الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
شهِد الاقتصاد السعودي خلال العقود الماضية العديد من الأحداث والأزمات المالية: أهمها الطفرة الاقتصادية والتي تَبِعها فٌقاعة العقار السعودي الأولى في نهاية السبعينيات، فقاعة سوق الأسهم السعودي في عام 2006، وموجة الصعود الثانية التاريخية في سوق العقار السعودي (2009 – 2016) ،وأخيراً موجات الصعود “المتزامنة أو التوأم” والتي حدثت في سوق العقار السعودي وسوق التمويلات البنكية بنفس الوقت (2020 – 2022).
ومازالت الفكرة السائدة إلى اليوم أن أسعار النفط هي سبب التقلبات والأزمات المالية. وأغلب التحليلات الاقتصادية والمالية لم تتطرق بعد إلى السبب الرئيسي الذي يقف خلف تغيُّر أسعار النفط، وهو تغيُّر في دورة أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي؛ وأثر ذلك على القيمة الحقيقة لعملة الدولار الأمريكي، وأيضاً على القيمة الحقيقية للريال السعودي؛ ومن ثم تأثير ذلك على تكلفة شراء النفط الذي يتم تسعيره وتداوله في الأصل بعملة الدولار الأمريكي؛ بحيث ترتفع تكلفة شراء النفط ويقل الطلب العالمي عليه عندما يصعد الدولار الأمريكي، فيتباطأ نُمو الاقتصاد العالمي، والعكس في حالة هبوط هذه العملة.
لذلك من يراجع هذه الأحداث الاقتصادية والأزمات المالية التي شهِدها الاقتصاد السعودي خلال العقود الماضية، سوف يلاحظ أنها تزامنت مع صعود وهبوط الدولار الأمريكي (عامل مشترك!) بين جميع هذه الأزمات المالية. بل واقع الأمر يشير إلى أن ارتباط الريال السعودي بالدولار الأمريكي يُحتّم على العالم والاقتصاد السعودي استيراد التضخم والفقاعات المالية في سوق الأسهم والعقار السعودي!
سوف أكتب في هذا المقال عن الدورات الرئيسية الأربعة التي تغيرت فيها أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي خلال الـ40 سنة الماضية، وكيف كانت استجابة سوق الأسهم والعقار السعودي لها؟ هدفي الأول هو توضيح أن النفط عامل اقتصادي مهم مع العوامل الاقتصادية الأخرى، ولكن لا أعتبره العامل الأول ولا الثاني من العوامل التي تؤثر على سوق الأسهم والعقار السعودي. وهدفي الثاني هو توضيح مخاطر الدولار الأمريكي على الاقتصاد السعودي باعتباره مصدرًا رئيسيًا لجميع الفقاعات المضاربية والأزمات المالية التي حدثت في السوق السعودي خلال العقود الماضية.
الفكرة السائدة في هذه الدورة أن الطفرة الاقتصادية و فقاعة العقار السعودي في السبعينيات كانت بسبب ارتفاع أسعار النفط غير المسبوق! ولكن هل ارتفعت أسعار النفط بسبب زيادة الطلب على منتجات الطاقة أم بسبب انخفاض القيمة الحقيقية والقوة الشرائية لعملة الدولار الأمريكي! ولماذا تزامن ذلك مع ارتفاع أسعار جميع السلع في تلك الفترة (أغلب السلع العالمية كان يتم تسعيرها وتسويتها بالدولار الأمريكي!)؟ على سبيل المثال أسعار الذهب صعدت بشكل جنوني منذ بداية السبعينيات من 35 دولار أمريكي إلى 670 دولار أمريكي مع نهاية عام 1980؟ ولماذا ظهر تضخم الثمانينيات التاريخي في السوق الأمريكي؟ وهل الدولار الأمريكي أطلق هذا التضخم الهائل على العالم؟
سياسة الدولار الأمريكي الضعيف وهبة الشراء غير الطبيعية
في الواقع أن فقاعة العقار السعودي في السبعينيات تزامنت بشكل كبير مع دورة الدولار الأمريكي الأولى (الشكل 1)؛ حيث ذكر رجل الأعمال سليمان أبانمي رحمة الله عليه في لقاء تلفزيوني شهير: أنه في شهر أبريل 1973 حصلت هناك “هبة شراء غير طبيعية من الناس”، ولما سأله المذيع هل هناك سبب أو دافع لها؟ أجاب عليه بعدم معرفته بسببها نهائياً. في نفس هذا اللقاء ذكر أن سعر المتر لأحد الأراضي التي يملكها وصل إلى 1,800 ريال للمتر الواحد مع نهاية عام 1982. وبعد ذلك، في عام إلى 1987 انخفضت الأسعار إلى 500 ريال للمتر الواحد في نفس الموقع بسبب الظروف الاقتصادية وزيادة الدين العام. (رابط اللقاء : https://youtu.be/IQ2_PGBmuIE)
هذه الأحداث التي وصفها سليمان أبانمي رحمة الله عليه عن فقاعة العقار السعودي في السبعينيات، تتطابق بشكل كبير مع دورة الدولار الأمريكي الأولى التي بدأت بانخفاض حاد في القيمة الحقيقية والقوة الشرائية للدولار الأمريكي حتى وصل مستويات قاعه التاريخي تحت قيمة 85؛ وذلك بسبب فك ارتباطه بالذهب والمحاولات الحثيثة من قبل الاحتياطي الفيدرالي وقتها لتخفيضه حتى ظهر تضخم الثمانينيات التاريخي في الاقتصاد الأمريكي (أنظر إلى الحرف A في الشكل 1).
سياسة الدولار الأمريكي القوي وتصحيح الأسواق المالية
في نهاية المطاف، انتهت هذه الفقاعة العقارية بتصحيح حاد مع بدء دورة أسعار الفائدة المرتفعة غير المسبوقة والتي قام بها بول فولكر رئيس الاحتياطي الفيدرالي حتى تمت السيطرة على التضخم في منتصف الثمانينيات. ونتيجة لذلك كانت بداية رحلة الصعود التاريخي للدولار الأمريكي في عام 1980؛ حيث صعد من 82 إلى 160 بنهاية عام 1985(أنظر إلى الحرف B في الشكل 1).
أرغم صعود الدولار الأمريكي في موجته الأولى الكثير من دول أمريكا اللاتينية خلال الثمانينيات على سداد ديونها بالدولار الأمريكي باهظ التكلفة، فحدثت أزمة ديون أمريكا اللاتينية Latin American debt crisis. في الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة شراء النفط، وانخفضت عوائد النفط وانخفضت معها فوائض الميزانية السعودية. وبدأ الدين العام السعودي يتزايد من منتصف الثمانينيات (مواجهة أزمة السيولة عن طريق تسييل الاحتياطيات الأجنبية التي خُزّنت في الدورة السابقة، أو زيادة مستويات الدين العام). وهذا يتطابق مع ما ذكره سليمان أبانمي رحمة الله عليه في نفس اللقاء من أن سعر إحدى الأراضي التي كان يملكها أنخفض بنسبة 70% مع نهاية عام 1987 بسبب الظروف الاقتصادية وزيادة الدين العام.
الجدير بالذكر بأن بعض الأسواق الخليجية استوردت أيضاً هذا التضخم الهائل على شكل فقاعات مالية ظهرت وانتهت بالتزامن مع هذه الدورة، مثلما حصل في فقاعة سوق الأسهم الكويتي “سوق المناخ”.
مرة أخرى، كانت الفكرة السائدة في هذه الدورة أن النفط كان من الأسباب الرئيسية لفقاعة سوق الأسهم السعودي في 2006! وهناك العديد من التساؤلات المهمة والتي تتعارض مع هذه الفكرة! من مثل : لماذا ظهرت في تلك الفترة بالتحديد القروض الاستهلاكية العشرية التي تصل فترة سدادها إلى 10 سنوات؟ ولماذا توسعت البنوك في القروض الاستهلاكية وبطاقات الائتمان التي وصلت إلى 185 مليار ريال بنهاية عام 2005؟ ولماذا ظهرت لأول مرة التسهيلات البنكية المقدمة للأفراد في سوق الأسهم السعودي التي وصلت إلى 90 مليار ريال بنهاية عام 2005؟
أيضاً من التساؤلات المهمة، لماذا أُطلق العنان لمكينة التمويلات البنكية بالعمل بالطاقة القصوى في تلك الفترة؟ وهل السيولة الهائلة في تلك الفترة كانت قادمة من مبيعات النفط أم من مكينة التمويلات البنكية؟ وإذا كانت السيولة مصدرها النفط! فلماذا سدد الأفراد هذه التمويلات البنكية في السنوات اللاحقة؟
لا شك أن هناك أسباب كثيرة أسهمت في هذه الفقاعة، ولكن مع بداية هذه الدورة كان هناك تعارض خطير في المصالح بالنسبة للبنوك التجارية. فهي من جهة كانت مسؤولة عن إدارة تداول سوق الأسهم ، ومن جهة أخرى واستجابة لانخفاض أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي كانت تقدم للأفراد والشركات تمويلات بنكية رخيصة وبكميات هائلة حتى تحقق أعلى ربح ممكن ( كتاب قصة السوق، هيئة السوق المالية ).
بالإضافة إلى ذلك عدم وجود سوق تمويلات عقارية سعودي قادر على استيعاب هذه السيولة القادمة من التمويلات البنكية الرخيصة، فاقم من المشكلة وتسبب بتوجيه هذه السيولة الضخمة إلى سوق الأسهم متسببة بالفقاعة المالية في سوق الأسهم في 2006 (الشكل 2).
لماذا لم تكبح دورة أسعار الفائدة المرتفعة في البداية فقاعة سوق الأسهم 2006؟
السبب ببساطة أن هذه الحالة هي تعريف الفقاعة المالية، والتي تنفصل فيها توقعات المتداولين عن جميع العوامل الاقتصادية. كذلك هذه الدورة بدأت بعد أن ظهرت الفقاعة السعرية وبعد أن أرتفع سوق الأسهم السعودي من مستويات 2000 إلى مستويات 6000 نقطة، لذلك لم تتجاوب الأسعار المدفوعة بهذا الهوس المضاربي مع الارتفاعات المتتالية في أسعار الفائدة (الشكل 2).
هل يمتلك الاقتصاد السعودي مناعة ضد الأزمات المالية التي تحدث في سوق الأسهم والعقار السعودي؟
في الحقيقة أن انهيار سوق الأسهم السعودي 2006 كشف لنا لأول مرة مناعة الاقتصاد السعودي ضد الأزمات المالية التي تحدث في سوق الأسهم والعقار السعودي بسبب اعتماده على أسعار النفط؛ لإن انهيار سوق الأسهم في 2006 تبعه تحقيق فوائض في الميزانية، وتضاعفت الاحتياطيات الأجنبية السعودية، وسُدِّد الدين العام بعدها مباشرة. بمعنى أن الأثر السلبي الذي تعرض له الناتج المحلي الإجمالي من الإنفاق الاستهلاكي من قبل الأفراد عُوِّض من عناصر أخرى مثل: الإنفاق الحكومي وغيرها. وهذا يفتح آفاقًا مهمة للاقتصاد السعودي في المستقبل يمكن من خلالها استغلال فترات ارتفاع أسعار النفط لعمل إصلاحات هيكلية قوية في سوق العقار لمعالجة مشكلة السكن.
ما الظروف والأحداث العالمية التي مهدت لظهور هذه الدورة؟ ولماذا يخفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي؟
هناك أسباب كثيرة،ولكن أهمها الحرب التجارية بين أمريكا والصين. وللتوضيح، بعد أن تمكَّن الاحتياطي الفيدرالي من القضاء على تضخم الثمانينيات التاريخي، دخلت أمريكا والصين في صراع تجاري بدأ في منتصف الثمانيات (الشكل 3) في سوق العملات على تخفيض العملة، كان الهدف منه تخفيض العملة المحلية حتى تزيد جاذبية السلع المحلية بسعر رخيص على حساب السلع الأجنبية، فتزيد الصادرات وتحقق معها النمو الاقتصادي.
على سبيل المثال في الفترة بين منتصف الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات، استطاعت أمريكا تخفيض قيمة مؤشر الدولار الأمريكي من 160 إلى 80 (أنظر رقم 1 شكل 3). وبنفس الوقت استطاعت الصين تخفيض اليوان الصيني مقابل الدولار الأمريكي من 2.8 يوان لكل دولار أمريكي إلى 8.8 يوان لكل دولار أمريكي (أنظر رقم 2 شكل 3)، وهذا الشيء أزعج أمريكا بشكل كبير إلى درجة أنها صنفت الصين لأول مرة كدولة متلاعبة بالعملة.
وفي الحقيقة كان تعمُّد الصين في تخفيض عملتها مقابل الدولار الأمريكي من منتصف التسعينيات وحتى بداية الألفية الثالثة، ممكنًا لها من تحقيق نمو اقتصادي مرتفع على حساب انكماش اقتصادي في أمريكا والذي أنتهى بركود اقتصادي في عام 2001، ولهذا دخل الدولار الأمريكي في موجة صعود قوية هي الثانية خلال ال 40 سنة الماضية، بسبب القوى الانكماشية التي صدّرتها الصين للدولار الأمريكي والعالم (أنظر رقم 3 شكل 3).
وبناء على ذلك تسبب صعود الدولار الأمريكي بأزمات مالية في سوق العملات الأجنبية وأسواق السندات الحكومية (النظام البنكي)، وأسواق الأسهم والعقار. فعلى سبيل المثال أرغم صعود الدولار الأمريكي في موجته الثانية الكثير من الدول الآسيوية على سداد ديونها بالدولار الأمريكي باهظ التكلفة. وعلى إثره ظهرت أزمة العملات والديون الآسيوية أو ما يعرف بالأزمة المالية الآسيوية 1997 Asian Financial Crisis. ومرة أخرى -كما حصل في الدورة السابقة- تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي السعودي 100٪ في تلك الفترة.
الأسباب السابقة مهّدت لبدء دورة أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي (2000 –2006 )؛ لتحفيز الاقتصاد الأمريكي وأيضاً لمواجهة الصين في الحرب التجارية، وقد انخفض معدل الفائدة على الدولار الأمريكي من 6% إلى 1.8%. وبناء على ذلك انخفضت قيمة مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة انخفاض من 120 إلى 80 بنهاية عام 2004.
وفي ظل ارتباط الريال السعودي بالدولار الأمريكي، انعكس هذا الانخفاض على انخفاض معدلات الفائدة (تكلفة التمويلات البنكية) في البنوك السعودية. فتشجعت البنوك السعودية والشركات والأفراد على التّوسع في الاقتراض الذي وصل وقتها إلى أرقام غير مسبوقة (2000 –2005 ).
الدورة السابقة تسببت بفقاعة عقارية في سوق العقار الأمريكي، وعلى أثرها حصلت الأزمة المالية العالمية في عام 2007؛ نتيجة لذلك أعلن الاحتياطي الفيدرالي بداية دورة أسعار الفائدة المتدنية في نهاية عام 2007، والتي وصلت فيها أسعار الفائدة إلى مستويات شبه صفرية لأول مرة في تاريخ الدولار الأمريكي.
استخدمت أمريكا في هذه الدورة السلاح الاقتصادي أو سلاح التيسير الكمي Quantitative easing للمرة الأولى، وقد تمكنت من التغلب على الصين وإجبارها على رفع العملة الصينية إلى أعلى مستوى لها خلال ال 28 عام الماضية كي تتفادى هذا التضخم الهائل القادم من أمريكا، ونتيجة لذلك وصلت عملة اليوان الصيني مقابل الدولار الأمريكي إلى 6.05 يوان بنهاية عام 2013 (أنظر رقم 4 شكل 3).
وفي الوقت نفسه هذا السلاح الذي اعتمده الفيدرالي في تخفيض القيمة الحقيقية للدولار الأمريكي وتصدير قوى تضخمية هائلة إلى العالم تسبب برفع أسعار الطاقة والغذاء، وتطورت إلى اضطرابات سياسية كما حدث في تونس ومصر وبقية الدول العربية في ثورات الربيع العربي في 2011، وبالمناسبة يُعد الدولار الأمريكي لهذه الدول سلاح ذو حدين؛ فأسعار الغذاء والطاقة ترتفع عند صعود الدولار (تضحي بالعملة المحلية لحماية القطاع البنكي!)، وأيضاً عند هبوطه. لذلك هذه الدول في مأزق كبير، ولن تستطيع الصمود كثيراً أمام دورات الدولار الأمريكي التي زادت في الآونة الأخيرة.
سياسة الدولار الأمريكي الضعيف وهبة الشراء غير الطبيعية
على صعيد الاقتصاد السعودي، بدأت في هذه الدورة تظهر ملامح سوق التمويلات العقارية، وتشجعت البنوك التجارية في تقديم القروض العقارية للأفراد والشركات، ولكن مازالت وقتها فقاعة سوق الأسهم السعودي في 2006 حاضرة في الأذهان، لذلك أعتقد أنه سبب توجه أغلب سيولة التمويلات البنكية الرخيصة إلى سوق العقار السعودي ليصعد في موجة تاريخية هي الثانية في هذا السوق، وبنسبة ارتفاع 71% تقريباً والتي بدأت في عام 2009 وانتهت في عام 2016 (الشكل 4).
سياسة الدولار الأمريكي القوي وتصحيح الأسواق المالية
انتهت هذه الدورة بعد أن قرر الاحتياطي الفيدرالي الإعلان عن بداية دورة أسعار الفائدة المرتفعة التي بدأها في عام 2016 برفع سعر الفائدة على الدولار الأمريكي من 0.12% حتى وصلت إلى 2.4% في منتصف عام 2019. ويمكن ملاحظة تأثر مؤشر أسعار العقار السكني وذلك بتغيّر سعر الفائدة على الدولار الأمريكي (الشكل 4). ففي دراسة علمية نشرتُها حديثاً عن المؤشرات العقارية المتطورة في المملكة مفادها أن مؤشر أسعار العقار السكني في مدينة الرياض انخفض بنسبة 27.4%.
أغلب الأحداث الاقتصادية والمالية في هذه الدورة اتسمت بطابع مختلف تماماً عن الدورات السابقة من حيث السرعة، الاستثنائية، والقوة! في البداية أخذت الحرب التجارية بين أمريكا والصين منعطفًا أكثر حدة ووضوح من حيث استخدام سلاح الرسوم الجمركية في سابقة من نوعها؛ وهاجمت الشركات الصينية بشكل مباشر، فعلى سبيل المثال: عندما صنفت أمريكا شركة هواوي الصينية ضمن الشركات التي تشكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي! أيضاً خلال الأشهر القليلة الماضية كانت هناك زيارتان مهمتان من الرئيس الأمريكي والرئيس الصيني إلى المملكة العربية السعودية. وأثناء هذه الحرب التجارية بين أمريكا والصين وبشكل غريب، ظهرت جائحة كورونا في الصين وضربت الاقتصاد العالمي بثلاث صدمات لم يسبق لها أن اجتمعت في وقت واحد: صدمة في الطلب والعرض في أسواق السلع والخدمات، والصدمة الثالثة مالية في أسواق المال.
سياسة الدولار الأمريكي الضعيف وهبة الشراء غير الطبيعية
حتى يتمكن العالم من تجاوز صدمة جائحة كورونا الثلاثية؛ بدأ الاحتياطي الفيدرالي والعديد من البنوك المركزية العالمية في الربع الأول من عام 2020 باستخدام سياسات تحفيز اقتصادي هي الأولى من نوعها؛ حيث قامت أمريكا خلال السنوات القليلة الماضية بحقن الاقتصاد الأمريكي ب 7 تريليون دولار أمريكي على شكل شيكات التحفيز الاقتصادي التي أرسلتها الحكومة الأمريكية مباشرة إلى الأفراد في سابقة خطيرة وتاريخية؛ ولم يقف الفيدرالي عند هذا الحد، بل إنه في سابقة تاريخية أخرى قام بشراء السندات الرديئة junk bonds للشركات المتعثرة.
وبعبارة أخرى فإن الاحتياطي الفيدرالي بصناعة تضخم هائل يحمل صفات هذه الدورة من حيث السرعة، الاستثنائية، والقوة، وهو الأول من نوعه خلال الأربعين سنة الماضية؛ ثم قام بإطلاقه على العالم متسببًا بفُقاعات مالية، ظهرت في بعض الدول على شكل فقاعات مالية توأم Twin booms (حدثت بالتزامن في سوق العقار وسوق التمويلات البنكية معاً)، جرّت معها القطاع البنكي بالقوة في هذه الفقاعة المالية، والدراسات العلمية أثبتت أن هذا النوع الفقاعات المالية غالباً وبنسبة 91% ما ينتهي بأزمة مالية شديدة أو انخفاض حاد في الناتج المحلي الإجمالي.
سياسة الدولار الأمريكي القوي وتصحيح الأسواق المالية
بعد أن أدرك الاحتياطي الفيدرالي في نوفمبر 2021 خطر هذا التضخم متأخراً! أعلن عن بداية دورة أسعار الفائدة المرتفعة بتخفيض مشترياته من أدوات الدين؛ وتبعاً لذلك بدأت العديد من أسواق الأسهم العالمية بتصحيح أسعارها. والنتيجة أن الاحتياطي الفيدرالي تسبب بصدمة أسعار الفائدة الآسية (الشكل 5) والتي ضربت الأسواق المالية والدين العالمية بصدمة لم يسبق لها مثيل في التاريخ؛ حيث صعد الدولار الأمريكي لأعلى قمة خلال ال 20 سنة الماضية (الشكل 1).
على سبيل المثال: ارتفع التغير السنوي في العائد على السندات الحكومية الأمريكية لأجل سنة واحدة بشكل تاريخي غير مسبوق بنسبة % 5,100 خلال 6 أشهر فقط منذ إعلان بداية هذه الدورة! وبالمقارنة مع دورة أسعار الفائدة المرتفعة على الدولار الأمريكي في فترة (2000 –2006) وقبل ظهور الأزمة المالية العالمية 2007، نجد أن نسبة ارتفاع التغير السنوي في عائد هذه السندات الحكومية قد وصلت إلى %400 موزعة على ثلاث سنوات.
ونتيجة لذلك بدأنا نشاهد الآن بشكل مُخيف بوادر أزمة مالية عالمية تلوح في الأفق بطابع أزمة الديون (النظام البنكي) والعملات! وأتوقع أنها سوف تحمل نفس سمات هذه الدورة من حيث السرعة، الاستثنائية، والقوة. وهذا مشاهد الآن في الاضطرابات التي تحدث في أسواق الدين العالمية مثل: أزمة سوق السندات الحكومية البريطانية واليابانية.
بالإضافة إلى ذلك وعلى مستوى السوق السندات الحكومية السعودي، فإن العائد السنوي لشهر يناير 2023 على أذونات ساما لأجل 13 أسبوع وصل إلى 5.09% متجاوزاً السقف أو الحد الأعلى المسموح لتكلفة الاقتراض 5% (معدل اتفاقية إعادة الشراء)! مع العلم أن المقترض هي الحكومة التي تعتبر شبه عديمة المخاطر، وهذا السلوك مشاهد في أغلب أذونات ساما اليوم (الشكل 6).
سياسة الدولار الأمريكي الضعيف وهبة الشراء غير الطبيعية في سوق الأسهم السعودي
بعد جائحة كورونا وتحديدًا في أبريل 2020 ظهرت “هبة الشراء غير الطبيعية” مرة أخرى في تاسي! وصعد بشكل مفاجئ بنسبة 60% من مستويات 6,000 نقطة إلى 10,000 نقطة خلال أول 12 شهر! مع العلم أن النفط كان منخفضًا عند متوسط 45 دولار أمريكي للبرميل! ولكن خلال هذه الفترة كانت مكينة التمويلات البنكية الرخيصة تعمل بالطاقة القصوى؛ حيث كان يصلك التمويل البنكي إلى منزلك عن طريق تطبيق البنك دون رسوم إدارية!
ولكن ما الدافع الذي جعل البنوك تُقدّم هذه التمويلات البنكية الرخيصة؟ السبب ببساطة أن الاحتياطي الفيدرالي بدأ بدورة أسعار الفائدة المتدنية؛ بسبب أزمة سوق الريبو الأمريكي في الربع الرابع 2019 وجائحة كورونا في الربع الأول 2020؛ حيث خُفّض سعر الفائدة على الدولار الأمريكي من 2% إلى مستويات قريبة من الصفر.
هذا التخفيض جعل البنك المركزي السعودي مُجبرًا على تخفيض الريبو (الحد الأعلى لتكلفة الاقتراض) والريبو العكسي (للحد الأدنى لتكلفة الاقتراض) لغرض إدارة السيولة النقدية والمحافظة على الربط (كتبت مقال سابق يوضح هذه العملية بالتفصيل بعنوان ” تكلفة التمويل (السايبور ) التاريخية!! ميكانيكية العمل …”). بعبارة بسيطة فإن ساما قامت بتخفيض النطاق الذي تتحرك فيه تكلفة التمويلات البنكية في السعودية بمقدار150 نقطة؛ وهذا تسبب بإطلاق العنان لمكينة التمويلات البنكية الرخيصة بالعمل بالطاقة القصوى!
وهذا بدون شك يوضّح مصدر السيولة التي تسببت بارتفاع سوق الأسهم والعقار السعودي في هذه الفترة، وأنها لم تكن بسبب النفط وإنما كانت بسبب التمويلات البنكية الرخيصة. وبعبارة بسيطة: ألزمنا ارتباط الريال السعودي بالدولار الأمريكي باستيراد هذه القوى التضخمية التي صدرها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى العالم.
سياسة الدولار الأمريكي الضعيف وهبة الشراء غير الطبيعية في سوق العقار السعودي
استقبل السوق العقاري السكني السعودي هذه الموجة التضخمية التي صدرها الدولار الأمريكي بموجة صعود هي الثالثة خلال العقود الماضية، وهذه الموجة التضخمية أطلقت العنان مرة أخرى لمكينة التمويلات البنكية الرخيصة للعمل بالطاقة القصوى! وظهرت “هبة الشراء غير الطبيعية” والتي ذكرها رجل الأعمال سليمان أبانمي رحمة الله عليه في حديثه عن فقاعة العقار السعودي في السبعينيات.
وبدأ التضخم والديون الرخيصة مرة أخرى بالتشويش على الناس! فينظرون إلى هبة الشراء غير الطبيعية وارتفاع الأسعار؛ على أنها ارتفاع الطلب الحقيقي في السوق (وكأن الناس فجأة خرجت من العدم بعد جائحة كورونا مباشرة!)؛ وأن المدينة تتوسع بشكل غير مسبوق! وهذا صحيح، ولكن المدينة في حالة توسع مستمر منذ السبعينات إلى اليوم، وخلال هذا التوسع تغيرت الدورات الاقتصادية السابقة السوق العقارية بين صعود وهبوط.
بالإضافة إلى ذلك هذه الموجة التضخمية تزامنت مع انطلاق برنامج الإسكان الذي ساهم بدوره في هذا الازدهار التاريخي الذي شهدته سوق التمويلات العقارية السعودي؛ حيث تم ضخ نصف تريليون ريال تقريباً في هذه السوق بإجمالي عقود تمويل عقاري تجاوزت 600 ألف عقد خلال هذه الدورة. مع العلم بأن مؤشر أسعار العقار السكني في مدينة الرياض ارتفع بنسبة 34% في الفترة بين عام 2019 وعام 2020 بحسب الدراسة العلمية التي نشرتُها حديثاً عن المؤشرات العقارية المتطورة في المملكة(الشكل 4).
سياسة الدولار الأمريكي الضعيف وهبة الشراء غير الطبيعية في مخطط الخير!
صعد بشكل مفاجئ متوسط سعر المتر في مخطط الخير المضاربي بنسبة 100% من 360 ريال سعودي في أبريل 2020 إلى 720 ريال خلال أول 12 شهر التالية. بعد ذلك، صعدت أسعار مخطط الخير مرة أخرى في موجة صعود هي الثانية وبنسبة 100% حتى وصل متوسط سعر المتر تقريباً إلى 1,500 ريال في أبريل 2022.
وأعتقد أن المحافظ الاستثمارية التي حققت متوسط عائد 60% في أبريل 2021 في سوق الأسهم السعودي قامت بإعادة توزيع أصولها ومخاطرها وأُدخِلت سيولتها في أبريل 2021 إلى مخطط الخير متسببة بموجة الصعود الثانية، والتي كانت سببا في حصول هذا الانفجار السعري وظهور فقاعة الخير. وقد سبق أن كتبت مقالًا بعنوان ” فقاعة الخير .. في عامها الأول ” في أبريل 2022 عند قمة الأسعار أحذر منها بالتفصيل ؛ كما عملت اختبارًا إحصائيًا أثبت فيه وجود هذه الفقاعة المضاربية.
أخيراً، ومع انتهاء الفقاعة المالية يقال تبخرت الأموال في السوق، والحقيقة أنها لم تتبخر، ولكن أُعيد توزيع الثروات بين طبقات المجتمع واتسعت الفجوة الطبقية؛ وتسربت الأموال من جيوب البسطاء إلى جيوب الأغنياء الذين كانوا بالأمس يشجعونهم بتحقيق حلم الثراء السريع.
سياسة الدولار الأمريكي القوي والتصحيح القادم في السوق العقاري (2023 – 2024 )!
ما هو أول شيء سوف تفعله لو ركبت في سيارة تسير بالسرعة القصوى، ومؤشر قياس السرعة قريب من الصفر؟ سوف تبدأ بالخوف ثم تربط حزام الأمان جيدا! الآن تخيل مشاعر الخطر والخوف التي ستنتابك لو أخبرتك أن الجهات والهيئات الحكومية المعنية بالعقار تعتقد حقاً أن مؤشر السرعة فعلاً قريب من الصفر (الأسعار منخفضة)! لذلك دائماً ما تكتفي الجهات المعنية بالعقار بإرسال إشارات ناعمة حول ارتفاع الأسعار، أو تحاول الوقوف بعيداً والاكتفاء بالمشاهدة.
على سبيل المثال: نشر البنك المركزي السعودي تقرير الاستقرار المالي مؤخرا ، ويذكر فيه أن أسعار الأراضي السكنية في مدينة الرياض ارتفعت بنسبة 1% تقريباً في عام 2021 ! بناء على المؤشرات العقارية البدائية التي تقدمها إحدى الجهات المعنية بقياس التغير في أسعار العقار (البنك المركزي السعودي، تقرير الاستقرار المالي 2022م، صفحة 40).
نتيجة لذلك نجد أن السوق العقاري السعودي اليوم يتعرض إلى مخاطر حقيقية أخرى محلية أشد خطورة تزامنت مع مخاطر الدولار الأمريكي. وأهمها : عدم استيعاب بعض الجهات والهيئات الحكومية المعنية بالعقار للمستويات الأسعار الحالية المتضخمة، ولا للمخاطر التي يتعاملون معها في الوقت الحالي.
الخطر الثاني، ارتفاع مخاطر الرافعة المالية على الأفراد في الموجة الحالية، والتي وصلت إلى الضعف ب 20 مرة مقارنة ب 3 أضعاف في موجة الصعود السابقة في (2016). وأيضاً قد تزامنت هذه المخاطر مع ارتفاع تاريخي في إجمالي عقود التمويل العقاري التي تجاوزت 600 ألف عقد؛ والسبب انخفاض مبلغ الدفعة المقدمة في التمويل العقاري من 30% إلى 5%، وهذا سهّل على الأفراد غير المؤهلين والشركات الحصول على التمويلات عقارية.
وبالمناسبة ارتفاع نسبة الدفعة المقدمة عند30% في السابق قد ساعد السوق العقارية والبنوك والأفراد على تجاوز مرحلة تصحيح الأسعار في الفترة (2017 – 2018) بأمان؛ بعكس اليوم فإنه لا يوجد مساحة كافية أمام السوق العقارية ولا البنوك ولا الأفراد لامتصاص الصدمة المالية القادمة خصوصا إذا تجاوزت نسبة التصحيح نسبة ال 5% أو نسبة الدفعة المقدمة.
ماذا لو تكرر سيناريو تصحيح الموجة السابقة؟ هناك احتمال أن يتأثر المركز المالي للأفراد وقد تنخفض قيمة أصول العميل (العقار) إلى أقل من التزامات العميل (مبلغ التمويل العقاري)، وبالتالي قد يتحول رأس مال العميل بالسالب (Negative equity) وقد يغرق في هذا التمويل العقاري (Underwater mortgage) فيظهر هذا النوع من التمويلات العقارية الخاسرة خصوصاً تلك التمويلات العقارية التي نُفِّذت في المناطق السعرية المرتفعة.
وفي الجهة المقابلة قد تنخفض قيمة أصول البنك (مبلغ التمويل العقاري) في المركز المالي للبنوك ومؤسسات التمويل العقاري إلى أقل من التزامات البنوك (ودائع العملاء). مع العلم أن تصحيح السوق العقاري السعودي القادم(2023 – 2024) لم يبدأ بعد! ومع ذلك قامت ساما بتعزيز سيولة القطاع المصرفي مرتين خلال الأشهر القليلة الماضية!
باختصار، أعتقد أن السوق العقاري الآن في مرحلة التصحيح، وأنه اليوم يمر بظروف مشابهة لظروف سوق الأسهم في عام 2006، وهو غير مستعد للتصحيح القادم (2023 – 2024). والبنوك سوف تفاقم من المشكلة، لأن السوق العقاري لا يملك تجارب وأزمات سابقة كسوق الأسهم. وبناءً على هذا فهو يواجه هذا التضخم الهائل الذي أطلقه الدولار الأمريكي على العالم. وفي نفس الوقت يواجه مخاطر حقيقية أخرى محلية أشد خطورة قد تعمق من الأزمة المالية القادمة.
ملامح المواجهة القادمة بين أمريكا والصين تبدو أكثر شراسة مقارنة بالعقود الماضية. من جهة أمريكا مازلت تستخدم سلاح الرسوم الجمركية ضد المنتجات الصينية. وفي الوقت نفسه، تستعد لتجهيز العملة الرقمية Central Bank Digital Currency ؛ وهذا سوف يساعدها على سداد ديونها دون تكلفة، ولكنه خيار مخيف للصين والدول العالم الأخرى التي تستثمر بشكل كبير في ديون أمريكا.
وفي الجهة المقابلة، من المتوقع أن الصين عازمة بقوة على الانتصار في المواجهة القادمة، فهي من جهة تحاول مع روسيا الخروج من عباءة الدولار الأمريكي. بالإضافة إلى ذلك، تحاول مع روسيا ودول السلع والطاقة تدعيم دول تحالف مجموعة بريكس BRICS التي تمثل مجموعة الأصول الملموسة. لذلك ستكون المواجهة القادمة هي مواجهة بين مجموعة الأصول الورقية (غير الملموسة) الخيالية كما وصفها الرئيس الروسي بوتين في أحد خطاباته الماضية، الذين يطبعون الدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي لشراء السلع والمنتجات، وبين مجموعة الأصول الحقيقية (الملموسة) والذين يخزنون ثرواتهم في ورقة الدولار الأمريكي.
هيمنة الدولار الأمريكي على مستقبل العالم
ترتبط أسعار النفط بعلاقة عكسية قوية بعملة الدولار الأمريكي (الشكل 7). ومنظومة البترودولار تُأكد على قوة هذه العلاقة بحيث يتم تسعير النفط وتداوله بعملة الدولار الأمريكي. والهدف دائماً أن تقوم الدول النفطية ودون أي مقابل بامتصاص الصدمات التي يتسبب بها الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي في دورة أسعار الفائدة المرتفعة، من خلال تقديم منتجات نفطية بأسعار رخيصة تساعد العالم على تجاوز القوى التضخمية التي صدّرها الدولار الأمريكي للعالم في دورة أسعار الفائدة المٌتدنّية السابقة؛ وأيضاً حتى تُجهّز العالم للنهوض مجدداً والاستعداد لاستقبال دورة الاحتياطي الفيدرالي الجديدة؛ بحيث يدور الاقتصاد العالمي مع الاحتياطي الفيدرالي في هذه الدائرة المغلقة التي تُسيطر على مستقبل العالم!
ومن هنا أتى القرار التاريخي الأخير لدول تحالف أوبك بلس بتخفيض الإنتاج؛ والسبب الرئيسي هو المحافظة على استقرار أسواق النفط واقتصادات هذه الدول؛ حتى لا يتكرر سيناريو انهيار أسعار النفط في عام 2015، كما أنه حماية لأسواق النفط ومصالحنا الاقتصادية من هذه الصدمات والاضطرابات التي صدّرها الدولار الأمريكي إلى العالم والتي ازدادت في الآونة الأخيرة.
وللتوضيح تُوظف منظومة البترودولار الطلب الهائل واللانهائي على مصادر الطاقة بسبب الزيادة المستمرة في عدد سكان العالم (الشكل 8) ودعم هيمنة الدولار الأمريكي على بقية العملات الأجنبية، والهدف هو إلجاء دول العالم إلى شراء الدولار الأمريكي أولاً، ثم استخدامه باعتباره وسيلة تبادل (Medium of exchange) لشراء منتجات الطاقة التي سوف تساعدها في نموها، وإنتاجها الاقتصادي، وحماية أمنها ومستقبلها؛ ثم بعد ذلك تقوم الدول النفطية باستخدام هذه الدولارات كوسيلة لتخزين القيمة (Store of value) من خلال إعادة استثمار فوائض النفط في نهاية المطاف وإعادتها إلى سوق السندات الحكومية الأمريكية، فتنخفض تكلفة التمويلات البنكية على الأفراد والشركات في أمريكا، وقد تستخدم أمريكا هذه الاستثمارات الخارجية كورقة ضغط ضد المصالح الاقتصادية والأمنية للدول النفطية.
هذه العلاقة القوية بين الدولار الأمريكي والنفط من خلال منظومة البترودولار أعطت امتيازات ومكاسب عظيمة للاقتصاد الأمريكي دونَ الدول النفطية؛ لذلك يمثّل الدولار الأمريكي اليوم 60٪ من احتياطيات العملات الأجنبية في العالم؛ وجميع الدول التي تُنافس أمريكا اليوم سوف تسعى إلى الحصول على هذه الامتيازات لتعزيز هيمنتها في العالم، ومن هنا تأتي الأهمية الإستراتيجية للاقتصاد السعودي بين اقتصادات دول مجموعة العشرين G20.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال