الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لم تعد التقنية من الوسائل المهمة للاعمال الفنية والاغراض التجارية فقط بل تعدت ذلك لتصبح هدفا وطنيا و استراتيجيا تتسابق عليه الأمم لاغتنام الفرص التي تتجاوز المكاسب الاقتصادية الى التحكم بأدوات التأثير على المستوى العالمي في المجالات المدنية والعسكرية على حد سواء. لذا فإن “صناعة التقنية” بات مصطلحا متعارفا عليه يسعى الجميع من خلاله لتحقيق النهضة الرقمية.
في هذا المجال، يوجد العديد من المفاهيم المترابطة بعضها ببعض مثل تطوير التقنية، نقل التقنية، توطين التقنية، وتنمية التقنية، بمدلولاتها المختلفة والتي تسهم كلها في الوصول للهدف الرئيس وهو صناعة التقنية وتحقيق النهضة الرقمية. في الشكل المرفق حاولت أن اضع تصور للعلاقة التي تربط بين كل منهم :
صناعة التقنية او التكنولوجيا تتم بطريقتين، إما بـ “مسار رأسي” وهو المقصود بتطوير التقنية، أو “مسار أفقي” وهو ما يشمل نقل التقنية وتوطين التقنية. والتكنولوجيا تعني حسب أحد التعاريف بأنها علم التطبيق، فالتقنية هي معرفة الوسيلة أما العلم فهو معرفة العلة. لا قيمة للتقنية إذا لم يصاحبها العلم والمعرفة التي تنتجها وتضمن استمرار عملية التطوير وهو ما يشار اليه بـ “الابتكار”. العلم ينتج المعرفة والمعرفة تصنع التقنية والتقنية متغيرة ولا تبقى للأبد بل تتجدد وتتطور بواسطة الابتكار.
لذا فإنه اذا اردنا المقارنة بين المسارين لمعرفة المسار الافضل في صناعة التقنية وهما المسار الراسي (تطوير التقنية مثل دول الغرب) و المسار الأفقي (نقل التقنية وتوطينها مثل الصين واليابان وكوريا)، فالاجابة أن كليهما مطلوب ولكن ضرورة الحاجة تستوجب العمل على نقل التقنية كبداية ونقطة انطلاق الى ان تتكون القاعدة التحتية لتطوير التقنيات الوطنية.
تطوير (توليد) التقنية هي العملية التي تسمح باستغلال ابتكارات تقنية جديدة ومستحدثة محليا لطرح منتجات او خدمات او استخدامات مبتكرة في الاسواق المحلية والمنافسة عالميا. عملية التطوير صعبة وطويلة الامد وغالبا العائد على الاستثمار (ROI) فيها غير ملموس على المدى المتوسط والقصير لذا فهي اعمال غالبا تقوم بها مؤسسات عملاقة او جهات حكومية كاهداف وطنية. صعوبة تطوير التقنية يتمثل في توفير متطلباته التي تشمل ميزانيات البحث والتطوير، التنفيذ الناجح للسياسات الوطنية للابتكار، تحفيز المبتكرين، واخيرا واهمها توليد براءات اختراعات ذات قيمة اقتصادية وهذه عملية لا يمكن الجزم على حدوثها في اطار زمني محدد. فقد نشر باحث سنة 2003 بجامعة واترلو (Waterloo) في مجلة (The Economic Journal) دراسة اجراها على 1091 براءة اختراع لمعرفة الجدوى الاقتصادية لهم؛ النتيجة أنه وجد فقط “ستة” اختراعات وصلت الى السوق وحققت ارباح فقط بينما البقية لم تصل او وصلت ولكن لم تحقق اي أرباح! فالمستفاد ان نجاح الاختراعات يخضع لنظرية قمة الجبل الجليدي حيث معظم الجهد والوقت يكون في التحضير وتهيئة المناخ اللازم والتجريب المتكرر مع افتراض وجود العقول المبتكِره. بناء على ما سبق نستطيع القول بأن صناعة التقنية بالمسار الرأسي وهو الابتكار لتوليد وتطوير التقنية هو مسار طويل ومجهد ويتطلب مع ذلك توفر جميع عناصر سلاسل القيمة مسبقا لتحقيق النجاح.
لذا نجد من الضروري اللجوء الى المسار الأفقي ونقل التقنية وتوطينها كمرحلة اساسية وبعمليات مستمرة للاستفادة منها على محورين: 1) تلبية الاحتياج المحلي العاجل، 2) فهم اسرار التقنية ولتكون اللبنة للمسار الرأسي وانشاء وتوليد تقنيات وطنية من الصفر.
نقل التقنية هو نقل وسائل الانتاج وادوات التصنيع من بلد لآخر والتدريب على التشغيل وفق عقد ترخيص قانوني، ويكون بعدة طرق: 1) الشراء الكامل المباشر للمنتج التقني 2 ) الترخيص 3) الاستثمار الاجنبي المباشر 4) شراء براءات الاختراع 5) التحالفات والشراكات واتفاقيات نقل المعرفة. بغض النظر عن الطريقة المتبعة في نقل التقنية، فإن الهدف الاهم هو توطين التقنية ولا يتحقق الا بنقل المعارف التقنية والمهارات المهنية والحلول الفنية والخبرات الادارية والتنظيمية لضمان ملاءمة البيئة المحلية وبحيث يتمكن المختصون المحليون من محاكاة المنتج ومن ثم تطويره لاستخدامات جديدة. للاسف لا يمكن بسهولة الوصول للاسرار المهنية أو الوصفة السرية باستيراد أي منتج تقني حيث تسعى كل شركة لاخفاء هذه المعلومات او حمايتها بحقوق ملكية لضمان تنافسيتها، مما ينتهي بنا المطاف لاستيراد التقنية كصندوق اسود! اذن كيف السبيل؟ وكيف يمكن تحقيق صناعة التقنية بواسطة نقل التقنية وتوطينها؟ العادة توجد طريقتين متبعة: اما بـ “تطويع التقنية” (customization) لملاءمة الاحتياج المحلي وهذا الحل الاسرع ولكن الاقل فاعلية في توطين التقنية، او “الهندسة العكسية” وهو الافضل ولكن في كثير من الاحوال تكون المهمة شبه مستحيلة اذا ما كانت المنتجات هي حلول متكاملة تستخدم عدة تقنيات مركبة وهو الاغلب مع التقدم التقني في هذا العصر. لذا فإن الحل المقترح والامثل من ناحية فاعلية التطبيق وتحقيق النجاح هو تجزئ التقنية المستخدمة في تكوين تلك المنتجات للمكونات الرئيسية (Segmentation) ضمن اطار عمل (Framework) خاص لمنح الفرصة للتعمق في كل مرحلة منها ومعرفة تفاصيلها وفق النماذج المعروفة في نقل التقنية. هذه المنهجية لا تحقق توطين التقنية فحسب بل ايضا تحقق كفاءة الانفاق في مشاريع تبني التقنيات وتزيد من مساهمة المحتوى المحلي. وقد يكون من المناسب ان تتولى جهة وطنية كمركز او هيئة لنقل التقنية إعداد هذا الاطار والذي يتكون من نماذج متعددة لنقل التقنية والاشراف على تنفيذه ومتابعة سير نشوء الطلب حتى توريده وتحليل مكونات المنتج والتعرف على جزئياته بالتنسيق مع الجهات المختلفة لضمان تحقيق نقل وتوطين التقنيات ومن ثم تهيئة البنى التحتية للانطلاق نحو تطوير التقنية والابتكار.
هذه الطريقة تفيد نتائجها عدة جهات وتساند اعمالها، ففي قطاع التقنية تسهم بتحقيق صناعة التقنية وتوطين القدرات الرقمية، أما في القطاع المالي فتفيد تحقيق كفاءة اعلى للانفاق. كما تعزز جهود كل من هيئة المحتوى المحلي عن طريق اكتشاف الفرص في سلاسل القيمة وهيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة بتعزيز قدرات رواد الاعمال ومنحهم فرصة لتنفيذ بعض المهام.
لدينا ولله الحمد عناصر نجاح لا تتوفر لدى دول كثير؛ انطلاقا من الرؤية الطموحة 2030 التي اطلقها سمو سيدي ولي العهد اصبحت المملكة من اسرع دول العالم في النمو الرقمي والاقتصادي مما يجعل رغبة منتجي التقنية كبيرة جدا للدخول وعرض قدراتهم الفنية ومشاركتها للحصول على عقود تنفيذ بعض اعمال المشاريع العملاقة، فوجود هذه المشاريع بميزانياتها الضخمة تزيد من فرص المفاوضة مع الشركات الموردة (Vendors) في آليات نقل وتركيب المنتجات التقنية والتعاون المشترك.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال