الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في الوقت الذي تعمل فيه أوبك+ على إدارة متزنة لسوق النفط لتحقيق استقرار الأسعار المفيد للمنتجين وحتى للمستهلكين، نجد أن دول مجموعة السبع G7 والاتحاد الأوروبي تتدخل مباشرة بآلية السوق من خلال فرض سقف سعري على النفط الروسي عند 60$. هذا الإجراء يمثل تناقض في مواقف هذه الدول ولا يتسق مع أسس السوق “الحُر” الذي تدعي حرصها عليه وتطالب به، بل أن السقف السعري سيشكل منزلق خطير إذا ما تمادت هذه الدول وطبقت هذه التجربة مستقبلاً على دول أخرى رغم أنه احتمال ضعيف جداً.
تهدف سياسة السقف السعري إلى تقليص إيرادات روسيا من صادراتها من النفط ومشتقاته (والغاز) للتضييق عليها اقتصاديًا وعسكريًا كجزء من نظام العقوبات المترتبة على تدخلها العسكري في أوكرانيا، وزيادة الكلف المالية والعجز في ميزانيتها العامة. لضمان نجاح هذا الإجراء وتجنب شحة العرض لجأت دول G7 والاتحاد الأوروبي الى التدخل أيضا في أسواق الشحن والتأمين (غير الأوروبية تحديدا) لمنع وجود حافز لملاك الناقلات وشركات الشحن على استمرار تعاملاتها التجارية مع روسيا والزامهم بالسقف السعري المحدد.
السقف السعري Price-cap للنفط يعني فرض حد أقصى Price-ceiling للسعر عند مستويات أقل من سعر السوق وهذا تدخل مباشر في آلية العرض والطلب ينتج عنه تشوهات سعرية في سوق النفط وأسواق أخرى مكملة له. هذا التدخل يتعارض بوضوح مع قانون العرض والطلب الذي يُعد بالنسبة للاقتصاد مثل قانون الجاذبية للفيزياء، ولكن يبدو أن الدوافع السياسية هي المسيطرة حالياً.
اقتصادياً، فرض السقف السعري للنفط الروسي واجه وسيواجه تحديات معقدة بما في ذلك تأثيرات قوى العرض والطلب التي لا يمكن تجاهلها، حيث أنها قد تجعل السقف المحدد نفسه بلا فاعلية. فيما يلي استعراض لأبرز الإشكالات التي قد تصاحب السقف السعري للنفط الروسي وتحد من فاعليته:
1- تأخر التوصل لإجماع بين دول G7 والاتحاد الاوروبي وترددها منذ البداية ناتج من تضارب في المصالح حيث عارضت الدول المجاورة لروسيا مثل بولندا ودول البلطيق (لارتباطهم بصناعة الشحن) والدول الأخرى المعتمدة على النفط والغاز الروسي فرض سقف سعري منخفض جداً، في حين شددت دول أخرى على فرض السقف السعري مثل استراليا والولايات المتحدة الأمريكية.
2- تم اقتراح السقف السعري في يونيو 2022 عندما كانت أسعار النفط حوالي 100$ ولكن لم يتم إقراره إلا في ديسمبر 2022 في وقت كانت الأسعار قد انخفضت الى 80$، بسبب ضبابية الرؤية للاقتصاد العالمي والطلب الصيني، جعل مستوى السقف السعري قريب نسبيًا من سعر السوق.
3- صعوبة الإجماع على السقف السعري تطلب الاتفاق على استثناءات لضمان إقراره حيث تم استثناء شحنات النفط عبر الانابيب وذلك بهدف ضمان موافقة دول مثل بولندا والمجر المتعاطفة أصلاً مع روسيا. كذلك استثناء مشروع نفط جزيرة سخالين Sakhalin الروسية الذي يستهدف دول أسيا وذلك مراعاة لليابان التي استثمرت فيه حيث يُعد الغاز الطبيعي المسال أحد منتجاته المهمة لها.
4- تحديد الحد الأقصى عند 60$ (وليس عند 45$ كما كان المقترح الأصلي) بمثابة اعتراف ضمني بأن فرض سعر منخفض جداً سيخلق حافز لإعادة البيع مما يعني مما يعني فشل أهداف سياسة السقف السعري، واستمرار منافع روسيا، وتمكنها من تجاوز العقوبات من خلال التهريب وخلافه، خصوصاً بعد ظهور أسواق جديدة لصادراتها النفطية في آسيا.
5- رد الفعل الروسي الهادئ ناتج عن استمرار شركاتها تحقيق هامش ربح جيد حتى عند 60$ لأنه قريب من السعر الذي كانت تحصل عليه قبل العقوبات، إلى جانب انخفاض تكلفة إنتاج نفط خام الأورال الروسي التي تقدر بحدود 40$ للبرميل.
6- موقف روسيا قد يتغير عند تراجع أسعار النفط لمستويات منخفضة جداً (سعر خام برنت وقت كتابة هذا المقال أقل من 75$). لذا، قد تلجأ مستقبلاً لمزيد من خفض إنتاجها طوعا. كما أن هذا الخفض قد يكون قسريا بسبب تراجع قدراتها الإنتاجية نتيجة لتراجع الاستثمارات في القطاع النفطي، مما يعني أن هناك احتمال أن يرتفع السعر في السوق الدولي خصوصاً إذا صاحبه خفض جماعي من أوبك+.
7- يتصف الطلب على النفط بأنه غير مرن وبالتالي فمن الممكن أن تحصل روسيا على إيرادات أعلى وليس أدنى في حال قيامها تخفيض صادراتها النفطية للسوق العالمي وبالتالي ارتفاع أسعار النفط بنسبة كبيرة، وذلك لأن انخفاض كمية صادراتها سيعوضه ارتفاع السعر لنفطها.
8- نظرياً، -كما يتضح من الرسم البياني المرفق- يقود فرض حد أقصى لسعر تبادل السلعة عند مستوى أقل من سعر السوق التوازني إلى وجود فائض طلب مما يخلق حوافز لنشوء سوق سوداء. حجم التبادل في السوق السوداء يعتمد على مستوى سعر السوق مما يعني أن قوة الحافز لمخالفة السقف السعري مرتبطة بمستوى سعر النفط في السوق ومقدار الفارق بينه وبين مستوى السقف.
ختاماً، يمكن إجمال أثر السقف السعري بأنه فقط يخلق اختلالات في أسواق الطاقة من خلال ظهور أسواق سوداء وشح في كميات السع والخدمات المكملة من القطاعات والأسواق الأخرى. فتحسن الطلب على النفط مع انخفاض في العرض قد يقفز بأسعاره لمستويات عالية جداً مما يخلق فجوة طلب كبيرة ستضاعف من حوافز الغش والتحايل. وفي المقابل فالعوامل المؤثرة على العرض والطلب قد تحدد مستويات أسعار تلغي دور السقف السعري المحدد وذلك عندما يتراجع الطلب كثيراً مع زيادة في العرض وهذا من شأنه تخفيض الأسعار لمستويات متدنية جدا.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال