ومُرتكزُ قوةِ أحكامِها.
المبدأ السابع – الاعتراض على الأحكام القضائية.
استشعر المنظم السعودي أهمية الرقابة على الأحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأول، حيث حرص على إعطاء المحكوم عليه طلب مراجعة الأحكام بالاستئناف أو طلب النقض أو التماس إعادة النظر، حيث نصت المادة (185) من نظام المرافعات الشرعية على أن ( جميع الأحكام الصادرة من محاكم الدرجة الأولى قابلة للاستئناف، باستثناء الأحكام في الدعاوى اليسيرة التي يحددها المجلس الأعلى للقضاء. )، والمادة (200) من نظام المرافعات الشرعية على أنه ( 1- يحق لأيٍّ من الخصوم أن يلتمس إعادة النظر في الأحكام النهائية في الأحوال الآتية:
أ – إذا كان الحكم قد بُنِيَ على أوراق ظهر بعد الحكم تزويرها، أو بُنِيَ على شهادة قضي – من الجهة المختصة بعد الحكم – بأنها شهادة زور.
ب- إذا حصل الملتمس بعد الحكم على أوراق قاطعة في الدعوى كان قد تعذر عليه إبرازها قبل الحكم.
ج – إذا وقع من الخصم غش من شأنه التأثير في الحكم.
د – إذا قضى الحكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو قضى بأكثر مما طلبوه.
هـ – إذا كان منطوق الحكم يناقض بعضه بعضًا.
و – إذا كان الحكم غيابيًا.
ز – إذا صدر الحكم على من لم يكن ممثلًا تمثيلًا صحيحًا في الدعوى.
2- يحق لمن يعد الحكم حجة عليه ولم يكن قد أدخل أو تدخل في الدعوى أن يلتمس إعادة النظر في الأحكام النهائية. )
وفي بعض الحالات أوجب النظام رفع الحكم لمحكمة الاستئناف في الحالات التالية :
1- الأحكام الصادرة في الأذونات في تصرفات الأولياء والأوصياء والنظار، واجبة التدقيق من محكمة الاستئناف باستثناء أحكام الرهن والاقتراض وتوثيق عقود الشركات أو زيادة رأس مالها وشراء عقارات للقاصر، ما لم يقرر المجلس الأعلى للقضاء خلاف ذلك، بموجب الفقرة (1) من المادة (225) من نظام المرافعات الشرعية.
2- إذا صدر حكم وكان المحكوم عليه ناظر وقف، أو وصياً، أو ولياً، أو ممثلَ جهةٍ حكوميةٍ ونحوه، ولم يطلب الاستئناف أو طلب الاستئناف أو التدقيق ولم يقدم مذكرة الاعتراض خلال المدة المقررة نظامًا، أو كان المحكوم عليه غائباً وتعذر تبليغه بالحكم، ولا يشمل ذلك ما يأتي:
أ- القرار الصادر على الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين ومن في حكمهم من المحكمة المختصة منفذاً لحكم نهائي سابق.
ب- الحكم الصادر في شأن مبلغ أودعه أحد الأشخاص لمصلحة شخص آخر، أو ورثته ما لم يكن للمودع أو من يمثله معارضة في ذلك. وذلك بموجب الفقرة (4) من المادة (185) من نظام المرافعات الشرعية.
3- إذا كان الحكم صادرًا بالقتل، أو الرجم، أو القطع، أو القصاص في النفس أو فيما دونها، بموجب المادة (194) من نظام الإجراءات الجزائية.
وفي حالة واحدة أوجب النظام رفع الحكم إلى المحكمة العليا، إذا كان الحكم صادرًا بالقتل، أو الرجم، أو القطع، أو القصاص في النفس أو فيما دونها، بموجب المادة (199) من نظام الإجراءات الجزائية.
المبدأ الثامن – تعدد القضاة مربوط بثقل محل النزاع.
لقد أدرك المنظم في المملكة العربية السعودية أهمية إقامة الحق وتحقيق العدل، وذلك من خلال التمييز بين أنواع القضايا الكبيرة واليسيرة، حيث أن الأصل في المحاكم أن تكون الدوائر مشكلة من قاضي فرد، لكن هناك حالات يتم زيادة عدد القضاة لنوع أو قيمة الدعوى، ومن التطبيقات لهذا المبدأ :
1- الدعاوى الكبيرة التي تزيد قيمة المطالبة بها عن خمسين مليون ريال في عموم الدعاوى والانهاءات، (وثلاثمائة مليون) في دعاوى وطلبات ومنازعات التنفيذ، تنظر في دوائر متخصصة من ثلاثة قضاة في عدد من المحاكم في المملكة، بموجب القرار الصادر من المجلس الأعلى للقضاء برقم (1545/ت) بتاريخ 25/11/1441ه .
2- قضايا القتل والقطع والرجم والقصاص في النفس أو فيما دونها، تنظر في محكمة الدرجة الأولى في دائرة مشكلة من ثلاثة قضاة، ثم تنظر وجوباً في محكمة الاستئناف في دائرة مشكلة من خمسة قضاة، ثم تنظر وجوباً في المحكمة العليا من دائرة مشكلة من خمسة قضاة، بموجب المواد (10) و(15) و(20) من نظام القضاء.
3- النزاعات في المحاكم التجارية تنظر في دوائر مشكلة من ثلاثة قضاة، سوى الدعاوى التي لا تزيد قيمة المطالبة الأصلية فيها مبلغ مليون ريال في المنازعات التي تنشأ بين التجار بسبب أعمالهم التجارية الأصلية أو التبعية، والدعاوى المقامة على التاجر في منازعات العقود التجارية، والطلبات المستعجلة، طلبات إصدار أوامر الأداء، فتنظر من قاضي فرد بموجب المادة (3) من نظام المحاكم التجارية.
وفي نهاية هذا المقال يجدر بنا أن نشير أن على جامعاتنا ومراكز البحوث والدراسات والإعلام العمل على إبراز هذه المبادئ ودراستها ونشرها، لأنها تمثل وجه مشرق للقضاء السعودي، بمرجعيته الشرعية، واستقلاله، ورقابته، وعلانية، وحرصه على حماية ضمانات التقاضي بين الناس.
والحمد لله أولاً وأخراً
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال