الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
أشرنا في المقال السابق (هنا) إلى بعض العيوب التي يمكن للمحكمة المختصة أو لطرف التحكيم الاتكاء عليها في عدم تنفيذ الحكم التحكيمي وطلب إبطاله. وهنا تكملة لبعض الأسباب والعلل الموجبة لإلغاء أو عدم تنفيذ أحكام المحكمين.
كما هو الحال في القضاء المحلي، فإن ي عدم إشعار أحد أطراف العملية التحكيمية بتشكيل الهيئة التحكيمية أو إجراءات التحكيم نفسها أحد أسباب الطعن في الحكم التحكيمي. وهذا الشرط، على قلة وروده، إلا أنه يمكن أن يحصل خصوصاً في التحكيم الحر. فالمؤسسات والمراكز التحكيمية حريصة حيال إبلاغ الأطراف بشأن إجراءات تعيين المحكمين وسير العملية التحكيمية، وإلا فإن العود بالتعويضات سيكون على المركز نفسه، ناهيك عن إشكال الطعن في الحكم. فيجب على المتنازعين أن يختاروا المؤسسة التحكيمية التي تتمتع بسمعة عالية دون النظر إلى حجم المصروفات التي ستُنفق. ولقد تأكدت أهمية هذا الشرط ما أوردته المادة 5/ب من اتفاقية نيويورك وكذلك بناءً على ما نصت عليه المادة 50/ج من نظام التحكيم السعودي لعام 1434ه، والمادة 53/1/ج من قانون التحكيم العماني لعام ١٤١٨ه، وكذلك المادة 33/2/ب من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية القطري لعام 2017م. وعليه، يمكن أن يتم إلغاء الحكم التحكيمي إذا ثبت أن أحد أطرافه لم يبلغ بتشكيل الهيئة التحكيمية أو بموعد وإجراءات التحكيم على نحو صحيح. وهنا تجدر الإشارة أنه يُتصور ألا يحصل أحد الأطراف على إشعار التحكيم ومع ذلك يكون الحكم صحيحاً، كما لو تم تغيير عنوان المراسلات أو الاتصال من دون إخطار الأطراف والهيئة أو المؤسسة التحكيمية بالعنوان أو وسائل الإتصال المحدثة.
من أكثر المواضيع التي تطرق لها المهتمون في التحكيم هي فكرة النظام العام ومخالفة الحكم له حيث أن لكل بلد تعريفه ومنظوره الخاص المختلف بالنظام العام أو السياسة العامة. ويعود هذا الاختلاف إلى أن المادة الرئيسية التي اشترطت عدم مخالفة حكم التحكيم للنظام العام ما ورد في المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك. وحيث أنه لم يتم بيان ماهية السياسة العامة للبلد في الاتفاقية، فإن الاتفاقية أعطت الصلاحية الجوازية للمحكمة المختصة بالتنفيذ لتقدير الحكم المخالف للنظام العام. وعليه، فقد ورد التنازع بشكل ظاهر بين البلدان وفيه قامت الكثير من الدول غير الصديقة للتحكيم بالإفراط في استعماله للحيلولة من تنفيذ أحكام المحكمين. علماً أن الفكرة الأساسية من النظام العام هي المصلحة العامة للمجتمع وكذلك السياسية العامة للدولة التي تكفل احترام الغير لسيادتها. تجدر الإشارة بأن اتفاقية واشنطون لم تتعرض لمخالفة الحكم التحكيمي للنظام العام وهذا جلي كون أن التحكيم الدولي والاستثماري له خصوصية إجراءات وتقنين لا يمكن تطبيقها على التحكيم المحلي أو الأجنبي. علماً أنه تمت الإشارة على شرط عدم مخالفة النظام العام عدد من المواد القانونية الخليجية كالمادة ٥٣/٢ من القانون الاتحادي الإماراتي رقم (٦) لسنة ٢٠١٨م بشأن التحكيم، والمادة ١١ من نظام التنفيذ السعودي لعام ١٤٣٣ه، وكذلك المادة ٥٨/٢/ب من قانون التحكيم العماني لعام ١٤١٨ه وغيرها. وعليه، فإنه يمكن للمحكمة المختصة من تلقاء نفسها أو بتسبيب من المنفذ ضده أن يطلب إلغاء الحكم أو عدم تنفيذه إذا ثبت أن الحكم مخالف النظام العام للبلد المنفذ فيه أو وفق بلد التحكيم ذاته.
من المسلمات التي يجب الإحاطة بها أن يكون حكم المُحَكمين ملزماً، ونهائياً، ومشتملاً على جميع الأسئلة والمواضيع القانونية التي اتفق الأطراف بعرضها عليهم. وهذه المعرفة يجب أن تكون مصحوبة بتأكيد ما إذا كان الحكم قد وقف تنفيذه بموجب قرار محكمة مختصة، أو أنه لم يحصل على نقض يؤدي لعدم إلزاميته. وتجدر الإحاطة بأن هناك عدد من المؤتمرات الدولية التي صدرت محاضر لجان وهيئات معنية بالتحكيم حيال الضوابط التي ترشد إلى ماهية الإلزامية في الحكم التحكيمي. إلا أن تحليلات المحاكم الوطنية تختلف من دولة إلى أخرى بما يتوافق مع قانونها ونظامها العام. ولكن بشكل عام، فإن المحكمة أو الإدارة المختصة بالتنفيذ تقوم بالنظر إلى القانون الذي اتفق عليه الأطراف. والاشتراط على إلزامية الحكم وكفايته أكدت عليها المادة الخامسة الفقرة ١/ه من اتفاقية نيويورك، وكذلك تم الإشارة على هذا الشرط في المادة ٣٦/أ/٥ من قانون الأونسيترال النموذجي. وفي الشأن الخليجي، فقد نصت مجموعة من القوانين التحكيمية والتنفيذية على اشتراط أن يكون الحكم ملزماً على الأطرف المتنازعة وذلك على سبيل المثال ما ورد في المادة ١١/٣ من نظام التنفيذ السعودي لعام ١٤٣٣ه ، وكذلك ما نصت عليه في المادة ٣٣/٢/ب من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية القطري لعام ٢٠١٧م. فتمام التنفيذ، حسب مابينتها اتفاقية نيويورك، أن يكون الحكم قد استكمل الشروط الشكلية التي تُصّير الحكم ملزماً على الأطراف وفق قانون بلد التحكيم. وهنا نجد التشابة بين هذه الفقرة (إلزامية الحكم) وبين فقرة اشتراط عدم مخالفة (النظام العام)، ففي كلا النصيّن، تركت الاتفاقية الحرية للبلدان الموقعة بتفسير اللفظ وفق قانونها الخاص. وعليه، فإنه من المتحتم على المنفذ ضده الراغب بتنحية الحكم التحكيمي أن يقوم بإثبات أن الحكم غير نهائي وفق القانون المتفق عليه أو أنه تم نقضه وإبطاله من قبل المحكمة المختصة.
ختاماً، إن الحديث عن أساليب فقد الحكم التحكيمي فاعليته أو قابلية تطبيقه لا يعني بأي حال أن يكون وسيلة دائمة في الاعتراض على أحكام المحكمين، بل للوقوف بجانب هذه الأداة السلمية التي قد يطرأ عليها عبث قانوني أو خطأ إجرائي تصيره إلى إعدام نهائي. وعليه، من تمام الحديث عن إشكالات التحكيم، الانتباه على مواطن التهم التي يمكن أن تناله حتى لا يقع فيها هيئة التحكيم ولا طالب التنفيذ نفسه. فالاتفاقيات الدولية والقوانين التحكيمية والتنفيذية بمثابة معايير قياسية لأداء نظامي، ومن ثم لا مجال للحياد عنها أو تجاوزها. فهذه التسبيبات وغيرها، أساسٌ يجب على عدم إهماله حتى تكون الأحكام التحكيمية بمأمن من تنحية أو طعن وحتى تصير الأداة التحكيمية وسيلة نافعة لا تشوبها أي تعطيل أو نقد.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال