الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
اثنان من المؤشرات الحاسمة المستخدمة لتقييم الأداء الاقتصادي لبلد ما هما مؤشر الإنتاج الصناعي ومؤشر مديري المشتريات، حيث من خلالهما يتم استكشاف تأثيرهما على النشاط الإقتصادي، وتكمن أهميتهما في التنبؤ بحالة الاقتصاد المستقبلية من حيث التوسع أو الانكماش. يعمل مؤشر الإنتاج الصناعي كمقياس لمخرجات قطاعات التعدين واستغلال المحاجر والصناعة التحويلية والمرافق في البلاد. أما مؤشر مديري المشتريات فيستخدم لتقييم الحالة الاقتصادية للقطاع غير النفطي، حيث يحلل عوامل مختلفة مثل الطلبات الجديدة ومستويات المخزون والإنتاج والبضائع ومواعيد التسليم للموردين وأوضاع التوظيف.
وإذا ما بدأنا بمؤشر الإنتاج الصناعي، فهو من أهم المؤشرات في مراقبة أداء الاقتصاد والذي يتم تحليله على نطاق واسع، نظرًا لأهمية النشاط الصناعي كمحرك لدورة الأعمال بأكملها، ومتغيرًا حاسمًا في عملية التنبؤ بالتطورات القصيرة الأجل للناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول. وفي حال المملكة العربية السعودية، فبعد أن سجل مؤشر الإنتاج الصناعي 139 نقطة في أكتوبر 2022، مدعوماً بأنشطة التعدين واستغلال المحاجر، وبالخصوص من قطاع إنتاج النفط، واصل المؤشر هبوطه التدريجي ليبلغ 130.2 نقطة في مايو 2023، ليتراجع بنسبة 1.2% مقارنة مع مايو 2022.
لقد جاء هذا التراجع على إثر قرار المملكة بخفض إنتاجها النفطي إلى 9.9 مليون برميل يوميًا، حيث سجل مؤشر التعدين واستغلال المحاجر، الذي يبلغ وزنه في المؤشر 74.5٪، تراجعاً بنسبة 5.5% على أساس سنوي في مايو 2023. غير أن مؤشر نشاط الصناعة التحويلية، الذي تشكل حصته 22.6%، ارتفع بنسبة 10% على أساس سنوي في مايو 2023، مسجلاً 156 نقطة، حيث ساهمت مبادرات رؤية 2030 والإصلاحات الهيكلية في توسع قطاع الصناعة التحويلية، والذي عوض جزئيا من انخفاض إجمالي المؤشر. كما ارتفع نشاط إمدادات الكهرباء والغاز، الذي يشكل وزنه 2.9٪، بنسبة 12% على أساس سنوي خلال نفس الفترة، (الرسم البياني رقم 1).
إن مؤشر الإنتاج الصناعي يلعب دورًا مهمًا في تقييم الاستقرار والتنبؤ بالنمو الاقتصادي في البلاد، حيث جاءت نتائجه في الإشارة إلى تباطئ إجمالي الناتج المحلي من ناحية متأثراً بقطاع النفط ومن ناحية أخرى بالإشارة إلى استمرار النمو في القطاع غير النفطي في النصف الثاني 2023. ويرجع هذا التحليل إلى أنه قد طغى الوزن الكبير الذي يشكله قطاع التعدين واستغلال المحاجر بنسبة 75.4% في داخل المؤشر على تأثير التوسع المستمر في قطاع الصناعة التحويلية.
وقد أدى هذا الاعتماد على صناعة التعدين، مدفوعاً بإنتاج النفط، إلى تذبذب شديد في مؤشر الإنتاج الصناعي بسبب التقلبات في حجم الإنتاج النفطي، وبالتالي انتقال هذه التقلبات إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث لا يزال تحقيق الاستقرار الاقتصادي هدفاً صعباً للمملكة العربية السعودية. إن أبرز مثال على تقلب إنتاج وأسعار النفط في السنوات الأخيرة كان الانخفاض الكبير في الأسعار في أواخر عام 2014 وفي عام 2015 وكذلك مؤخراً في عام 2020، حيث تؤدي مثل هذه التقلبات الحادة إلى حالة من عدم اليقين، والتي تؤثر سلباً على قرارات الاستثمار والتخطيط للإنتاج في الصناعات التحويلية. ولذا نجد أنه على إثر التراجع الذي اتخذه المؤشر خلال الربع الثالث والرابع من عام 2022 قد واكبه تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول 2023 الذي نما بنحو 3.8% على أساس سنوي.
ولمواجهة هذا التحدي التي تفرضه تقلبات أسعار وكميات إنتاج النفط، تركزت مبادرات المملكة ضمن رؤية 2030 على تنويع الاقتصاد، وتعزيز القطاعات غير النفطية مثل السياحة والترفيه والصناعة التحويلية. ولذا فإنه من خلال الإسراع في خطة وبرامج التنويع الاقتصادي، يمكن للمملكة تقليل تعرض مؤشر الإنتاج الصناعي لتقلبات حجم إنتاج النفط وتعزيز درجة الاستقرار الاقتصادي في المدى المتوسط. وبالتزامن مع التوجه العالمي لبدائل الطاقة، تحتاج المملكة العربية السعودية أيضًا إلى الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة مثل الطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على النفط وتوفير مزيج طاقة متنوع، وذلك للحد من تأثير تراجع مستويات الإنتاج وأسعار إنتاج النفط المحتملة في المدى البعيد. وبالتالي، سوف يؤدي هذا التوسع في قطاع الصناعات التحويلية دورًا مهمًا في تقليل وزن قطاع التعدين واستغلال المحاجر ضمن مؤشر الإنتاج الصناعي.
وهذا ما تعمل عليه المملكة حالياً من خلال برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية لتعزيز نمو الصناعة التحويلية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتطوير القدرات المحلية. وبالنظر إلى الارتباط بين مؤشر الإنتاج الصناعي والناتج المحلي الإجمالي، فإن تحقيق الاستقرار والتنويع الاقتصادي الشامل في المملكة العربية السعودية يتطلب نهجًا متعدد الأوجه، (الرسم البياني رقم 2).
يعد مؤشر مديري المشتريات أحد المؤشرات المستخدمة للتنبؤ باتجاهات وأنشطة الاقتصاد، وأحد أكثر المؤشرات التي تتم مراقبتها من قبل البنوك بما في ذلك البنوك المركزية والشركات المحلية في تحليل الظروف الحالية والتوجهات المستقبلية الاقتصادية، ويعود السبب في ذلك إلى أن المؤشر يوفر معلومات عن التغيرات في الطلب والعرض في الاقتصاد، وبالتالي التنبؤ بالمتغيرات في إنتاج قطاع الصناعات التحويلية وكذلك التنبؤ بالمتغيرات في أداء الاقتصاد ككل. فعندما يكون مؤشر مديري المشتريات أعلى من 50 نقطة، فهذا يشير إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي وعندما يكون أقل من 50 نقطة لأكثر من شهر فإنه يشير إلى بوادر انكماش في الناتج المحلي الإجمالي. وقد يكون لدى البلدان المختلفة هياكل اقتصادية متفاوتة، حيث يعتمد بعضها بشكل أكبر على القطاع الصناعي من البعض الآخر، وبالتالي، قد يختلف تأثير المؤشر على الناتج المحلي الإجمالي، وأيضًا، يمكن أن تؤثر العوامل الخارجية مثل الظروف الاقتصادية العالمية والأحداث الجيوسياسية على العلاقة بين المؤشر والناتج المحلي الإجمالي.
وبالنسبة للملكة العربية السعودية، فقد أظهر مؤشر مديري المشتريات نموًا للقطاع الخاص غير النفطي في يونيو 2023، رغم استمرار أسعار الفائدة في الارتفاع، مدفوعًا بقطاعي السياحة والبناء، حيث ارتفع المؤشر إلى 59.6 نقطة في يونيو 2023 من 57 في يونيو 2022. كما أشار بأن القطاع الخاص غير النفطي لا يزال على مسار النمو حتى نهاية الربع الثاني 2023، ومواكباً لتدفقات الأعمال الجديدة، وأن الطلب المتزايد وتحسن حركة الأسواق في يونيو أدى إلى تسريع نمو العمالة إلى أعلى مستوى منذ أغسطس 2015.
وقد جاء هذا التوسع في أنشطة القطاع الخاص غير النفطي ليعكس دور برامج التنويع الاقتصادي في تقليل الاعتماد على النفط والتي كانت ضمن أهداف رؤية 2030، كما عكست أرقام المؤشر أيضاً زيادة الثقة في الأعمال، حيث كانت مدفوعة بشكل أساسي بالاستثمارات الحكومية، لا سيما في مشاريع البناء والبنية التحتية.
إن تبعية القطاعات غير النفطية، وبالأخص الصناعية التحويلية، لقطاع النفط الخام بشكل مباشر وغير مباشر من خلال تأثره بالإنفاق الحكومي يجعل اقتصاد المملكة عرضة لتغيرات مستويات إنتاج وأسعار النفط. وبالنظر إلى العلاقة بين قطاع النفط والإنتاج الصناعي، فإن التحوط ضد حالة عدم استقرار الإنفاق الحكومي من خلال برنامج التوازن المالي 2020 والذي عدل لاحقاً إلى برنامج الاستدامة المالية جاء تركيزه على استقرار السياسة المالية من خلال تنويع الإيرادات الحكومية، إذ يعتبر عامل حيوي للمملكة نحو تحقيق استقرار الإنتاج الصناعي وكذلك خفض درجة التذبذب في إجمالي الناتج المحلي.
لكن تأثيره يأتي على المدى القصير والمدى المتوسط. ولذا فإن الحلول طويلة المدى تتطلب التركيز على تنويع الهيكل الاقتصادي بالدرجة الأولى، لتقليل التقلبات التي تشكلها مستويات إنتاج وأسعار النفط على الإنتاج الصناعي وإجمالي الناتج المحلي، (الرسم البياني رقم 3).
الرسم البياني رقم 3: مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات
بعد وتيرة التعافي في الاقتصادي العالمي وتصاعد نمو الطلب على النفط ومن ثم استمرار زيادة إنتاج المملكة من النفط ابتداءً من يوليو 2021، وصل معدل النمو لإجمالي الناتج المحلي الحقيقي أقصاه في الربع الثاني 2022 بنسبة 11.2% على أساس سنوي، إذ جاءت مساهمة نمو القطاع النفطي بنسبة 8.4% ومساهمة نمو القطاع غير النفطي بنسبة 2.66% من إجمالي النمو، ما جعل الاقتصاد السعودي عرضة لتقلبات أسعار النفط ومستويات الإنتاج. ولضمان استقرار أسواق النفط وسط التطورات الجيوسياسية العالمية المتزايدة التعقيد، إتخذت المملكة من خلال أوبك وحلفائها قرارتها بخفض الإنتاج لضبط الأسواق النفطية. وعلى إثر ذلك تناقصت مساهمة نمو القطاع النفطي من نمو إجمالي الناتج المحلي بشكل تدريجي إلى 0.47%، والذي ساهم في تباطأ نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي إلى أن بلغ %3.8 على أساس سنوي في الربع الأول عام 2023، في حين انخفض بنسبة 1.4% بالمقارنة للربع الرابع 2022.
غير أن القطاع غير النفطي استمر في أدائه الإيجابي مدعوماً بأنشطة القطاع الخاص حيث بلغت مساهمته من إجمالي النمو بالأسعار الحقيقية 2.59% على أساس سنوي في الربع الأول 2023. وبالنظر إلى الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي حسب نوع النشاط الاقتصادي، لازال قطاع النفط يلعب دورًا مهمًا في اقتصاد المملكة العربية السعودية، حيث شكلت حصته 26.7% من إجمالي الناتج المحلي، وبلغت نسبة نموه %2 على أساس سنوي في الربع الأول 2023، بينما تراجع نموه بنسبة 4.8% بالمقارنة للربع الرابع 2022.
كما بلغت حصة قطاع الخدمات الحكومية 15.3% من إجمالي الناتج المحلي، وحقق نمواً بلغ 4.9% على أساس سنوي خلال نفس الفترة، بينما بلغت حصة قطاع الصناعات التحويلية ما عدا تكرير الزيت 9.7% من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، ونما بنسبة 2.3% في نفس الفترة من عام 2023 على أساس سنوي. (الرسم البياني رقم 4).
الرسم البياني رقم 4: مساهمة نمو القطاعات في إجمالي نمو الناتج المحلي الإجمالي
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال