الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
هل يمكن أن يذكر أمامك اسم قناة ال بي بي سي الإذاعية دون أن يذهب تفكيرك بشكل مباشر إلى المملكة المتحدة فيجول بتفكيرك الضباب، والأمطار، وكأن مدينة لندن شاخصة أمامك تماما؟ في كل مرة تستمع فيها إلى المذياع وتقلب الموجة فتسمع المذيع يقول هنا لندن ينتابك شعور بأن هناك ارتباط وثيق يعمل على ترسيخ الاسم في ذهنك مع ربطه بهوية المكان التي يدركها عقلك بشكل مباشر، فيسهل عليك تحديد الهوية. هذا الارتباط الذي ينشأ بين العلامات التجارية والمدن ليس وليد الساعة، ولم يحدث من فراغ، لكنه نتاج كثير من الجهود، ورؤية واضحة لصناعة الاسم. ومع كل ذلك إلا أن الإشكالية تكمن عندما تقحم بعض العلامات التجارية نفسها فيه بالرغم من تأثيره السلبي عليها.
كم مرة خطر ببالك أن تزور أحد المدن فذهب عقلك مباشرة ودون أن تشعر إلى عادات ارتبطت بذات المكان؟ هناك عادات إيجابية، وأخرى سلبية تعكس نمط الحياة في المدينة، وينشأ هذا النمط من خلال سلوك اجتماعي نراه نحن بين جنبات الأحياء في المدن. في حقبة زمنية ليست بالبعيدة كانت الحبال المعلقة تستخدم من قبل سكان كثير من العمائر في تجفيف الملابس، وهذا السلوك أصبح بمثابة مثال للارتباط بين هوية المكان والسلوك الاجتماعي.
لكنه مع ذلك في حال استخدم في بعض الإعلانات للترويج للمنتجات قد لا يحقق الغاية والهدف المنشود، على اعتبار أنه سلوك غير محمود. قبل أيام كان يدور جدل أثاره بعض الكتاب في دولة أستراليا الذين يعتقدون بأن مدينة مثل سيدني يجب أن تحمل الهوية الثقافية للدولة، وحجتهم في ذلك أن هذه المدينة تحمل مقومات النجاح المعمارية لكنها قامت بالتسويق لنفسها كوجهة ناضجة عالميا، وليس كوجهة ثقافية تحمل الشعار الثقافي للدولة. وبالمناسبة فإن كثير من الأشخاص يعتقدون أن هذه المدينة هي العاصمة الفعلية لدولة أستراليا في حين أنها ليست كذلك.
في حقيقة الأمر فإن المدينة اكتسبت ثقل اقتصادي من واقع مساهمتها في المنظومة الاقتصادية ولا يمكن أن نعتبرها الرمز الثقافي بسبب رموز عمرانية فقط. مدينة ملبورن احتلت هذه المكانة الثقافية بسبب تواجد الجامعات والمعاهد وتحتضن سكان ثقافات مختلفة فأصبح من الطبيعي أن تأخذ المدينة الصبغة الثقافية. أعاد هذا الجدل في ذهني مسألة ارتباط العلامات التجارية بالمكان فبدأت أفكر في الرسالة التي يمكن أن تتشتت في أذهان العملاء حين يتم الترويج للمدينة بشكل مزدوج مرة على أنها ثقافية، وأخرى باعتبارها مدينة صناعية.
وقبل أن أختم المقال دعني أشير عزيزي القارئ إلي مثال لا يخفي علينا جميعا يتمثل في ربط جبال الألب الفرنسية مع علامة مياه إيفيان الشهيرة التي صنعت قوة اسمها بشكل كبير من خلال الارتباط بالطبيعة الجغرافية للمكان.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال