الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تحكي قصص التراث بأن احد الإباء عندما حضرته الوفاة جمع ابناءه واخبرهم بوجود كنز كان قد وضعه لهم تحت ارض المزرعة وعليهم ان يحفروا الأرض بعد وفاته للحصول عليه، وبعد وفاته اجتمع الأبناء لحفر الأرض ولكنهم لم يجدوا شيئا وبعد إذْ شاهدوا حال الأرض المحفورة في كل مكان تنبه احدهم وقال لهم: لقد كان والدنا يقصد بالكنز فلاحة الأرض وزراعتها واستثمارها وهو ما كان بعد ذلك عندما تحول الأبناء لطاقة إنتاجية، تذكرني هذه القصة بمقولات كينز عندما قال مازحاً: لا بأس أن تهدم الحكومة إحدى ضواحي لندن وأن تعيد بناءها من جديد فقط من أجل إيجاد فرص عمل.
وقال إنِ استأجرتْ وزارة الخزانة الناس لحفْر حُفَر ثم ردْمِها فستقلُّ البطالة أي انه سيزيد الدخل الحقيقي للمجتمع وثروتُه، فعندما ضربت العالم ازمة الكساد الكبير في القرن التاسع عشر في العام 1929 كان الاقتصاد محظوظاً بواحدٍ من العبقريات الفذّة والتي كان لها بصمة كبيرة لمعالجة ذلك الاختلال، فكان كينز حينذاك بمثابة الطبيب الذي شخص الحالة ووضع العلاج المناسب ليس فقط لإنقاذ الاقتصاد الامريكي بل الاقتصاد العالمي الذي تشكل حينها بفضله الاستقرار المالي العالمي ضمن اتفاقية بريتون وودز Bretton Woods والذي بدوره استمر حتى وقتنا الحاضر على الرغم من وجود ازمات أخرى متلاحقة، في تلك المرحلة كان يرى كينز انحراف النظام الاقتصادي الكلاسيكي عن الطريق الذي كان يتبعه وهو المنافسة التامة التي أدت الى حدوث تعثرات متعددة مثل الاحتكار وتباطؤ النمو وغيره حتى حدث الكساد في الاقتصاد الأمريكي وانعكس ذلك على الاقتصاد العالمي والتي عجز حينها هذا النظام في إيجاد الحلول المناسبة.
عمل كينز حينها على نظريته الجديدة ( النظرية الكينزية ) والتي تشكلت من خلالها مدرسة النيو كلاسيكية، لقد كان ظهور كينز في تلك الفترة بمثابة المُنقذ الذي كان يرى بأن الحل هو: تنشيط الطلب الفعال من خلال الانفاق والذي يوصل الى زيادة الدخول بمقدار ذلك الانفاق هذه الدخول ستتحول بطبيعة الحال الى قوة شرائية تُسرع من الإنتاج (أي ان هذا الطلب الفعال لابد ان يقابله عرض يوازيه) وبالتالي التوظيف التام لعناصر الإنتاج والتي ستقوض معدلات البطالة وهذا بطبيعة الحال سيؤدي الى ارتفاع الدخل الكلي والتي يمكن استخدامها لمقابلة هذا الانفاق الكلي، وبذلك ستتم معالجة البطالة في الامد القصير بمستوى مقبول وطبيعي في حين شدد كينز على ان تخفيض مستويات الاجور لن يحل مشكلة البطالة، لذلك يرى كينز أن كل عرض لا يخلق طلبا عليه والعكس صحيحا.
في الأسبوع الماضي أقر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، رفع أسعار الفائدة على الأموال الفيدرالية 75 نقطة أساس لتصل إلى نطاق بين 3 % و3.25 %، وهو أعلى مستوى له منذ أوائل عام 2008. ويرى الكثير من المحللين الاقتصاديين ان سياسة الرفع تهدف الى كبح جماح التضخم من خلال هذه الأداة يمكن للنشاط الاقتصادي ان يقوض أداة الطلب أي تقليل السيولة (سياسة التشديد الكمي) والتي بدورها تنخفض الأسعار أي ان المنهجية المتبعة في هذه السياسة لا تعترف كليا بتحفيز الطلب ذلك لان تأثيرها محدود وغير فعالة فهي تدعم ضخ الأموال، وإنفاق الحكومة على المشروعات، مما يحقق فوائد مكتسبة، من المستحيل خفضها بعد الركود (سياسة التيسير الكمي)
يقول رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في خطابه إنه لا توجد طريقة غير مؤلمة لترويض التضخم، ومما لا شك فيه بأن التوقعات تشير الى مضي الفيدرالي قدما في رفع أسعار فائدة لتصل إلى 4.5٪ و 5٪ بحلول أوائل عام 2023 حينها قد يتوقف الفيدرالي مؤقتا لمعرفة الاثار التي تحققت خاصة فيما يتعلق بنمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات البطالة واستقرار أسواق الأسهم، وبمعنى أوضح ان يتحرك التضخم نحو هدفه المعلن البالغ 2%.
خير وسيلة للدفاع هي الهجوم قاعدة عامة في الحياة لكنها باتت منهجية الفيدرالي لمحاربة التضخم لذلك يأتي تركيزه الأحادي على السياسة النقدية فقط وهو ما أشار اليه عراب النظرية النقدية الحديثة ميلتون فريدمان عندما قال يشكل التضخم دائما وفي كل مكان ظاهرة نقدية) وهو ما يعني ان السياسة النقدية السبب الوحيد في التضخم وله في ازمة 2008 خير مثال حيث استقر معدل التضخم الى نحو 2 % من العام 2009 الى 2019.
يتبع الأسبوع القادم ..
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال