الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يعتقد كثير منا بأن الدول الغربية دائما الأكثر تقدماً في السياحة بكل مفاهيمها وانماطها، في رأيي هذا غالبا غير صحيح، فكثير من دول جنوب شرق آسيا سبقت الدول الغربية بعشرات السنوات من حيث تنوع الانشطة والفعاليات وخصوصا المعتمدة على السكان المحليين، والأهم من حيث تطبيق بعض المفاهيم والانماط السياحية مثل السياحة البيئية والمستدامة والسياحة المجتمعية. في هذا المقال سوف أركز على السياحة المجتمعية وأهميتها.
يعّرف المجتمع بأنه مجموعة من الاشخاص يعيشون في منطقة ما ويتشاركون في مجموعة من القيم والعادات والتقاليد والمسؤوليات وعادة ما يتولى مسؤولية تلك المجتمعات مجموعة صغيرة ذات معرفة وحكمة وقدرة على اتخاذ القرار. ولدى تلك المجتمعات العديد من الموارد ما يكفي للاستفادة منها في تحسين مستوى معيشتهم، كتطوير السياحة المجتمعية.
المجتمعات الصغيرة عادة ما تفتقر إلى الدخل الكافي وفرص العمل ونقص الخدمات والمرافق ولأن توفير هذه المتطلبات ليس دائما بالأمر السهل على الحكومات، لذا يأتي دور السياحة المجتمعية بمفهومها البسيط والقابل للتطوير السريع لتوفير جميع هذه الاحتياجات من خلال العوائد المالية التي يحصلون عليها نتيجة الاستفادة من الموارد الطبيعية والثقافية والاجتماعية التي يمتلكونها ويقدمونها على شكل خدمات وانشطة سياحية للزوار. وعادة ما تكون تلك الخدمات والمرافق السياحية ذات مستوى متوسط لأن السائح في كل الأحوال يتوقع هذا المستوى المعقول من الخدمات.
الجدير بالذكر أن السياحة المجتمعية مفهوم قديم جداً، بل قد يكون من أقدم المفاهيم السياحية على الاطلاق حيث يقوم السكان المحليون (غالبًا في المناطق الريفية والأقل تطورا والأقل اقتصادا) بتطوير وجهاتهم ودعوة السياح لزيارة مجتمعاتهم للتعرف عليها مع تقديم الخدمات الأساسية لهم مثل السكن والطعام والشراب المحلي والحرف والمنتجات المحلية وبعض الانشطة السياحية المعتمدة على مواردهم المختلفة والتي توارثوها كإبراز ثقافة المجتمع من عادات وتقاليد وموروث. وعادة ما يقوم الأفراد الذين يديرون ذلك المجتمع بتطوير انظمة وإجراءات وقوانين خاصة بإدارة النشاط السياحي اليومي وكذلك بتخصيص جزء من الدخل السياحي لتطوير المشاريع التي تعود بفوائد على المجتمع ككل وأيضًا للمحافظة على موارد تلك الوجهة.
من أهم فوائد السياحة المجتمعية هو تقليل نسبة الفقر، وتقليل التفكك الاسري، وخلق فرص عمل، وفرص لبيع المنتجات المحلية والاسر المنتجة، وتقليل الهجرة للمدن الرئيسية، والحفاظ على ثقافة المجتمع، والحصول على نسبة تعليم أفضل، وتمكينهم بالمعرفة والمهارات التي تساعدهم على إدارة النشاط السياحي، وتوفير بعض الخدمات الأساسية التي يحتاجها كل مجتمع.
ومن جانب أخر تمكّن السياحة المجتمعية السائح من اكتشاف البيئات الطبيعية والحياة البرية والتفاعل مع الثقافات والطقوس التقليدية وهذا من شأنه أن يعزز الحفظ المجتمعي لهذه الموارد. فما يميز تطوير مفهوم السياحة المجتمعية هو أنها يفترض ان تكون قائمة على مبدأ الاستدامة، فعند تطوير وجهة بهذا المفهوم عادة ما يساهم في المحافظة على هذه الموارد، بالإضافة الى زيادة افتخار السكان المحليين بالموروث الثقافي الذي يعملون على إبرازه للسياح مما يساعد على استدامته ونقله للأجيال الاخرى. ولكن لأن مفهوم الاستدامة يعد مفهومًا حديثًا وعلميًا ولأن تلك المجتمعات ينقصها المعرفة لتطبيقه بالشكل الصحيح والتعامل معه، هنا يأتي دور الحكومات والمختصين بالقيام بدور التوعية.
كنت محظوظا بأن وقفت على عدة وجهات، واحدة منها من أقدم الوجهات السياحية القائمة على مفهوم السياحة المجتمعية، ورأيت كيف أن المجتمع المحلي يدير النشاط والتجارة السياحية بطريقة احترافية والتي اكتسبوها على مدى أكثر من ١٠٠ عام، رأيت كيف تلك المجتمعات تتكاتف من أجل مصلحة الجماعة ومن أجل إثراء تجربة السائح وتعزيز فكرة تكرار الزيارة. فالسياحة المعتمدة على المجتمع المحلي أكثر استدامة وصلابة أمام التغيرات التي قد تطرأ على الوجهات السياحية في الأزمات والتي كان آخرها وباء كورونا، فكانت تلك الوجهات أقل تضرراً من الوجهات الأخرى لأن المجتمع المحلي كان البديل عن السائح الأجنبي.
نحن في السعودية ومع ثورة التطوير السياحي الذي تقوده الدولة حفظها الله، يجب أن نعمل على تطوير خطة إستراتيجية لتفعيل مفهوم السياحة المجتمعية المستدامة في عدة مناطق في المملكة لتمكين المجتمعات النائية وتقليل هجرة أبنائها الى المدن الرئيسية وأيضا إثراء التجربة السياحة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال