الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
على اعتبار أنَّ المملكة بدأتْ في استقطابِ سلاسل الإمداد العالمية، فقد كان لا بدَّ من تبنِّي قواعد جاذبة للاستثمار الأجنبي من جهةٍ، وقواعد تُوجِّهُ المال العام للتعاقد مع الشركات التي تُسَاهِمُ في بناء شبكة سلاسل الإمداد العالمية انطلاقاً من إقليم المملكة من جهةٍ أخرى.
بناءً عليه، فقد صَدَرَت ضوابط التعاقد مع الشركات الأجنبية التي ليس لها مقرّ إقليمي في المملكة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 377 تاريخ 3-6-1444، وذلك بغايةٍ واضحةٍ وصريحةٍ وهي حظر تعاقد الجهات العامة مع تلك الشركات أو حتى التعاقد مع أيِّ وكيلٍ تجاريٍّ لها أو طرفٍ ذي علاقةٍ بها (مادة 3).
لكن هذا الحظر لم يكنْ مطلقاً بطبيعة الحال، والسبب هو أنَّ احتياجات التوريد في المملكة هائلةٌ جداً ضمن خطَّة التنمية العملاقة التي تسير برؤية 2030؛ الأمر الذي أوجب التفكير بآليةٍ تَضبِطُ بعض الاستثناءات من حظر التعاقد مع الشركات الأجنبية التي لا تُسَاهِمُ في بناء المركز الإقليمي للمملكة.
بناءً عليه، فقد سَمَحَت الضوابط المذكورة بالتعاقد بين الجهات العامة والشركات التي ليس لها مقرّ إقليمي في المملكة، وذلك في الحالات الاستثنائية التالية:
أولاً: الاستثناء القيمي: وهو في حالة أن تكون قيمة التعاقد أقل من مليون ريال سعودي (مادة 4-أ)؛ على اعتبار أنَّ قيمة المليون لن تُشَكِّلَ تأثيراً جوهرياً في خُطَطِ التنمية وسلاسل الإمداد.
لكن المشكلة الواقعية لمثل هذه الاستثناءات القيمية تَتَمَثَّلُ في سهولة تجاوُزِهَا عبر تجزئة التعاقدات؛ حيث يمكن لمؤسَّسةٍ عامةٍ مثلاً أن تُقَسِّمَ تَعَاقُدَها الواحد البالغة قيمته 9 ملايين ريال إلى 9 صفقاتٍ بقيمةٍ جزئيةٍ 900 ألف ريال للصفقة الواحدة، بغرض التعاقد مع شركةٍ أجنبيةٍ ليس لها مقرّ إقليمي بما يقل عن مليون ريال للصفقة.
وفي جميع الأحوال، يَملِكُ وزير المالية تَعدِيلَ هذا المبلغ القيمي للاستثناء أو إيقاف العمل في هذا الاستثناء مؤقتاً أو حتى إلغائه.
ويبدو لنا ضرورة إلغاء هذا الاستثناء بشكلٍ تامٍّ، لأنَّه قد يَجعَلُ من ضوابط التعاقد غير ذات جدوى على أرض الواقع في حال تجزئة الصفقات.
ثانياً: الاستثناء الإقليمي: وهو الحالة التي يتمُّ فيها التعاقد بين جهةٍ عامةٍ وشركةٍ أجنبيةٍ على أن يتمَّ تنفيذ التعاقد خارج المملكة (مادة 4-ب)؛ فهنا لا تقوم الغاية من تطبيق الضوابط لأنَّ تنفيذ التعاقد خارج المملكة لا يَدخُلُ ضمن نطاق سلاسل الإمداد الخاصَّة بها أصلاً.
ثالثاً: الاستثناء الفني: وهو أن تكون المنافسة العامة التي ستُفضِي لتعاقد الجهة العامة مع شركةٍ أجنبيةٍ في حاجة إلى:
وهذه الحالة شائكة بعض الشيء، خاصَّةً أنَّها ليست مرتبطةً بمُوَرِّدٍ وحيدٍ، وأنَّ لها حدَّاً قيمياً يمكن تجاوُزَهُ عبر تجهيز عرضٍ يَقِلُّ عن ثاني أفضل عرض بالنسبة المحددة (25%) فقط، في الوقت الذي كان يمكن أن يقلَّ بنسبةٍ أكبر إذا لم يكنْ هذا الحدُّ القيميُّ موجوداً أصلاً.
لذا، يبدو أنَّه من الأفضل إلغاء هذا الاستثناء، والأخذ بثاني أفضل عرضٍ من شركة لها مقرّ إقليمي في المملكة.
رابعاً: الاستثناء في المنافسات المحدودة أو التعاقد المباشر: وهي استثناءٌ خاصٌّ في حالة عدم القدرة على تطبيق منافسةٍ عامةٍ لتحصيل مُوَرِّدٍ أجنبيٍّ، عِندَهَا يمكن للجهة العامة التعاقد مع شركةٍ ليس لها مقرّ إقليمي في المملكة عبر منافسة محدودة أو تعاقد مباشر إذا توفَّرت إحدى الحالتَيْن التاليتَيْن:
فعلى سبيل المثال، إذا طَرَأَ مُتَحَوِّرٌ جديدٌ لفيروس كوفيد-19 لا يتوفَّر له لقاحٌ فوريٌّ إلاَّ لدى شركاتٍ ليس لها مقرّ إقليمي في المملكة، فلم يكنْ من الممكن تَوَقُّعِ حدوث هذه الحالة، كما لا يمكن الانتظار حتى تَنتَهِي الشركات التي لها مقرّ إقليمي من تَجَارُبِهَا العلمية؛ خَوفَاً من انتشار المُتَحوِّرِ الجديد؛ فهنا تنشأ حالةٌ طارئةٌ تُبرِّرُ التعاقد مع شركاتٍ ليس لها مقرّ إقليمي في المملكة عبر منافسةٍ محدودةٍ نظراً للظروف الطارئة.
وفي جميع الأحوال، فإنَّ مهمَّة البتِّ في قبول الاستثناء من الضوابط هي من اختصاص لجنة الاستثناءات (مادة 11) برئاسة مُمَثِّلٍ عن وزارة المالية وعضوية مُمَثِّلَيْن عن وزارة الاستثمار وعن الهيئات ذات العلاقة المذكورة في الضوابط (مادة 10).
وتَملِكُ لجنة الاستثناءات فريقَ عملٍ لدراسة طلبات الاستثناء، ولها الاستعانة أيضاً بالخبرات الخارجية (مادة 13)، وتُصدِر اللجنة قرارها بقبول الاستثناء أو رفضه بشكلٍ مُسبَّبٍ؛ توخياً للمصلحة العامة، وفي حالة القبول يجب تحديد المشروع المُستَثْنَى مع الشركة المُوَرِّدَةِ والسلع أو الخدمات موضوع الاستثناء وأية اشتراطاتٍ أخرى، على ألاَّ تتجاوز مدة الاستثناء 3 سنوات (مادة 16).
ولا يُعتَبَرُ قرار لجنة الاستثناءات نهائياً، بل يمكن الاعتراض عليه أمام وزير المالية الذي يُصدِرُ قرَارَهُ بشكلٍ نهائيٍّ ونافذٍ من تاريخ صُدُورِهِ (مادة 17).
وبالمُحَصِّلَةِ، تُعتَبَرُ ضوابط التعاقد المذكورة استثناءً بحدِّ ذاته، من كَونِهَا تَحظُرُ تعاقد الجهات العامة مع الشركات التي ليس لها مقرّ إقليمي في المملكة، وتُعتَبَرُ الاستثناءات من هذه الضوابط استثناءً عن الاستثناء؛ لذا يجب تطبيق الاستثناء هنا في أضيق مَعنَى وبشكلٍ حَرفِيِّ وفق بنود الضوابط.
ونرى أنَّ الاستثناءات يمكن إلغاؤها أو تقييدها أكثر إلاَّ في حالة الظروف الطارئة، لأنَّ الممارسة العملية الواقعية للاستثناءات قد تَجعَلُ من الضوابط قواعداً نظريةً سهلة التجاوز خاصَّة على الصعيد القيمي.
لذا، يبدو لنا ضرورة إلغاء الاستثناءات القيمية، وتوسيع البحث عن العروض الفنية التي تحتاجُهَا الجهات العامة لدى الشركات الوطنية أو الأجنبية ذات المراكز الإقليمية في المملكة، ذلك قبل السماح لها بالتعاقد مع شركاتٍ أجنبيةٍ لا تدعم المملكة كمقرٍّ إقليميٍّ عالميٍّ للأعمال.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال