الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
سوق العمل في صلب اهتمامات سمو ولي العهد، لذلك كثيرا ما يتحدث عنه، كحديثه المتكرر عن عدد الوظائف التي ستخلقها برامج رؤية 2030، والحد الأدنى لأجور السعوديين، والحد الأعلى لمعدل البطالة بين السعوديين، وغيرها. وهذا يعني أن سوق العمل على رأس أولويات الرؤية، بل هو مؤشر أساسي لأهم نتائجها. ولا شك أن إصلاحات السوق تسير في الطريق الصحيح للوصول به لسوق نموذجي، يتوافق وأهداف الرؤية.
وحسب تصوري، شخصية سوق العمل السعودي التي يفترض أن يكون عليها بناء على رؤية السعودية 2030 يجب أن تتصف بخصائص رئيسية تجعل منه سوقا منافسا لأفضل أسواق العمل في العالم، وأهم تلك الخصائص هي:
أولا أن يصبح السوق جذّابا لأفضل الخبرات والمهارات، والمواهب العالمية في مختلف المجالات المهنية كالتقنية. فمن أهم برامج الرؤية المطلوب تنفيذها من المؤسسات الحكومية، استقطاب المواهب والخبرات من السعودية أولا، ومن مختلف دول العالم ثانيا. وقد بدأت مشاريع الرؤية نفسها باستقطاب ذوي الخبرة والموهبة، للعمل في مشاريعها. والمتابع يشاهد التنافس الشرس بين إدارات الموارد البشرية في مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة لاستقطاب المواهب والخبرات، بصورة لم تكن موجودة من قبل.
ثانيا إزالة أو خفض التباين الظاهر في المزايا الأساسية بين الوظائف المتشابهة في السوق، بين القطاعين العام والخاص، وتحديدا المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وهذا الهدف من أصعب الأهداف على الإطلاق، والوصول له يعني بكل بساطة حل مشكلة البطالة تماما. والتمايز يتركز في أربع أمور أساسية؛ سلم الرواتب الواضح، العلاوات والترقيات، وساعات العمل الأسبوعية (الأيام)، ومدد إجازات الأعياد. ومعظم برامج الموارد البشرية وأنظمتها تعمل على ذلك الهدف، كوضع حد أدنى للرواتب، ودعم رواتب موظفي المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتقنين الإجازات العامة.
برأيي إزالة الفوارق الجوهرية بين الوظائف المتشابهة في السوق، يعتمد أولا على مساعدة القطاع الخاص على النمو، بحيث تنتقل المنشآت الصغيرة لتصبح متوسطة، والمتوسطة لتصبح كبيرة. ثانيا التوسع في القطاع الصناعي، لأنه القطاع الأقدر على استيعاب أكبر عدد من العاملين بعد السياحة، ولأن مزايا وظائف القطاع الصناعي عالية. وهو ما تعمل برامج الرؤية على تحقيقه، من خلال الصناعات العسكرية، والسيارات، والتعدين الذين سيشهد طفرة كبيرة من خلال البرامج المعدة لهذا القطاع. كما أنها تشجع رواد الأعمال للدخول في الصناعة، وتدعم المنشآت القائمة على النمو والتوسع.
لكن الخطوة الأكبر والأهم والنقلة الجوهرية في سبيل إزالة الفوارق في سوق العمل هي باكتمال برامج الخصخصة، بحيث تصبح الشركات العملاقة الموظف الأساسي في السوق بدلا عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وكما قال استاذنا الدكتور إحسان بوحليقة، في سلسلة مقالات رائعة عن دور القطاع الخاص، أنه لابد من الخصخصة في نهاية الأمر.
ثالثا أن يصبح العامل السعودي المفضل للعمل لدى القطاع الخاص، والأكثر إنتاجية، وجدوى اقتصادية. والحقيقة أنه ما دام العامل السعودي يُفرض على القطاع الخاص فرضا، ولا يُسعى إليه، فلن تنتهي مشكلة البطالة. فرغم أن الشباب السعودي متعلم أفضل من معظم من يدخلون السوق من غير السعوديين في نفس التخصصات، إلا أنهم يعانون من دخوله. والمؤسف أن القطاع الخاص يفضل العامل غير السعودي ليس لأنه (أفضل)، بل لأنه الأرخص، ولأنه أكثر تحملا لظروف بعض المنشآت الصعبة، كبيئة العمل غير المناسبة، وساعات العمل الطويلة جدا، والعمل خارج أوقات الدوام، وتأخر صرف الرواتب، والقرارات التعسفية.
رابعا أن يكون القطاع الخاص أكثر جذبا للموظف السعودي في عموم الوظائف. وهي نتيجة حتمية في حال تم حل إشكاليتي الفروق بين القطاعين العام والخاص، وتفضيل القطاع الخاص للعامل السعودي.
خامسا أن يكون تنقل الموظفين بين القطاعين العام والخاص، وبين منشآت القطاع الخاص سلسا، وطبيعيا على كافة المستويات الوظيفية. وهذه الخاصية أيضا ستكون نتيجة حتمية بعد انتهاء الخصخصة، وبعد أن يصبح القطاع الخاص المفضل لدى العامل السعودي، وبعد أن يصبح الموظف السعودي المفضل لدى القطاع الخاص. وفي ظل تطبيق قانون العقود بديلا عن نظام الكفيل بالنسبة للعامل غير السعودي.
أخيرا أن تكون البطالة في الظروف العادية بين السعوديين في حدود متوسط البطالة العالمية. وهذا هو الهدف الأهم لكل الإصلاحات الاقتصادية بشكل عام، ولإصلاحات سوق العمل بشكل خاص. وتحقيقه مرتبط بتحقيق العوامل السابقة.
يستحق سوق العمل السعودي أن يكون بقوة الاقتصاد السعودي، من حيث معدل البطالة، وجودة العاملين فيه، وكفاءة الإنتاجية، وقوة جاذبيته للمواهب العالمية.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال