الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لطالما كانت الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص استراتيجية للعديد من دول العالم لتعزيز تنميتها الاقتصادية، إذ انه من خلال الجمع بين نقاط القوة المالية والتقنية للقطاعين العام والخاص يمكن للبلدان تحسين إدارة مواردها وتطوير اقتصاديات الحجم بما يحقق توزيعاً أكثر عدالةً للموارد والفوائد.
وتدرك الحكومات أن العمل مع الشركات الخاصة سوف يزيد من حجم الاستثمارات ويحفز خلق فرص العمل. ولذلك عندما أعلنت حكومة المملكة العربية السعودية عن برنامج “شريك” فإنها تسعى من خلاله الوصول إلى الموارد المالية والتقنيات والاتصالات المعرفية الجديدة التي تمكنها من زيادة قدرتها على تنفيذ المشاريع العملاقة التي ستكون أكثر صعوبة بدون تمويل داخلي وخارجي أو خبرة إضافية. إنه غالبًا ما تكون الشراكة بين القطاعين العام والخاص مدفوعة بفكرة الجمع بين نقاط القوة في كل من القطاعين العام والخاص. كما يُنظر إلى الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص على أنها أداة حيوية لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي وتحفيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، حيث إنه على مر السنين أظهرت تجارب الدول أنه عندما كان التعاون قائم بين القطاعين العام والخاص في مبادرات مختلفة كان لها تأثير كبير على التقدم الاجتماعي والاقتصادي للدولة. وبالتالي فإنه كان لدى صانع القرار في المملكة المعرفة بالمكاسب الاقتصادية المتوقعة التي يمكن أن تنشأ من برنامج “شريك” والتي من أهمها أن هذا البرنامج سوف يمكن مؤسسات القطاعين العام والخاص من تجميع مواردهما من أجل تحقيق أهداف كل منهما بطريقة أكثر كفاءة وفعالية سواءً من حيث خفض التكلفة أو تعظيم العائد مما لو كانا القطاعيين يعملان بشكل مستقل.
إن من أهم الدوافع الأساسية للحكومات في تبني برامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص هو تحقيق الكفاءة على مستوى الاقتصاد الكلي، وزيادة الاستثمارات، والتوسع في التوظيف، ونقل التكنولوجيا، وتحسين إدارة المخاطر من خلال توزيعها على الأطراف الأكثر قدرة على معالجتها. كما أن المزايا التي تحققت من تجارب الدول التي سبقت المملكة في مجال الشراكة بين القطاعين العام والخاص قد أسهمت في تحفيز التنمية الاقتصادية وزيادة الإنتاج والوصول إلى رأس المال، وخلق فرص العمل على نطاق أوسع. إن مؤسسات القطاع الخاص تتمتع بقدرة أكبر على التعامل مع المشكلات من منظور ريادة الأعمال، وغالبًا ما تكون لديها منهجيات مستقرة للإدارة التنظيمية وتحسين العمليات، والقدرة على اتخاذ القرارات وسرعة التنفيذ.
كما يوفر القطاع الخاص إمكانية الوصول إلى الائتمان البنكي والخبرة الفنية وأبحاث السوق. ومن ناحية أخرى يمكن للحكومة أن تتبنى في سياساتها المالية المساهمة من خلال الصناديق التنموية بمنح رأس المال، وتخفيض الضرائب، وتقديم الإعفاءات الضريبية للمستثمرين من القطاع الخاص. ومن خلال الجمع بين قدرات كل من القطاعين العام والخاص تتعظم بالتالي الاستفادة منها، حيث تسهم هذه الشراكات بين القطاعين العام والخاص في تقديم الخدمات والبرامج العامة بجودة عالية للمواطنين وبطريقة أكثر فعالية وكفاءة. وإنه أيضاً من خلال العمل معًا، يمكن للقطاعين العام والخاص إنشاء مشاريع ذات فائد كبيرة للطرفين، بما في ذلك تلك التي تركز على تطوير البنية التحتية الأساسية، ونمو الوظائف، والارتقاء بالخدمات التعليمية والصحية. وبالتالي فإن هذه الشراكة سوف تنتج وضعًا جديداً ومربحًا للطرفين من خلال تمكين القطاعين بالعمل معًا في توفير الخدمات نحو تحقيق الأهداف المشتركة بينهما.
وفي حين أن الحكومات كما هو الحال في المملكة قد يكون لديها الأموال للاستثمار مباشرة في البنى التحتية الأساسية وكذلك البنى الاجتماعية وتقديم خدمات التعليم، والرعاية الصحية، والأمنية، إلا أنه من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص سوف يؤدي ذلك إلى تعزيز تلك الاستثمارات لتتجاوز حجم الاستثمارات التقليدية والتي ايضاً سوف تسهم في نقل المعرفة وتدريب المواهب المحلية وبناء العديد من المشاريع الصناعية والسياحية وسد النقص في المجالات التي قد لا يتوفر فيها الاستثمار الحكومي بالقدر الكافي. فعلى سبيل المثال، إذا كانت إحدى مؤسسات القطاع العام كما هو الحال عليه حالياً من قيام صندوق الاستثمارات العامة في إنشاء مشاريع في صناعات معينة، فإن شركات القطاع الخاص سوف تساهم بالموارد والخبرة لمساعدة هذه المشاريع على الانطلاق. كما أظهرت الدراسات الدولية أنه عندما يستثمر القطاعان العام والخاص في نفس المجال، فإن ذلك سوف يسهم في ارتفاع معدل النمو الاقتصادي للدولة، حيث إن الاستثمارات الجماعية لكلا القطاعين سوف تمكن لهما الحصول على المزيد من المعرفة حول أنواع المنتجات والخدمات المطلوبة في الاقتصاد، وبالتالي سوف يؤدي ذلك إلى زيادة الابتكار، والإنتاجية، والتي بدورها تؤدي إلى مستويات أعلى من النمو الاقتصادي.
وإنه من المتوقع أن يكون لهذه لشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال برنامج “شريك” تأثير كبير على تسريع حركة التنويع الاقتصادي والتحول بعيداً عن الاعتماد على النفط. كما أنه لن يقتصر تدفق الموارد المالية والمعرفية في تحسين كفاءة وإنتاجية قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات ومشاريع التحول في مزيج الطاقة في المملكة التي تنفذ حالياً فحسب، بل سوف تساعد أيضًا في تنويع الاقتصاد، حيث سوف يستفيد رواد الأعمال والشركات المحلية والأجنبية من الفرص الاستثمارية والبدء في صناعات جديدة. ويمكن لهذا النوع من التعاون من خلال برنامج “شريك “بين القطاعين العام والخاص تقديم مجموعة متنوعة من المكاسب لمختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية من حيث نمو الأعمال التجارية وتطويرها، ودفع الابتكار، وتسريع وتيرة التحول إلى اقتصاد المعرفة، وبما يسهم في نهاية المطاف هذا التنويع الاقتصادي من تحقيق الاستدامة الاقتصادية باعتبارها أحد أهم الأهداف الرئيسة في رؤية المملكة 2030. وإلى جانب الدور الذي سوف يسهم فيه برنامج “شريك” في تعظيم الاستثمارات المحلية والدولية لدخول الاقتصاد السعودي وجلب أحدث التقنيات والممارسات الإدارية، فإنه من المتوقع أن يؤدي إنشاء هذه المشاريع المشتركة إلى زيادة الشفافية والمساءلة نحو مستويات أعلى من الثقة بين الحكومة والشركات والمستثمرين الأجانب، و بما يسهم في بناء بيئة أعمال جاذبة ومستقرة يمكن من خلالها تحقيق التنويع الاقتصادي المستدام.
لقد أصبحت الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص ذات أهمية متزايدة في عالم اليوم أيضاً كوسيلة لتحقيق الاستدامة من حيث التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي، إذ يجب أن تعمل الحكومات والشركات معًا على تطوير مناهج فعالة لمعالجة القضايا العالمية مثل تغير المناخ والفقر وعدم المساواة وإدارة الموارد. فعلى المستوى الأساسي، يكون القطاع العام مسؤولاً عن صياغة السياسات وتمويل وتوفير الخدمات العامة التي يمكن للمواطنين الوصول إليها، بينما يكون القطاع الخاص مسؤولاً عن إنتاج وتوفير السلع والخدمات في السوق. كما يجب أن تعمل الحكومة وقطاع الأعمال معًا لضمان كفاءة الخدمات العامة وخلق مجال متكافئ للشركات الخاصة للمنافسة في السوق دون الانتقاص من دور القطاع العام. وهذا يتطلب مواءمة الأهداف بين القطاع العام والخاص، فضلاً عن تشكيل الأطر التنظيمية التي تحترم استقلالية كل طرف وتحمي مصالح المواطنين والبيئة وتحقيق الاستدامة الاقتصادية. وفي حين ان الحكومة مسؤولة عن خلق بيئة قانونية ومالية وتنظيمية داعمة للشركات للعمل فيها، وتوفير الخدمات العامة اللازمة للمواطنين، فإن على القطاع الخاص دورًا في ضمان قدرة المستهلك على تحمل تكاليف السلع، والخدمات، وتوافرها، وجودتها. فعلى سبيل المثال، تتحمل الشركات الخاصة مسؤولية تزويد المستهلكين بإمكانية الحصول على المياه والكهرباء بأسعار عادلة، وكذلك على وسائل النقل الفعالة والموثوقة، ومصادر الطاقة المتجددة والخدمات الأساسية الأخرى.
وبشكل عام، إن برنامج “شريك” الذي أطلقته الحكومة هو خطة طموحة تستهدف من خلاله أن يكون القطاع الخاص هو القوة الدافعة إلى تحفيز التنوع الاقتصادي وتسريع معدل النمو، وزيادة الاستقرار الاجتماعي في البلاد، حيث تقدر الحكومة بأن ترتفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 45٪ إلى 65٪ بحلول عام 2030. وإنه من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص، تتمتع الدول بالقدرة على زيادة استثماراتها ونوعية توزيعها على القطاعات نحو تحقيق المكاسب الاقتصادية الأعلى، حيث تقدر الحكومة بأن تصل إجمالي الاستثمارات الخاصة إلى نحو 5 تريليون ريال لتغذية هذا الطموح الكبير خلال نفس الفترة، وإلقاء العبء على صناعات القطاع الخاص والمستثمرين لإنجاح ذلك. ولذا فمن خلال استخدام الموارد المالية المخصصة والتخطيط الاستراتيجي والحوكمة السليمة لبرنامج “شريك”، فإنه من المتوقع أن يحقق اقتصاد المملكة نموًاً قوياً حتى عام 2030 ليرتفع بذلك ترتيب المملكة إلى المرتبة 15 من بين الاقتصادات الأكبر عالمياً.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال