الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
(زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للشرق الأوسط)
في هذه السلسلة من المقالات بخصوص الدبلوماسية العامة، تناولت في الجزء الأول مفهوم الدبلوماسية العامة، والتي تنطوي على مفهوم الدبلوماسية الشعبوية. وكما اشرنا، عدد كبير من الدول تعمل على تنظيم هذا النوع من الدبلوماسية، وكما ذكرنا في المقالات السابقة، مثل اسرائيل التي تعمل على مشروع نظام تحت مسمى الدعاية الاجنبية، في حين ان هناك دول اخرى لا تحبذ استخدام مصطلح الدعاية الاجنبية او الدبلوماسية العامة، لذلك تقوم بسن قوانين تتناول ذات الموضوع تحت مسمى مختلف مثل استخدام قوانين بعنوان مثل قانون الأمن الرقمي. أما الجزء الثاني فهو يتعلق بالمرتكز الأساسي الذي يمكن ان تستخدمة بلادنا في حال تم استغلال أياً من قضايا الشأن الداخلي في الإعلام الخارجي. مقال اليوم وهو الجزء الأخير من هذه السلسلة، سيتناول توظيف نتائج زيارة الرئيس الامريكي للشرق الاوسط و زيارته للمملكة في صنع استراتيجية دبلوماسية عامة لمخاطبة الإعلام الخارجي، أو مخاطبة اي دولة او اي جهاز تابع لدولة أو تابع لمنظمة دولية.
من خلال الاطلاع على عدد من التقارير الصحفية المنشورة في الإعلام الأمريكي وتقارير اخرى تم إصدارها من مراكز ابحاث امريكية لتحليل زيارة بايدن للمملكة العربية السعودية و اسرائيل، يبدو أن الرضا العام عن نتائج هذه الزيارة لم يكن كما هو متوقع، خصوصا من شخص مثل الرئيس بايدن. حيث ان سقف التوقعات كان مرتفعا، ولكن نتائج الزيارة كان مخيبا للآمال خصوصا في ظل الخبرة السياسية التي يتمتع بها بايدن في التعامل مع دول الخارج والتي تفوق الأربعين عاما، وهذا يدل على أن التعلم من الأخطاء السابقة التي ارتكبتها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية في الماضي، لازال بطيئاً جدا. وهذا من وجهة نظري، يعتبر نقطة ايجابية لصالحنا عند رسم استراتيجية الدبلوماسية العامة. ومن هنا، فان المعايير الاساسية التي يجب علينا العمل بها هنا هي كالاتي، المبادئ الدستورية الامريكية، خطابها الدولي الدائم للمحافظة على حقوق الإنسان محليا و دوليا، وانتهاكات مبادئ القانون الدولي الإنساني، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.
فمثلا، الدستور الأمريكي، في المادة الأولى/فقرة١٠/ ٣ نصت على السلطات المحظورة على السياسة الأمريكية، وكان النص كالآتي: “لا يجوز لأية ولاية، دون موافقة الكونغرس، أن تفرض أية رسوم على حمولة السفن، أو تحتفظ بقوات عسكرية أو سفن حربية في وقت السلم، أو تعقد أي اتفاق أو ميثاق مع ولاية أخرى أو دولة أجنبية، أو تشتبك في حرب إلا إذا تم غزو امريكا فعلاً، أو إذا كان هناك خطر داهم لا يسمح بالتأخير.” وهذا أمر لا غبار عليه، وهو من المبادئ الدستورية التي اجزم انها موجودة في جميع دساتير العالم، حيث إن المحافظة على الأمن القومي و الوطني أمر أساسي. هذا النص الدستوري يثير مبدأ السيادة، حيث أن الدولة لها سيادة على اراضيها فقط، ومسؤولة عن معاقبة كل من يعتدي عليها بشكل يهدد امنها الداخلي. كما نص الدستور ايضا، ان السلطة القضائية الامريكية تشمل جميع القضايا المتعلقة بمخالفة أحكام القانون الأمريكي ومبادئ العدل داخليا، بمعنى الانتهاكات القانونية التي تنشأ في ظل أحكام الدستور وقوانين الولايات المتحدة والمعاهدات المعقودة أو التي ستعقد بموجب سلطتها. كما تشمل جميع القضايا التي تتناول السفراء والوزراء المفوضين الآخرين والقناصل وجميع القضايا الداخلة في اختصاص الأميرالية والملاحة البحرية والمنازعات التي تنشأ بين اثنتين أو أكثر من الولايات ..الخ. هذا الاساس القانوني الذي سننطلق منه لصياغة استراتيجية خاصة الدبلوماسية العامة. ولست أعني هنا التصريح في الاعلام ان الولايات المتحدة الامريكية يفترض بها عدم التدخل بحقوق الإنسان في الدول الاخرى، وانما الذي اعنية هو اثارة قضايا تنتهك بها الولايات المتحدة حقوق السيادة في دول اخرى على الرغم من ان دستورها نص على خلاف ذلك.
تطبيقيا، في تحليل لما نشر في الإعلام الغربي لزيارة بايدن، كان نهج إدارة بايدن والتغطية الإعلامية لزيارة الرئيس الامريكي إلى إسرائيل وفلسطين والمملكة العربية السعودية متناقضة بشكل صارخ. بينما كان بايدن متدفق عاطفيًا مع الإسرائيليين ، كان غامضًا ومترددًا مع الفلسطينيين. و حذرا جدا مع زعماء دول الخليج العربي.
ففي إعلان القدس، تم الافصاح في صفحته الاولى على التزام الولايات المتحدة بحماية إسرائيل وان هذا الالتزام “غير قابل للكسر” ، و “لا يتزعزع” ، و “لا يهتز” ، و “مقدس” ، و “دائم” ، و يعتبر “التزام أخلاقي” قائم على “أساس صلب من القيم الأخلاقية.” في حين انه لم يتم ذكر الفلسطينيين إلا في نهاية الاعلان، حيث أشار إلى أن كلا البلدين امريكا و اسرائيل “يدينان سلسلة الهجمات الإرهابية المؤسفة ضد المواطنين الإسرائيليين” ولم يذكر اي شئ ذا علاقة بالهجمات الارهابية من قبل إسرائيل على الفلسطينيين. وحتى مع اجتماع بايدن مع القيادات الفلسطينية لم يتم إدانة أي من الاعمال الارهابية التي ترتكب بحق الفلسطينيين، واكتفى بايدن بقول من حق الفلسطينيين ان ينعموا بحياة كريمة من دون تقديم أي تعهدات بتقديم حماية لهم ضد الهجمات الارهابية او بحماية حقوق الانسان ضد الانتهاكات التي ترتكبها اسرائيل. بل وانه لم يتم حتى انتقاد الإسرائيليين بخصوص انتهاك حقوق الإنسان العامة او مبادئ القانون الدولي الانساني المتعلق بقوانين الحرب على الرغم من وجود مثل هذه الانتهاكات من الطرف الإسرائيلي بشكل كبير، خصوصا في حالة عدم وجود الرقيب، زائدا على وجود الدعم السياسي من دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية. باعتقادي، ان مثل هذه التصرفات الواضحة للعلن يمكن بحثها بدقة لتوظيفها في الدبلوماسية العامة، وهو اثارة موضوع ان حقوق الإنسان هي حق لجميع سكان الكرة الارضية، وليس حصرا على شعوب معينة، اذا كانت فعلا امريكا تسعى للاهتمام بملف حقوق الإنسان في العالم.
أما عند وصول بايدن للمملكة، تم التركيز اعلاميا بشكل صاخب جدا ،على تحية القبضة، و على سجل حقوق الإنسان للمملكة – بما في ذلك مقتل الصحفي خاشقجي في حين لم يحضى إعلان القدس بهذا الصخب رغم اهميتة. هكذا قرأته الصحافة الأمريكية والصحافة الدولية المعادية زيارة بايدن الاخيرة. وبسبب ذلك، صاح الإعلام لديهم، أن هذه الزيارة دليل على بيع القيم الأمريكية و دعم دول الخليج ماديا من اموال الضرائب الامريكية. مع أن الدول الخليجية خاصة لا يتم دعمهم ماديا من قبل امريكا. كما ان أموال الضرائب وفقا لنص الدستور والأنظمة الامريكية تذهب للخزينة العامة لصرفها على الخدمات العامة داخليا في أمريكا. كما ركز الإعلام الامريكي على فشل أمريكا في الالتزام بقيادة “النظام العالمي” و “إهانة حقوق الإنسان” عند زيارته للمملكة حيث ان الزيارة كانت لدولة تعاني من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان. ومن هذه المنطلقات التي يروج لها اعلامهم، يجب علينا العمل عليه في صناعة الدبلوماسية العامة، من خلال تحديد الاهداف التي نسعى لتحقيقها دوليا والبدء في العمل بدراسة جادة حقيقية تُسبر في اغوار القوانين و تاريخ الدساتير وتاريخ الحقوق و قواعد القانون الدولي وقواعد القانون الدولي الانساني والانتهاكات التي سبق ان حصلت.
بشكل مختصر جدا، يمكن وضع خطوط رئيسية يمكن الانطلاق منها على اعقاب زيارة بايدن. في المقام الاول، من المهم ملاحظة التناقض الصارخ بين نتائج زيارة اسرائيل، وبين نتائج زيارة المملكة العربية السعودية والدول العربية. يتم اثارة ملف انتهاك حقوق الإنسان في المملكة ودول الخليج، في حين أن إعلان القدس و نتائج الاجتماع بالقيادات الاسرائيلية والفلسطينية بها إعلان صارخ ان “حقوق الانسان ليست حق لكل انسان”، وانما حق لجنسيات محددة، إما بسبب وجود عاطفة تجاه تلك الجنسية، أو لوجود مصالح سياسية و اقتصادية. في المقام الثاني، لا توجد دولة خليجية “مدعومة من دافعي الضرائب الأمريكيين”، واساسا القانون الامريكي لا يسمح بذلك. ثالثا ، بعد إظهار العاطفة المفرطة التي حدثت في القدس ، من السذاجة القول بأن بايدن يتصرف بأسلوب رجل الدولة مع القادة السعوديين فيما يتعلق بالسياسة الداخلية و الخارجية للولايات المتحدة. رابعا ، بعد حربي العراق وأفغانستان وكل ما صاحبهما من أهوال، فـأمريكا هي من يمتلك سجلا حافلا من انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وفقا لتقرير عن معدل الفقر في منطقة الشرق الأوسط صادر من هيئة الأمم المتحدة، أن الدول العربية عانت من التدخلات الامريكية بلا سبب وجيه لتفكيك الدول مثل ما حدث وقت الربيع العربي، و دعمت حروب في منطقة الشرق الأوسط بلا توقف ، وعمقت التطرف ، واهملت بشكل واسع تطبيق قواعد القانون الدولي. ونتيجة لذلك، ارتفعت نسبة الفقر على غالبية الناس في الدول العربية. لتُظهر تحليلات أجرتها الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة أن الفقر متعدد الأبعاد في الدول العربية ازداد لتصل نسبة الفقر عند العرب الى 67٪ ، في حين أن أزمة كوفيد زادت نسب الفقر فقط ٣٪ لتصبح نسبة الفقر في الدول العربية 70%. وهذا يعني أن أساسيات حقوق الإنسان من الحصول على التعليم، المسكن، الرعاية الصحية، حرية التنقل… الخ من الحقوق تم انتهاكها. وهنا يعني ان الولايات المتحدة الامريكية ليست من يقود حماية حقوق الإنسان.
بالطبع، عند الحديث عن موضوع ملف حقوق الإنسان في المملكة، فالتغيرات القانونية التي تجري الان، ليست من اجل امريكا ولا من اجل اي دولة اخرى. وإنما هي نتيجة ارادة جادة وحقيقية من ولاة الأمر للمحافظة على حق الإنسان داخل حدود المملكة، سواء كان مواطنا او مقيما، وضمان حصوله على حياة كريمة. وجميعنا نعلم كمواطنين سعوديين، أنه منذ نشأة الدولة السعودية، وقيادتها تهتم بترسية أسس الاستقرار والأمن والحقوق. وعند الاشارة الى الاهتمام بصورة المملكة خارجيا، لا يعني ان الحراك القانوني لدعم حقوق الإنسان أن يتباطأ، وانما يجب ان يكون متسارعا وقائما ويتطور كما هو الآن. ولكن يجب ان يتم إظهاره من خلال الدبلوماسية العامة بطريقة نعبر فيها عن أنفسنا أننا دولة تهتم بالحقوق، وأن لدينا مبادئ دستورية، تدعمها قوانين وأنظمة ومؤسسات دولة تحت دعم الارادة السياسية. يجب أن نخاطب العالم ليس من موقع المدافع ، وإنما من “موقع القوة و الفخر بما لدينا”. ولا يكون الفخر والقوة من خلال فقط إظهار مواطن الضعف لدى الغير، وإنما بإظهار مواطن القوة لدينا بالاضافة الى اظهار مواطن الضعف لدى غيرنا.
هذه مجموعة من الأمور التي يجب التركيز عليها بشكل دقيق و مفصل. يجب ان يتم عمل تحليل دقيق للانظمة الامريكية، والاتفاقيات الدولية، وما يرافقها من انتهاكات، يمكن استخدامها كسلاح مضاد في حالة استخدام أمريكا او دول اخرى لقضايا انتهت وانقضت مثل قضية خاشقجي، واستخدامها كمسمار جحا، والتي غالبا تستغل اعلاميا فقط من اجل الترويج للحملات الانتخابية ولاهداف سياسية. و في نهاية السلسلة ، ما تبقى لنا انه يجب علينا القيام بدراسة التناقضات في كيفية رؤية القيادة السياسية الأمريكية ووسائل الإعلام لإسرائيل والعرب من خلال عدستين مختلفتين: واحدة فوق النقد وهي اسرائيل ، والأخرى هي من يجب ان يطبق عليها مبادئ العدالة وهي دول الخليج. إن تأثير هذا المعيار المزدوج يشوه علاقاتها ويقوض مصداقيتها دائما في شتى الامور، فكيف إذاً لو كان هذا الموضوع يتعلق بسياسة دول وامن قومي واستقرار اقتصادي و اجتماعي.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال