الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
اعتقد كل شخص مهتم بالشؤون الامريكية اقتصاديا او سياسيا، سبق ان مر على مسامعه أوباما كير “Obama Care” ، او ما يسمى بقانون الرعاية الصحية الأمريكي والذي صدر في عام 2010. لنرجع بالتاريخ قليلا قبل 2010، نجد أن تلك الفترة هي فترة ركود وأزمات اقتصادية مرت على أمريكا وعلى العالم أجمع. السبب الذي دفع الحكومة الامريكية الى الموافقة على التعديلات لنظام التأمين الصحي هي ارتفاع عدد الأشخاص الغير مؤمن عليهم تأمينا صحيا. فقد كان الاعتماد بشكل كبير على تأمين أرباب العمل الذي يوفره لموظفيهم. أما من يفقد عمله أو من ليس لديه عمل رسمي، فغالبا، لم يكن لديه خيار يلجأ اليه في حال مرضه سوى ان يذهب الى المستشفيات، والتي تخدم الخدمة الطبية بأسعار خيالية. بالطبع، هنا يبرز وجود القوانين التي تحكم عملية التأمين الصحي من ناحيتين رئيسيتين. الاولى هي انظمة قوانين تضبط العلاقة العقدية بين شركات التأمين والمؤمن لهم. والثانية هي أنظمة وقوانين تضبط عملية تسعير تقديم خدمات الرعاية الصحية. في هذا المقال سيتم التركيز على الجزئية الاولى، والتي تهتم بنوع العلاقة العقدية التي تربط بين شركة التأمين وبين المؤمن لهم.
نعود لقانون الرعاية الصحية الامريكية، هذا القانون جاء لتعديل نظام التأمين الصحي والرعاية الطبية المقدمة للناس في أمريكا، والذي كان ينص على ما يسمى بالتأمين العام والتأمين الخاص. التأمين العام هو التأمين التي تدفع الدولة للعموم الناس العاطلين و الغير قادرين على دفع قيمة التأمين أو قيمة الخدمات الطبية، لا سيما وأن الخدمات الطبية في أمريكا باهظة جدا. التأمين الخاص، هو التأمين الذي يوفره صاحب العمل أو الذي يشتريه الفرد بنفسه. عند توضيح هذه التفرقة، قد تميل الى فكرة، ما هي المشكلة إذن في حال وجود برامج تشمل جميع أفراد المجتمع. المشكلة تكمن في عدم وجود الضابط الذي يضبط العلاقة التعاقدية بين شركة التأمين وبين المؤمن له. مثلا، لو ان شخصا فقد عمله، ولم تنطبق عليه شروط التأمين العام-والتي كانت تعاني من اشتراطات تعجيزية- وأراد هذا الشخص ان يشتري تأمينا صحيا له خصوصا في ظل معاناته من مرض مزمن او مرض مستعصي لا سمح الله، شركات التأمين ترفضه تماما وتعتبره غير مخول لشراء بوليصة تأمين صحي . كذلك، من هم فوق ال 65، يصعب عليه ان يجد شركة تمنحه هذا التأمين لان احتمالية تعرضه للأمراض مرتفعة، وبالتالي مصاريف اكثر على شركة التأمين، خاصة مثلما ذكرت أعلاه، أسعار الخدمات الطبية مرتفعة جدا، تصل قيمة اشعة X-ray الى 3000 دولار.
لذلك، عند بدء سريان قانون الرعاية الصحية الامريكية، كان عدد الغير مؤمن لهم يتجاوز 44 مليون مواطن أمريكي. ولنلاحظ أن هؤلاء ليسوا جميعا تحت خط الفقر، وانما هم اشخاص بعض منهم فقدوا أعمالهم خلال فترة الركود الاقتصادي، ولم يستطيعوا أن يحصلوا على أي من التأمين العام أو التأمين الخاص. ينص نظام الرعاية الصحية الامريكي “اوباما كير” على انه شركات التأمين ملزمة باستقبال طالبي التأمين، بغض النظر عن أعمارهم، وبغض النظر عن مدى معاناة طالب التأمين من أمراض مزمنة او أمراض مكلفة في العلاج، هذا في حال رغبة الشخص بشراء بوليصة تأمين. السؤال، لماذا يشتري الشخص بوليصة تأمين صحي في حين أن الدولة سوف تؤمن له تأمينا عاما. الإجابة هي أنه التأمين العام يعتبر وفقا للنظام الجديد افضل من النظام السابق، حيث يشمل الأشخاص العاطلين ومنهم من هو تحت خط الفقر و من تجاوزت أعمارهم 65 سنه، ويشمل التنويم وصرف الادوية واجراء الاشعة والفحوصات اللازمة. ولكن، الإشكالية هي ان التأمين العام يغطي فقط 60% من فاتورة العلاج، أما المتبقي فيدفعها المريض، لذلك يحتاج إلى شراء بوليصة تأمين. تغطي الدولة نادرا فاتورة العلاج كاملة في حال أثبت المريض أنه تحت خط الفقر ومن مستحقي الضمان الاجتماعي. بالطبع انخفض معدل الغير مؤمن لهم الى 27مليون مواطن، ولكن هذا الانخفاض لا يعني أن ازمة التأمين. الصحي تم حلها، وانما فقط تم تخديرها، ولكن الخلل لازال موجودا.
نظام التأمين الصحي متشعب جدا وبه تفاصيل كثيرة، وهناك دول كثير لديها تجارب مشابهة لتجربة امريكا، وهناك دول اخرى لديها تجارب أفضل او أسوأ من تجربة امريكا. السؤال هنا، في ظل شح القوانين المنظمة للتأمين بشكل عام، و للتأمين الصحي بشكل خاص، خصوصا وان تشريعات التأمين الصحي قديمة وتشمل فقط القطاع الخاص، كيف يمكن وضع نظام تأمين صحي جديد يتواءم مع طبيعة المجتمع، ومع مستوى الدخل العام للمواطنين. كذلك، ما هو الضابط الذي سيضبط عملية تدخل شركات التأمين في علاج المريض. لا سيما لو كان التأمين العام للمواطنين له تصنيفات وفئات مثله مثل التأمين الخاص.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال