الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تتجه المملكة اليوم نحو التشريع؛ أي صياغة قواعد تنظيمية عامة وتفصيلية جاهزة وملزمة للمخاطبين بها، الأمر الذي يقلل من تباين الأحكام القضائية.
إن احتمال سوء التقدير في تفسير القواعد الشرعية ذات المعنى الواسع، يوضح ضرورة وضع معايير قانونية أكثر تفصيلا تساعد على تحقيق العدالة الناجزة.
ولحل هذه الإشكالية، يمكن القيام بما يلي:
أولاً: ليس من الضروري إصدار تشريع، بل يمكن أن يتم إصدار تعاميم أو قرارات داخلية من وزارة العدل للقضاة بالاستناد على القاعدة الشرعية، مع اشتراط تقديم المدعي لإثبات واضح حتى يتم الاستناد على القاعدة الشرعية؛ مثل التعميم الصادر عن وزارة العدل بخصوص توحيد تفسير القواعد بصدد فسخ العقود أو التخفيف من التزاماتها بعد أزمة كوفيد-19 استناداً على الظروف الطارئة والقوة القاهرة.
وهكذا، يكون العمل القضائي مستندا على معيار محدد لتفسير القاعدة الشرعية، وهو الأمر الذي يسمح بتوحيد التفسير وتجاوز عيوب إساءة التقدير التي قد تجعل القاضي يفسر القاعدة بشكل مغاير لمقاصدها.
ثانياً: إصدار تشريع مكتوب ومفصل وملزم للقضاة يحدد معايير موضوعية لتطبيق القواعد على الوقائع التفصيلية، مثل نظام المعاملات المدنية في الشق المدني، ونظام مكافحة الرشوة في الشق الجزائي.
لكن ما هو الأثر الجوهري للتشريع بغاية تجاوز إشكالية الاجتهاد والتفسير؟
يرى الاتجاه المؤيد للتشريع أن منح القاضي سلطة التفسير تجعل الناس في حيرة من أمرهم إزاء حقوقهم، وقد تؤدي إلى التباين في الأحكام القضائية بسبب اختلاف التفسير بين القضاة لذات القاعدة الشرعية.
وانطلاقا من هذه الرؤية، يرى أنصار اتجاه التشريع ضرورة إصدار قوانين يشرعها مختصون، بحيث تضع قواعد عامة وتفصيلية صريحة لكل معاملة أو منازعة، بحيث يقوم القاضي فقط بالتأكد من اكتمال الشروط المذكورة في القاعدة على الواقعة المعروضة أمامه.
فإذا صدر قانون يحدد فيه الحالات التي يحق فيها لكل شخص المطالبة بحقه، فيتوجب على القاضي الالتزام بالحالات المذكورة في القانون لأنه تشريع ملزم، بغض النظر عن اقتناعه، ومهما كانت وجهة نظر القاضي متعارضة مع شروط القانون.
ففكرة التشريع في المملكة تقوم على صياغة الأحكام في مواد قانونية وفق قواعد الشريعة الإسلامية، فوظيفة القانون هنا مجرد تحديد التفسير الأدق للقاعدة الشرعية من جهة، وتفصيل الحالات بتشريع قواعد جزئية تفصيلية للحالات التي لم يذكرها الشرع على أن تكون تلك القواعد متناسبة مع رؤية الشريعة من جهة أخرى.
في هذه الحالة، يكون التشريع مجرد نظام فرعي يتبع للأصل الذي لا نقاش فيه وهو الشريعة الإسلامية، فيكون التشريع عملية تابعة للأصل الشرعي وجودا وعدما.
نتساءل هنا
ما هو أثر فكرة التشريع على المجتمع؟
أولا: أثر التشريع على دور المحامي: ينحصر دور المحامي في ظل التشريع في استيعاب التشريعات وتحديد القواعد الأفضل لعملائه سواء في المرافعات أم الاستشارات وتنظيم العقود. وهذا ما يسهل عمل المحامي لكنه، يقيد المساهمة الفعلية للمحاماة في اكتشاف القاعدة وتطبيقها على الحالة القانونية.
ثانيا: أثر التشريع على دور القاضي: يؤدي إصدار التشريعات إلى تقييد السلطة التقديرية للقاضي، خاصة في ظل التشريعات المدنية والتجارية، فدور القاضي يقوم على تطبيق الواقعة محل النزاع على النص القانوني، أما في التشريعات الجزائية فيكون للقاضي دورا جوهريا فيما يخص مدى اقتناعه بالإدانة من عدمها.
ثالثا: أثر التشريع على الجهات الحكومية: يكون على الجهات المحكومة بتشريع معين احترام التشريعات التي تنظم عملها وتحدد اختصاصاتها وتضع أبعادا لسلطاتها، كل ذلك تحت طائلة الحكم بإلغاء القرار الإداري المخالف للتشريع وتعويض المتضررين. هذا الأثر التشريعي ينشر حالة من الطمأنينة لدى الناس أصحاب المصالح مع الجهات الحكومية.
رابعا: أثر التشريع على الأفراد: يعرف الأفراد المحكومين بتشريع صريح حقوقهم وواجباتهم، فلا يجوز مفاجأتهم بأي التزام عام أو غامض غير منصوص عليه بشكل صريح، لكن التشريع يفترض علم الأفراد بالقوانين فلا جهل بالقانون ويحاسبهم على هذا الأساس.
وبالمحصلة
إن اعتماد آلية التشريع يساعد على زيادة مستوى الشفافية لدى الأفراد حول واجباتهم، مما سينعكس على قدرتهم على حماية حقوقهم، و تثمير أموالهم، والامتناع عن ارتكاب المخالفات والجرائم كما نص عليها القانون.
إن الآثار الناتجة عن تطبيق التشريع لا تضمن عدالته، لأن قدرة القانون على الوصول للعدالة في أي مجتمع مرتبطة بمدى حسن تقدير المنظم للقواعد وفق ظروف المجتمع وثقافته، وبمدى قدرة المنظم على تحقيق المرونة التي تجعل القانون متناسباً مع الإشكاليات الواقعية ومتناغماً مع العقيدة الشرعية التي يؤمن بها المجتمع ويرفض تطبيق ما يخالفها؛ كل ذلك حتى لا يتحول التشريع إلى حبر على ورق.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال