الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يَستَنِدُ الثقل الاقتصادي لأيةِ دولةٍ على اتِّساع شبكة سلاسل الإمداد العالمية التي تمرُّ عبر إقليمها؛ فالدولة القادرة على استقطاب الشركات العابِرَة للقارات حتى تفتَتِحَ مراكزاً إقليمية فيها، تُصبِحُ هذه الدولة نقطة التقاءِ سلاسل الإمداد على مستوى العالم.
لذا، تُعتَبَرُ فكرة المقرَّات الإقليمية للشركات العالمية حلاًّ جوهرياً لجذب سلاسل الإمداد، بحيث تَنطلَقِ إمدادات الصادرات والمواد الأولية من الدولة أو تصبُّ فيها أو تمرُّ من خلالها على الأقل.
وفي إطار سعي المملكة حتى تكونَ مركزاً إقليمياً للشركات الدولية، فقد أصدَرَ مجلس الوزراء القرار 377 تاريخ 3-6-1444، وهو القرار الذي يَضَعُ ضوابطاً معينةً لتعاقد الجهات الحكومية مع الشركات التي ليس لها مقر إقليمي في المملكة، والتي ستدخل حيز النفاذ في تاريخ 19-6-1445.
وقد حدَّد القرار الشركات العناصر الأساسية في تصنيف الشركة ضمن الشركات الخاضعة لأحكام الضوابط، كما يلي (مواد 1+5):
وتَجدُرُ الإشارة إلى أنَّ الضوابط تَهدفُ كغايةٍ أساسيةٍ (مادة 2) إلى إيجاد قواعد نظامية للتعاقد بين الجهات الحكومي وبين الشركات التي ليس لها مقر إقليمي وفقاً للعناصر السابقة الخاصة بتصنيف الشركات.
وهذا يَعنِي أنَّ هذه الضوابط تُشكِّلُ تقييداً نظرياً مباشراً للتعاقد مع الشركات التي ليس لها مقرّ إقليمي في المملكة، وحظراً عملياً على التعاقد معها إذا لم تكتملْ الشروط فيها.
وتصبُّ هذه الأحكام في خانة ما يلي:
وقد جاءت أهم الأحكام المبدئية في الضوابط على الشكل التالي:
أولاً: حظر التعاقد مع الشركات التي ليس لها مقر إقليمي إلاَّ وفقاً لأحكام الضوابط (مادة 3)؛ وهو ما يعني أن القاعدة هي ضرورة التعاقد مع شركات لها مقر إقليمي في المملكة، وأنَّ الاستثناء هو التعاقد مع الشركات الأجنبية الأخرى.
ثانياً: إلزام الجهات الحكومية التي تتعاقَد مع شركات ليس لها مقرّ إقليمي في المملكة بإعداد تقاريرٍ (مادة 9)؛ بحيث تُوَضِّحُ هذه التقارير سبب التعاقد، ثم إرسال نسخٍ عنها إلى ديوان المحاسبة وهيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية خلال 30 يومٍ من توقيع العقد.
لكن قبل توقيع هذا العقد، يجب أن تتوفَّر حالةٌ استثنائيةٌ من الحالات المذكورة في الضوابط أولاً، وأن تُوَافِقَ عليها لجنة الاستثناءات التي شكَّلها القرار (مادة 10).
وفي الحقيقة، تُمثِّلُ الضوابط المذكورة خطوةً في إطار السعي لجذب مقرَّات الشركات الإقليمية، وذلك عبر وضع قيودٍ لحرية التعاقد الحكومي مع الشركات الأجنبية.
وعلى اعتبار أنَّ حرية التعاقد للأفراد مصانةٌ، فقد تم تقييد التعاقد بخصوص الجهات الحكومية فقط، أمَّا الجهات والشركات في القطاع الخاص فلا تتقيَّد بهذه الضوابط.
وطالما أنَّ التعاقد مع الشركات التي ليس لها مقرّات إقليمية استثناءً عن الحظر العام الوارد في الضوابط، هو رهنٌ بموافقة لجنة الاستثناءات؛ فإنَّ هذه الضوابط لم تحمل قواعداً قابلة للتطبيق اللاَّمركزي على التعاقدات، بل جاءت بحظر شاملٍ وعامٍّ، ثم سَمَحَت بالاستثناءات التي تُشكِّلُ جوهر الأحكام الواردة في الضوابط.
وهذا يَعنِي أنَّ ضوابط التعاقد المذكورة هي عبارةٌ عن قيودٍ مركزيةٍ لقرار الجهات الحكومية إزاء التعاقد مع الشركات الأجنبية، وهي قيودٌ ملزمةٌ لا تَجُوز مُخالَفَتُهَا تحت طائلة إنهاء المفاوضات إذا لم تقبلْ لجنة الاستثناءات أو إلغاء التعاقد المبرم دون علم اللجنة أو بغير موافَقَتِهَا.
وعلى الرغم من أنَّ الضوابط تُصنَّف في خانة تركُّز القرار الإداري الحكومي، وأنَّ هذا التركُّز لا يتناغم مع مرونة القرار الحكومي وفق منهج الحوكمة، إلاَّ أنَّ الغاية التشريعية من إيجاد حظرٍ على بعض الشركات الأجنبية تُبرِّرُ مثل هذا التركُّز الإداري المدروس والمحدود.
فالمصلحة العامة فوق أيِّ اعتبارٍ، وحماية المال العام من الهدر أهمُّ من أية مرونةٍ إداريةٍ؛ بدليل:
بناءً عليه، فإنَّ ضوابط التعاقد مع الشركات التي ليس لها مقرات إقليمية في المملكة هي خطوة ضرورية لبناء سلاسل الإمداد العالمية في إقليم المملكة، لكن نجاح هذه الضوابط مرتبطٌ بجودة العناصر التي تُبرِّر استثناء حظر التعاقد مع تلك الشركات، وهو موضوع الجزء الثاني من مقالنا بإذن الله.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال