الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لا يخفى على مطلع اعلان صندوق الاستثمارات العامة PIF عن طرحه لأول سندات خضراء دولية بقيمة ثلاث مليارات دولار، مقسمة على شرائح تصل آجال استحقاقها الى 100عام، تستهدف تمويل المشاريع المتوافقة مع معايير الاستدامة ESG، ومن قبل أعلن مصرف الراجحي عن نجاحه في اغلاق عملية تمويل إسلامي بالمرابحة بحجم يزيد عن مليار دولار لمدة ثلاثة سنوات متوافق مع معايير الاستدامة كذلك.
ومن هذا المنطلق وفي هذا المقال سنناقش معايير الاستدامة ومصطلح ESG من حيث المعنى والنشأة والعائد المتوقع على هذا النوع من الاستثمارات، اضافةً الى أبرز التحديات التي تحيط بهذا القطاع في مجمله.
يعرف الاختصار ESG- Environmental, Social, Governance بالممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، وجاءت هذه المعايير للتركيز على تعظيم أثر الاستثمار المسؤول اجتماعيًا والذي يأخذ بعين الاعتبار الأدوار التي تقوم بها المؤسسات في صالح المجتمع والبيئة وتطوير أنظمة الجودة المؤسساتية داخلها.
نشأ هذا المصطلح مرورًا بالعديد من المراحل الزمنية بدايةً من العام ١٩٥٠ وذلك بعد ملاحظة الآثار السلبية للمصانع على البيئات من حولها، مما استدعى تكوين حركة مجتمعية لتضمين واجب مراعاة البيئة وصحة الإنسان ضمن مسؤولية الشركات.
ومن ثم في العام 1987م وبعد عقد لجنة Brundtland التابعة للأمم المتحدة والتي تهدف الى توجيه دول العالم نحو التنمية المستدامة، تم وضع تعريف للاستدامة؛ بأنها ضمان استمرارية تلبية حاجات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال القادمة في الانتفاع من هذه الموارد المحدودة.
وانتقالًا بالزمن، وبعد عدد من التحركات ضمن هذا الإطار، وتحديدًا في العام 2004م تمت صياغة مفهوم ESG بشكل تاريخي ولأول مرة في تقرير بعنوان “who cares wins” بمعنى -الفوز لمن يكترث- والذي كان نتيجةً لعدد من المبادرات التي قام بها الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) مما وضع المبادئ التوجيهية واستراتيجيات الممارسة، بالتعاون مع عشرين مؤسسة مالية من 9 دول، وكانت النتيجة لهذه المبادرة تأييد دور الشركات في إدارة القضايا الاجتماعية، كجزء من سياسة الجودة الشاملة للمنظمات، كما أوصى التقرير على دور المحللين الماليين في ضرورة دمج العوامل البيئة والاجتماعية والحوكمة في الأبحاث المالية ومواصلة تطوير النماذج في هذا الصدد؛ ونتيجة لهذه المبادرات تم إطلاق مبادرة الاستثمار المسؤول PRI في بورصة نيويورك في العام 2006م، ثم إطلاق أول بورصة مستدامة SSEI في العام 2007م.
وكل هذه المبادرات والجهود تصب في جوهرٍ واحد؛ وهو ألا يتم النظر الى الفرص الاستثمارية المتاحة لعوائدها المادية فحسب، وإنما ليتم الأخذ بعين الاعتبار العوائد والأدوار الاجتماعية والبيئية والمؤسساتية لمثل هذه الاستثمارات بشكل متساوٍ مع العوائد المادية.
وعلى الرغم من أن قياس هذه المعايير لم يتم أخذه في عين الاعتبار في صلب القوائم المالية للشركات حتى فترات قريبة، إلا أن هذا كان محفزًا لابتكار ما يعرف بتقارير الإفصاح البيئي، والتي تعد إما بشكل داخلي من قبل إدارة الشركة بحكم قربهم من أنشطة الشركة اليومية، او أن يتم اعدادها بناءً على طلب المساهمين في شكل تقرير خارجي مستقل بالاستعانة بالمحللين الماليين وتقارير الوكالات الحكومية والخبراء والمحاسبين.
وتلزم تشريعات بعض الدول اصدار التقارير البيئية كجزء ملحق ضمن التقارير المالية المصدرة، وذلك لأهميتها في قياس وتتبع أداء الشركات بجانب النتائج المالية
ويتم تقسيم الأنشطة التي يتم الإفصاح عنها على ثلاثة أقسام رئيسية، وهي:
وفي قياس وتحليل مؤشرات ESG لا يتم النظر لأعمال الشركات في الوقت الحاضر فحسب، بل يتم النظر الى أثر المساهمة المستقبلي لتحركات هذه الشركات.
ونظرًا لما سبق طرحه نجد أن الشركات أصبحت تتنافس لتضمين جهودها في تعزيز مسؤولياتها المتعددة كأداة تسويقية لجهودهم المجتمعية، وهذا أمر إيجابي ما دام يصب في مصلحة الفرد والمجتمع والاقتصاد في نهاية المطاف، كما نلاحظ ظهور تصنيفات استدامة خاصة تتباين حسب طلبات المستثمرين، وتتشابه مع التصنيفات المعتادة لتقييم جودة الاستثمارات من قبل عدد من شركات التقييم.
وبناء على ما سبق نلحظ توجهًا من المستثمرين على طلب هذا النوع من الاستثمار والذي يتوافق مع مبادئهم وقضايا الانسان والمجتمع، وعليه تم ابتكار عدد من صناديق الاستثمار المتوافقة مع معايير الاستدامة، والتي أثبتت إلى حد ما جدوى الاستثمار في هذا النوع من الشركات على المدى الطويل من حيث العوائد على الاستثمار بكافة الشقوق المادية والإنسانية.
وعلى الرغم من حداثة هذا النموذج الاستثماري نسبيًا، إلا أنه قد تم اتباعه مسبقًا من قبل المالية الاسلامية بفكرته العامة، والتي تقتضي اقصاء مالا يتوافق مع المعيار، فنجد الاستثمار الإسلامي يقصي عددًا من الأنشطة التي لا تتوافق مع معايير الاقتصاد الإسلامي “حلال”، وفي نفس السياق تقتصر معايير ESG عددًا من الأنشطة التي لا تتوافق مع معايير “الاستدامة”.
ولكن ورغم هذا البريق الذي يحيط بهذا النوع من الاستثمار، الا أنه لم يسلم من الانتقاد، وذلك أن الشركات أصبحت تستخدم هذا النموذج كذريعة لسوء ادارتها “المالية” على مدار عدد متتال من الأرباع بذريعة أن الاستدامة المستقبلية تتضمن وجود نزيف في الموارد المالية للشركة “حاليًا”، إضافة الى الانتقاد اتجاه نوعية المشاريع التي يتم تمويلها بمبالغ خيالية مقارنةً بعوائدها الفعلية على المجتمعات، وغيرها من المعضلات الأخلاقية التي تقتضي بأن عيوب هذا النموذج من الاستثمار تساهم في توسيع رقعة اقتصادات الدول مقارنةً بنتائجها الفعلية، كما صنف بعض الاقتصاديين هذا النموذج بعبارة Too good to be true وذلك أنه يتبع معايير مثالية أكثر من اللازم مقارنةً بالهدف الرئيسي للاستثمار المستدام الذي يقتضي باتباع المصالح المجتمعية العامة بشكل منظم ونسبي.
ختامًا ورغم هذه المزاعم المتناقضة اتجاه جدوى هذا النوع من الاستثمارات، ينبغي علينا تحديد بوصلتنا المرجعية عند اتخاذ قراراتنا الاستثمارية بما يتناسب مع أهدافنا الشخصية والتي ينبغي أن تأخذ المحيط من حولها بعين الاعتبار لتعزيز دورنا الفردي في تنمية الاستدامة المجتمعية>
—-
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال