الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لاريب أن النقل التجاري الجوي أحدث مسارات النقل، وأسرعها، وأكثرها أماناً، وهو أحد منجزات القرن العشرين. وقد حقق النقل التجاري الجوي تطورات سريعة، ومتلاحقة منذ أن بدأ مسيرته في القرن العشرين، وبدأت هذه التطورات تبلغ قمتها مع نهايته، وبداية القرن الحادي والعشرين.
ويعتبر النقل التجاري الجوي من أهم أعمدة اقتصاديات الدول؛ لمساهمته الأصيلة في نقل الأشخاص، والبضائع سواء على المستوى الوطني، أو على المستوى الدولي، حيث إن الرابطة بين النمو الاقتصادي للدول، وتجارتها الخارجية عن طريق النقل التجاري الجوي وثيقة. فليس من دولة إلا وتهتم بتطوير منظومة النقل التجاري بصفةٍ عامة، ومنظومة النقل التجاري الجوي بصفةٍ خاصة، فتُنفَق المبالغ الطائلة لتطوير تلك المنظومة، وتُسن التشريعات، أو التنظيمات الحديثة؛ لتخدم تلك المنظومة حتى يتحد تحديث التطوير مع تحديث التنظيم القانوني الذي يُشكل سياجاً يحمي تلك المنظومة.
وإذا كانت معايير التقدم والتخلف للمجتمعات قد تعددت، فإن أحد هذه المعايير تتمثل في مدى ما يتوافر للدولة من طائرات للنقل التجاري الجوي تربط بين أرجائها، و توافر مرافق حديثة تخدم قطاع النقل التجاري الجوي حتى يتسنى للدولة تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية الشاملة التي تركز على سهولة، وسرعة نقل الأشخاص، ونقل البضائع، بل والمواد الخام من مواقعها إلى مواقع الإنتاج، ثم من مواقع الإنتاج إلى الأسواق داخلية كانت، أو خارجية. فلا عجب في هذا الصدد أن تكون المملكة العربية السعودية تحت مجهر المقارنة في خصوص ما توفره من خدمات نقل تجاري جوي دخلياً؛ بسبب أنها دولة ضخمة مترامية الأطراف، أو حتى خارجياً، وتكون هذه المقارنة بينها، وبين دول أخرى سواء من داخل المنطقة العربية، أو خارجها. فمعايير تحديد مراتب تقدم الدول تجارياً، ومن ثم اقتصادياً تقف على مدى توافر قطاع خدمي للنقل التجاري الجوي الحديث يقوم على التنافسية، والشمولية، ويقوم على بنية أساسية مادية وتنظيمية، وكذلك على ما تملكه الدولة، أو القطاع الخاص الوطني، والأجنبي من استثمارات تستفيد منه الدولة بشكل مباشر في زيادة رخائها، وتحقيق تقدم اقتصادي تنموي مستدام وفعّال للأجيال القادمة – بعيدا عن حقول النفط التي لازالت تعتمد عليها المملكة بشكل أساسي – مما يشكل تنويع لمصادر الدخل.
والمملكة العربية السعودية -بفضل الله وحده- تعي لهذه المسائل وتسعى حثيثة لتحفيز الاستثمارات في هذا القطاع؛ بغية تنويع مصادر الدخل، فيستهدف قطاع الطيران نقل 330 مليون راكب بحلول عام 2030، كذلك تعزيز الشراكات بين مشغلي القطاعين العام، والخاص داخل القطاع، وخلق مناخ عادل، وتنافسي لمشغلي الخطوط الجوية، والمستهلكين، وتعزيز القدرة التنافسية للشركات الوطنية، و تعزيز المنافسة ما بين شركات الطيران (المحلية، والأجنبية)، كذلك السعي إلى شراكات بين القطاعين العام، والخاص لتمويل عدد من المخططات الرئيسة، بينما تستعد العديد من مرافق النقل -على صعيدٍ آخر- للخصخصة الكاملة.
ومؤدي ما تقدم فإن المملكة العربية السعودية تسعى بكل وضوح لتحرير خدمات النقل التجاري الجوي من القيود التي قد تُفرض من القطاع العام على هذا القطاع الخدمي، بما أنها تقوم حاليا بتعزيز الشراكات بين القطاع الخاص الوطني، والقطاع العام، بل والأكثر من ذلك تعزيز الشراكات بين الشركات الوطنية، والشركات الأجنبية؛ لخلق قدرة تنافسية أكبر، وأوسع داخل المملكة.
فمما لاشك فيه أن بسط نفوذ القطاع العام كقطاع حكومي بشكل كامل على قطاع النقل التجاري الجوي يعد حجر عثرة في طريق البيئة الجاذبة للاستثمارات، وخلق القدرة التنافسية الفعّالة، و المرجوة لتحقيق رؤية 2030، والتي تم ابتكارها في الأصل -أي الرؤية- لخدمة الفلسفة التي قامت عليها ألا وهي جذب الاستثمارات المحلية، والأجنبية، لتنويع مصادر الدخل بعيدا عن الاعتماد على النفط بشكلٍ كامل.
ولنكن أكثر عملية عند الحديث عن تحرير خدمات النقل التجاري الجوي، فإن أول ما ينظر إليه المستثمر هو مدى خدمة الأنظمة لأهدافه، فكما للدولة أهداف، فإن للمستثمر أهداف أيضاً، فالدولة تسعى للدخل المتجدد، والمستمر؛ ليصب في مصلحة المواطن، والأجيال القادمة، والمستثمر يسعى إلى الربح، والربح فحسب كمصلحة شخصية له، ولا لشىء آخر، ولا يريد أياً منهما أن يفقد ما يبذله، فلابد من وجود أرض مشتركة تحقق أهدافهما. وضربة البداية لابد وأن تأتي من الدولة عن طريق تحريك ما هو ساكن من مواد نظامية بتحديثها تحديثاً واعياً، وإن لزم الأمر تغييرها نهائياً.
وإزاء ما تقدم يمكن القول بصراحة شديدة، وبشكلٍ مباشر أن عدم كفاية الأبنية النظامية الموجودة، أو عجزها عن مواكبة مستهدفات الرؤية تعد من المحفزات الرئيسة للدولة لبداية بزوغ أفكار جديدة حديثة لتعديلات تصيب الأنظمة بدقة شديدة، أو حتى إنشاء أنظمة تجارية جديدة، وذلك في وقت قُدّر فيه ضرورياً منح خدمات النقل التجاري الجوي القدرة على التنافس دولياً، أو داخلياً.
فبالنسبة للنقل التجاري الجوي الدولي فالاتفاقية الدولية المنضمة إليها المملكة العربية السعودية تحت مظلة الأمم المتحدة المسماة “اتفاقية توحيد بعض قواعد النقل الجوي الدولي مونتريال 1999″، كفيلة بتنظيم النقل التجاري الجوي الدولي، مع بعض الاتفاقيات الدولية الأخرى المنضمة إليها المملكة التي تعين في هذا الشأن سواء أكانت اتفاقيات دولية أخرى برعاية الأمم المتحدة، أو اتفاقيات دولية ثنائية الأطراف مثلا. لكن الفكرة التي نريد أن نسلط الضوء عليها تكمن في النقل التجاري الجوي الداخلي، والذي ينظمه نظام الطيران المدني السعودي رقم 44 لسنة 1426هـ. فهذا النظام معني بمسائل الطيران المدني السعودي داخل الإقليم عموماً، و معني أيضاً بتنظيم حركة النقل الجوي الداخلي مع إحالته لنصوص مونتريال 1999 لتطبق داخلياً على مسؤولية الناقل الجوي الداخلي.
والنظام المذكور آنفا حظرت فيه المادة 18 المشغل الأجنبي بالقيام بالنقل الداخلي للركاب، أو البضائع، أو البريد بين نقطتين واقعتين في إقليم المملكة مع جواز التصريح للمشغل الأجنبي بالقيام بالنقل الداخلي في الظروف الاستثنائية، أو الخاصة، أو لاستكمال رحلة قادمة من الخارج، وذلك كله مع مراعاة نظام الاستثمار الأجنبي. وهذا النص نوصي المنظم السعودي بتعديله، أو إلغائه إن لزم الأمر، واستبداله بنص يخدم تحرير خدمات النقل التجاري الجوي من القيود؛ لجذب الاستثمار الأجنبي بشكلٍ جليّ، ومباشر، وليس مع مراعاة أنظمة الاستثمار الأجنبي فحسب؛ لأن الحظر الذي فيه، حتى وإن لحقه استثناء يقف معوق أمام هذا التحرير، بمعنى آخر إن وجود هذا الحظر، لا يخدم تعزيز القدرة التنافسية ما بين شركات الطيران (المحلية، والأجنبية)، وهو أحد مستهدفات قطاع النقل الجوي بالمملكة لخدمة رؤية 2030 كما قلنا.
ومما يعين على هذا التغيير إن المملكة العربية السعودية منضمة لاتفاقية الجات، وهي اتفاقية تهدف للتخفيف من القيود المتعلقة بالتجارة، وخفض الرسوم الجمركية GATT ، وإن جولة الأورجواي لاتفاقية الجات عام 1986 أثمرت عن التوقيع على اتفاقية عامة للتجارة في الخدمات كملحق لاتفاقية إنشاء منظمة التجارة العالمية، وقد نصت المادة 3/1/ب من الاتفاقية أن يدخل تحت مظلة الاتفاقية جميع الخدمات في كل القطاعات، ما عدا الخدمات التي تهدف للنفع العام، أو الخدمات التي تحتكرها الدولة مادامت تهدف إلى تحقيق الربح وذلك على سبيل الاستثناء، وفيما عدا ذلك فالأصل هو تحرير الخدمات التي تهدف لتحقيق الربح.
وحيث إن نص المادة 18 من نظام الطيران المدني السعودي ما هو إلا أصل، واستثناء على هذا الأصل، وهذا الاستثناء يمنح رخصة سمحت بها الاتفاقية مؤداها بسط الدولة نفوذها على قطاعات الخدمات مادامت تهدف إلى تحقيق الربح، وقد استعملت المملكة هذه الرخصة عن طريق هذا الاستثناء في الوقت التي كانت تسمح بها السياسة الاقتصادية للدولة بذلك، ومن المستقر عليه قانوناً أن الاستثناء لا يخلق قاعدة كأصل عام، وأن الشاذ لا حكم له، وإنه من المسلم به أن من حق أي دولة قانوناً أن تعزف عن استعمال الرخصة، وترجع إلى الأصل العام، وهو تحرير الخدمة الربحية من القيود إعمالاً للجوهرية القائمة عليها الاتفاقية، وهي تحرير الخدمات، وفك القيود عنها أياً كان شكل القيد، سواء كان القيد مفروض من النظام، أو مرفوض من أي، أو لأي سبب آخر غير النظام.
ولا نبالغ حين نقول -في نهاية الأمر- أن النظر في الأنظمة التجارية بصفةٍ عامة، وأنظمة النقل التجاري بصفةٍ خاصة، وفيما يتعلق بالنقل التجاري الجوي الداخلي تحديداً بشكلٍ فيه وعي، وبخبرة -ولاسمياً أن المملكة العربية السعودية دولة ضخمة ومترامية الأطراف، وتملك الخبرات، والكفاءات- أمر لابد منه، إن كنّا نسعى فعلاً بشكلٍ عملي لزيادة القدرة التنافسية لسوق خدمات النقل التجاري الجوي الداخلي عن طريق تحرير خدمات النقل التجاري الجوي الداخلي، وذلك طبعا دون المساس برقابة الدولة على ذلك التحرير في هذا القطاع الحيوي ، والاستراتيجي؛ لحماية النظام العام بشكل لا يتعارض مع الأهداف الاستثمارية.
فكما قلنا أن المستثمر ينظر للأنظمة قبل أن يدخل بأمواله للمملكة، أو لأي دولة، وضربة البداية تبدأ من عند الدولة بالنظر إلى مواكبة الأنظمة لأهدافها أم غير ذلك، فهل هي بداءةً من عنوانها مروراً بنصوصها نهايةً بالمواد الختامية تخدم رؤية 2030 أم لا؟ وننهتز الفرصة في هذا الشأن قبل أن نختم، ونقترح بتغيير اسم النظام نفسه ليصير “نظام الطيران التجاري السعودي” بدلاً من “نظام الطيران المدني السعودي”، حيث إن جُلَ نصوصه قائمة على هدف واحد ألا وهي خدمة النقل التجاري الجوي سواء للأشخاص، أو البضائع، فيكون الاسم نفسه جاذب، وأكثر واقعية للمستثمر، ويُعبر عن حقيقته أصلاً، ومتماشياً مع إلحاق الصفة التجارية للنظام البحري التجاري السعودي رقم 33 لسنة 1440هـ، فيصير هناك تناغم بين الأنظمة المشابهة حتى في العنونة التي تبرز مرمى الأنظمة؛ وذلك لخدمة هدف واحد يتمثل في نجاح الرؤية المأمولة بإذن الله تعالى.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال