الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
من المسائل المستطيل بحثها عند العلماء قدرة تطبيقات الذكاء الاصطناعي على استشعار الجمال. فعلم الجمال، من حيث أنه تقدير الجمال والحكم على الأشياء أنها جميلة التصوير مثلا أو قبيحة، مبحث معقد، لإغراقه في الذاتية أولًا، فما يكون جميلاً عند زيد قبيح عند عبيد، وكذلك بسبب العوامل الاجتماعية والسياقية ثانيًا، وهي العوامل الأكثر تعقيدًا، كما في مسائل الهيمنة الثقافية.
فتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تسلحت مؤخرًا بقدرات وخوارزميات حوسبية مذهلة في تحليل ومعالجة البيانات المرئية والمسموعة، إنما تتعلم من بصمات الإنسان الرقمية ومعارفه المنشورة على شكل بيانات تصف مظاهر هذا الجمال؛ لكنها غير منفكة من تأثيره الثقافي والسياقي في إنتاجها وفي نشرها، وامتداده بالسطوتين السياسية والعسكرية.
مثلا، الشعر الأشقر، والأصابع الطويلة ليست من سمات الجمال عند الآسيويين مثلا لتزخر بها إعلاناتهم التجارية، لكنها تراث أغريقي قديم توارثته أوروبا وأغرقت به العالم إبان حقب الاستعمار، وأمريكا حقبة الهيمنة الثقافية.
لذلك، فحين تحاكي خوارزميات الذكاء الاصطناعي حكم الإنسان على الجمال، فإنها تتغذى ابتداءًا على مجاميع كبيرة من بيانات الصور وأنماطها وسيمائياتها التي أنتجها ونشرها صاحب الثقافة المهيمنة، والتي يعتبرها بشكل عام ممتعة من الناحية الجمالية، ثم يقلده في ذلك كل متأثر بثقافته، أي أننا بصدد نماذج محوسبة، ليست متحيزة فحسب في حكمها على الجمال بوفق مدخلاتها الأولى، لكنها مستمرة في توليد محتوى جديد متسقًا مع الثقافة المهيمنة درجة إغراق العالم به، وهنا دفن لتاريخ الإنسان الآخر المختلف، ولمبادئه الجمالية المغايرة، ولاختلافه ولتنوعه المحسوب في الجمال أيضا، وهذا سبب من أسباب أن تطبيقات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي التي انتشرت مؤخرا؛ تنتج لنا هذه الأشكال الهجين الغريبة، بالوجوه المثلثة للنساء والعريضة للرجال، وبالأنوف الدقيقة، والعيون الحادة.
ولتبسيط كل ماسبق، فإن العربي الذي طالما هام وجدًا في عيني حبيبته النجلاوين السوداوين؛ فإنه لا يرى جمال العيون بحسب ثقافته إلا في الاتساع، سواء بالملموس كعين المهاة النافرة كما عند ذي الرمة، أو بالاتساع غير الملموس كمشهد غابتي نخيل من وراء نافذة مطلة كما عند السياب، وكذلك في الحواجب القُرن الُّزج كثيفة الشعر، التي يشبه الحاجب الواحد منها القوس التي ترمي سهم الموت كما كان عند النابغة.
كيف سيكون شعور الشعراء الثلاثة لو استخدم كل واحد منهم تطبيقا لتوليد الصور (AI Art Generator) لتصوير عشيقته، فينتج لهم وقد تغذى على معايير الجمال اليابانية مثلا، صور ثلاث حسناوات وفاقًا لهذه المعايير، كل واحدة منهن بأعين ضيقة محلوقة الحواجب؛ ففي اليابان كان النساء يحلقن الحواجب لأنها شعر قبيح، والعين الجميلة كما قال شاعرهم واصفا حبيبته، صغيرة ضيقة كعين الديك!
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال