الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يواجه قطاع الكهرباء مجموعة من التحديات، ومن أبرزها ترشيد استخدام الطاقة الكهربائية، وخاصة في أوقات الذروة، وتزيد أهمية إيجاد حلول لهذا التحدي بوجود فرق كبير بين أقصى الحمل الذروي وأدناه، كما في دول الخليج التي يصل الحمل الذروي في بعضها إلى ضعف القيمة الأدنى؛ حيث تُضَخّ استثمارات كبيرة في مجال التوليد والشبكات؛ لمواكبة أحمال صيفية قد لا تتجاوز فترتها ما بين شهرين إلى ثلاثة شهور، وتختلف الشبكات من حيث تفاعلها مع ذلك؛ فبعضها تستسلم لتلبية هذا الطلب ببناء المحطات والشبكات وتوسعتهما، وأخرى تعالجه برفع الأسعار؛ لإجبار المستهلكين على تخفيض استهلاكهم للطاقة الكهربائية.
ومؤخراً، ظهرت مجموعة من التجارب والطرق المبنية على دراسة سلوك الأفراد وتوجيههم نحو الترشيد، مع الحفاظ على مستوى رضا عالٍ لدى المستهلكين، وهذه الأخيرة هي موضوع هذا المقال.
يقوم مفهوم الاقتصاد السلوكي على دراسة البُعد السلوكي للأفراد عند تحديد اختياراتهم، ومن ثم التدخل غير المباشر لتوجيه وتحفيز سلوكهم في اتجاهات معينة، قد تمس المستهلك أو قد يظن أنها تؤثر على مستوى رفاهيته، وبدون حوافز اقتصادية كبيرة مع الحفاظ على حريته في اتخاذ قراراته.
وقد أصدر كلٌ من الباحث في مجال الاقتصاد (ريتشارد ثايلر) الحائز على جائزة نوبل عام ٢٠١٧م، والباحث القانوني (كاس سنستاين) كتاباً في عام ٢٠٠٨م، بعنوان: (الوكز) (Nudge)، أبرزا فيه دور الاقتصاد السلوكي في تحسين قرارات الأفراد وصنع السياسات العامة. وقد تفاعلت مع هذا التوجه، في الآونة الأخيرة، دول عدة، فأنشأت وحدات لدراسة وفهم سلوك الأفراد، وإصدار بصائر سلوكية (Insights) يبنى عليها (وكزات) لتوجيه خيارات الأفراد.
وعلى المستوى المحلى نجد من أمثلة ذلك التوجه في المملكة، ما قامت به هيئة الغذاء والدواء من إلزام المطاعم بوضع قيمة السعرات الحرارية على الوجبات. وقد أكد بعض المستهلكين، في مقابلات تلفزيونية أُجريت معهم، تأثر قراراتهم الشرائية بذلك. أما في قطاع الكهرباء، فحريّ بالذكر ما قام به المركز السعودي لكفاءة الطاقة من إصدار بطاقة كفاءة الطاقة التي تلصق على الأجهزة المنزلية، ومن أهدافها مساعدة شريحة المستهلكين المهتمين بالكفاءة وترشيد استهلاكهم من الطاقة الكهربائية عند شراء الأجهزة.
أما على المستوى العالمي، فهناك العديد من التجارب المتنوعة؛ ففي مدينة (كيب تاون) قام باحثون بالتركيز على مبنى مكتبي كبير، وأقاموا مسابقة ومقارنة بين استهلاك كل دور من أدوار هذا المبنى، مع إرسال بريد إلكتروني بالأرقام وطرق تخفيض الاستهلاك أسبوعياً، وقد حققت التجربة توفيراً تجاوز (١٠٪)، ووصل في بعض الأدوار إلى (١٤٪).
أما في ولاية (أونتاريو) الكندية، فقد قامت بتركيب عدادات ذكية سمحت لها بتطبيق التعرفة المتغيرة بحسب وقت الذروة لفئة من المستهلكين، وهذا التغيير الذي حدث في شكل الفاتورة وتوضيح قيم الاستهلاك في أوقات الذروة المختلفة، قد أسهم في رفع الوعي لدى المستهلكين.
وهناك تجربة أخرى أُجريت في فنلندا، حيث أُرسلت إلى المستهلكين الذين أظهروا اهتماماً بتخفيض استهلاكهم للطاقة الكهربائية رسائل مستمرة ومركزة ومخطط لها بعناية، تحتوي أساليب وطرق تطبيق ذلك، وقد كانت النتيجة انخفاض استهلاكهم في وقت الذروة بنسبة قدرها (١٠٪)، وهي نسبة كبيرة بالطبع، ولكنها اختصت بشريحة المستهلكين المهتمين بذلك فقط. ولم يُظهِر المستهلكون الأقل اهتماماً بترشيد الاستهلاك أي تجاوب مع تلك الرسائل.
أما في الولايات المتحدة، فقامت إحدى الشركات المستقلة بإرسال تقارير توضح فيها المقارنة بين المستهلكين السكنيين وجيرانهم في الحي، مع تلميحات لطرق ترشيد الاستهلاك، وكانت النتيجة انخفاض استهلاك الطاقة في المتوسط بنسبة قدرها (٢٪).كما قامت شركة أخرى بتطوير موقع إلكتروني يوضح تأثير تشغيل الأجهزة المنزلية على زيادة الانبعاثات الكربونية والآثار البيئية والصحية المرتبطة بذلك، وقد كانت النتيجة انخفاض الاستهلاك لدى الشريحة المستهدفة بنسبة قدرها (٨٪). وبالمقارنة مع التحفيز المالي، فقد استهدفت شريحة كبيرة من المستهلكين السكنيين في (كاليفورنيا) بتحفيز مالي يتمثل في الخصم على الفاتورة إذا انخفض الاستهلاك في موسم الصيف الحالي بنسبة أكثر من (٢٠٪) عن مثيله في موسم الصيف السابق، وقد كانت النتيجة انخفاض استهلاك الطاقة الإجمالي بنسبة (٤.٢٪).
وبالنظر إلى تلك التجارب والتطبيقات، نجد أن هناك مستهلكين يهمهم تخفيض استهلاكهم وتوفير مبلغ مالي فقط، ولكنهم يتخوفون من تأثير ذلك على مستوى رفاهيتهم، ويتطلب نقلهم، من منطقة الاهتمام إلى الفعل، إرسال رسائل واضحة تناسبهم، وكما أن هناك مستهلكين معنيين بالجانب البيئي، وهو المدخل إلى ترشيد استهلاكهم، كما أن غيرهم ينحازون إلى تأثير المقارنات الاجتماعية والمنافسة، بينما هناك مستهلكون لا تؤثر فيهم تلك (الوكزات) وإنما يميلون إلى الحوافز المالية فقط.
إن هذه التجارب وطرق الترشيد وغيرها من التجارب الكثيرة بُنيت على دراسة السلوك الفعلي للأفراد وفهم محركاتهم وتوجيههم نحو الترشيد بحسب دوافع كل فرد. وقد كانت النتائج، كما رأينا في التجارب العالمية، مشجعة.
ولو افترضنا أننا تمكّنا من تخفيض استهلاك الطاقة الكهربائية في المملكة بما يعادل (١٪) فقط من الاستهلاك خلال أشهر الصيف فإن ذلك سيوفر (1000) جيجا وات ساعي، وستنخفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بذلك، وتتحسن الفواقد الكهربائية، وغير ذلك من المكاسب الناتجة عن هذا الترشيد.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال