الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يعود مصطلح الميتافيرس (Metaverse) إلى رواية الخيال العلمي الشهيرة تحطم الثلج (Snow Crash) للكاتب الأمريكي نيل ستيفنسون (Neal Stephenson) والتي كتبها عام 1992م واستخدم فيها مصطلح الميتافيرس لوصف العالم الخيالي أو الواقع الافتراضي في روايته، وهو بحسب الرواية عالَم افتراضي يتيح للأشخاص التفاعل بعضهم مع بعض في فضاء ثلاثي الأبعاد باستخدام (أفاتار) تحاكي الواقع، وتأتي أهمية هذه الرواية ليس فقط لكونها إحدى الروايات التي تنبأت بالتطور الثقافي والاجتماعي والتكنولوجي، وصورت التناقضات والصراعات المرتبطة بهذه التطورات، بل لكونها طَرَحَت بنظرة تنبئِيَّة واستشرافية مصطلح (الميتافيرس)، وهو مصطلح يتألف من جزأين: (Meta) وهي في الأصل كلمة يونانية تعني (ما بعد) في إشارة إلى أن هناك المزيد، (Verse) وهي اختصار للكلمة الإنجليزية (Universe) وتعني الكون، وبالتالي فمفهوم الميتافيرس يشير إلى عالم افتراضي جديد يتجاوز فيه الأشخاص قيود وتحديات المكان والزمان والهويات، ويتيح لهم الإبداع والابتكار في عوالم افتراضية متنوعة.
في حين أن فكرة الميتافيرس كانت في يوم من الأيام خيالًا علميًّا ظهرت في فترة زمنية سابقة لعصر الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي يستحيل معه تصديق حدوثها، يبدو الآن أنها قد تكون حقيقة واقعة في المستقبل القريب جدًّا، فمع إعلان مارك زوكربيرغ (Mark Zuckerberg) الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك تغيير اسمها إلى (Meta) في 28 أكتوبر 2021م، وجعل الميتافيرس أساسًا لمشاريعها المستقبلية، وتبني العديد من الشركات الاستثمار في تطوير تكنولوجيا الميتافيرس والذكاء الاصطناعي، تبدأ مرحلة جديدة ورحلة طموحة لبناء نسخة مستقبلية من الإنترنت تسمى (Metaverse). وهو ما قد يراه البعض تجسيدًا لبعض ما ورد من تصورات وخيالات علمية في رواية نيل ستيفنسون، وبحسب وصف Ball (2022) الحديث لمفهوم الميتافيرس فهي شبكة موسعة من عوالم افتراضية ثلاثية الأبعاد يمكن تجربتها من عدد غير محدود من المستخدمين بشكل متزامن ومستمر وفي الوقت الفعلي، وببساطة أكثر فقد وصفها Bosworth and Clegg (2021) بأنها عبارة عن مجموعة من المساحات الافتراضية التي يمكن إنشاؤها واستكشافها مع أشخاص آخرين لا يتواجدون بالضرورة معًا في نفس المساحة والنطاق المادي الحقيقي.
وبالتالي فالميتافيرس قد يكون هو العالم –الافتراضي أو الموازي– الجديد الذي سنتواصل فيه؛ نجتمع ونلعب ونمارس فيه الوظائف ونبتكر ونقوم بأعمال تجارية، ونسوق لمنتجاتنا وأفكارنا بتكنولوجيا ثلاثية الأبعاد، ومن المتوقع أن تُحدِث هذه التكنولوجيا الجديدة ثورة في جميع مجالات الحياة والعمل في المستقبل القريب جدًّا مثل الرعاية الصحية، التعليم، عمليات المدفوعات، الترفيه، التسوق، السفر والسياحة، والخدمات، المال والأعمال التجارية، والعقارات وغيرها من المجالات التي قد يصعب علينا تخيُّلها والتفكير فيها في الوقت الراهن، وستوجِد هذه الثورة أسواقًا وفرصًا وابتكارات جديدة في جميع المجالات، وستتطلب أيضًا مهنًا ومهارات وشهادات جديدة، وبحسب التوقعات الإحصائية لموقع (Statista) من المتوقع أن يتجاوز حجم سوق الميتافيرس عالميًّا حاجز الـ(900) مليار دولار في عام 2030م.
في أبريل 2020م، أقام مغني الراب ترافيس سكوت (Travis Scott) حفلة موسيقية غير مسبوقة داخل لعبة الفيديو الشهيرة فورتنايت (Fortnite)، استمر الحفل الموسيقي مدة عشر دقائق، وقُدّم برسومات وألوان نابضة ومفعمة بالحياة، ومجموعة مذهلة من الأشكال والحركات والرقصات، وكان الحفل وقتًا مناسبًا ومثاليًّا لتقديم أغنية جديدة، وساهم ذلك في انتشارها ورواجها بعد فترة وجيزة من الحفل في جميع المحطات ومنصات التواصل الاجتماعي، المذهل في موضوع هذا الحفل الافتراضي ليس الشهرة والشعبية التي حصل عليها المغني، فهو مشهور قبل هذه الحفلة، ولكن تجمُّع حوالي 27.7 مليون مستخدم، وتحقيق أرباحٍ أضعاف أرباح الحفلات التقليدية، وبالتالي فالميتافيرس وتطبيقاتها سيكون منصة مناسبة، وفرصة رائعة للمسوقين لاستثمارها والاستفادة منها.
وفي الواقع، فمن الطبيعي والمنطقي أن يأخذ التسويق زمام المبادرة والريادة في هذا المجال، لتمكين هذه التقنية وتطبيقاتها المختلفة والاستفادة منها في خدمة الإنسانية؛ فالتسويق بطبيعته متجدد ويعتمد بشكل أساسي على عنصري الابتكار والإبهار، فهو يهدف دومًا إلى تحسين وتسهيل حياة الناس وتطويرها، والإسهام في الرفاهية المجتمعية، وقد بدأت بالفعل العديد من العلامات التجارية في استخدام تكنولوجيا الميتافيرس والذكاء الاصطناعي، والاستشعار، والواقع المعزَّز والافتراضي في استراتيجيات وممارسات التسويق.
فمثلًا دلوكس (Dulux) -العلامة التجارية الرائدة في مجال الدهانات في المملكة المتحدة- طورت بالتعاون مع شركة تقنية متخصصة تطبيق تخيلي (Dulux Visualizer App) للأجهزة المحمولة يُقدم ميزة التفاعل التخيلي لمساعدة عملائها على اختيار الألوان بثقة كبرى، وأطلقت إيكيا (Ikea) -عملاق بيع الأثاث- تطبيق ( (IKEA Place للواقع الـمُعزَّز والذي يمكّن العملاء من تجربة قطع الأثاث قبل شرائها، ومكّنت سيفورا (Sephora) النساء من تجريب منتجات التجميل واختيار الألوان من خلال تطبيق مُعزّز للواقع يُسمى (Sephora Virtual Artist)، وأضافت نايكي ( Nike) – عملاق الملابس والأحذية والأدوات الرياضية – ميزة الواقع الـمُعزَّز الجديدة في تطبيقها (Nike Fit)، حيث ساعدت هذه الميزة عملاءَها على تحديد مقاس حذائهم الحقيقي، الفنادق والمنتجعات أيضًا مثل فندق كيمبتون جراي (Kimpton Gray) في مدينة شيكاغو، فندق ويتني (Whitney) في مدينة بوسطن ، فندق إن إتش أتلانتا بروكسل (NH Collection Brussels Centre) في بلجيكا، وظفت تقنية الجولات ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي لتمكين عملائها المحتملين من استكشاف مرافقها وصالاتها الرياضية وخدماتها، ومعرفة مساحات الغرف والفروقات فيما بينها، وبالتالي تسهيل قرارات التنسيق والحجوزات.
ويبدو -تحديدًا- أن شركة نايكي (Nike) أكثر جرأة وجدية لدخول عالم الميتافيرس أو العالم الافتراضي ثلاثي الأبعاد، فقد اتخذت مؤخرًا عددًا من القرارات الاستراتيجية للاستثمار في هذا المجال، فقد أعلنت في نوفمبر 2021م عن شراكتها مع منصة روبلوكس (Roblox) لألعاب الفيديو، وذلك بافتتاح نايكي لاند (Nikeland)، والتي تقدم مساحة لعب افتراضية تتيح للمستخدمين اللعب والاستمتاع، واستعراض وشراء منتجات واكسسوارات نايكي وتجسيدها في شخصياتهم وصورهم الرمزية في تلك الألعاب.
كما أعلنت في ديسمبر 2021م عن استحواذها على شركة (RTFKT)، وهي شركة لبيع الأحذية الرياضية الافتراضية للألعاب الإلكترونية، وعلى الرغم من أنه لا يوجد لدينا حاليًّا أرقام أو معلومات دقيقة عن حجم تأثير هذا التوجه على أرباح شركة نايكي أو على علامتها التجارية، إلا أنه يعطي مؤشرًا أن عالم الميتافيرس في طريقة لإحداث ثورة في عالم الأزياء والموضة، وفي التسويق بشكل عام.
إن من المنطقيّ أيضًا أن يكون الميتافيرس أكثر جاذبية للشريحة الديمغرافية الأصغر سنًّا، ممن ينتمون في الغالب إلى جيل زي (Generation Z) (مواليد بين عام 1997م إلى 2009م)، وجيل ألفا (Generation Alpha) (مواليد بين عام 2010م إلى عام 2025م)، فهم الأكثر تأثيرًا في العصر الرقمي -وبطبيعة الحال- هم الأكثر انجذابًا وتفاعلًا مع مثل هذا النوع من العوالم الافتراضية وتقنياتها، وبالتأكيد فهم من يجعل عملنا في التسويق أكثر إثارة ومتعة وديناميكية، ويدفعنا دومًا للابتكار والتجديد، ولكن أيضا لا يمكننا تجاهل الشرائح الديمغرافية الأخرى مثل جيل الألفية (Millennial Generation /Generation Y) (مواليد بين عام 1981م إلى 1996م) – وهو الجيل الأول الذي عاش في عصر الإنترنت – والفئات أو الثقافات الرقمية الأخرى مثل مجتمع النساء الشغوفات دومًا بالتجديد والابتكار، والتجارب الجديدة في عالم التسوق، ومواطنو الإنترنت – كما أطلق عليهم مايكل هوبن (Michael Hauben) – الذين يتعدى دورهم استهلاك المحتوى الرقمي إلى الإسهام فيه، وتطويره ونشره خدمة لمجتمعاتهم، فسيكون لهم دور رئيس أيضًا في نمو وازدهار هذه التكنولوجيا، ونجاح توظيفها في التسويق.
فالعملاء الرقميون -أو الميتافيرسيون إن صح التعبير- لا يتطلعون فقط للحصول على منتجات وخدمات تلبي وتشبع احتياجاتهم ورغباتهم فقط، بل هم شغوفون أكثر بالتجربة الممتعة والتفاعلية التي يحصلون عليها خلال مراحل رحلتهم لشراء واقتناء تلك المنتجات والخدمات واستخدامها، ويعتقدون أن تقنيات مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز ستمكِّنهم من الإحساس والشعور بالتجربة بشكل أكبر وأعمق، وستصبح بالنسبة لهم أساسية وحاسمة في الاقتناع، واتخاذ قرارتهم الشرائية بثقة ودقة كبرى، إضافة إلى كونها تجربة ممتعة، وبالتالي ستكون هذه التقنيات وغيرها من الاستراتيجيات التسويقية الأساسية التي يجب أن تتبناها العلامات التجارية.
هذه التوجهات والمعطيات تدفع للتوقع بأن يكون الميتافيرس هو مستقبل التسويق الجديد، وخيارًا استراتيجيًّا حتميًّا للعلامات التجارية، وهذا بكل تأكيد لا يعني أن الميتافيرس والذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها المختلفة ستحل محل أساليب وتقنيات التسويق الرقمية الحالية، أو حتى أساليب التسويق التقليدية الأصيلة، بل سيتم تركيز جميع هذه الجهود والأساليب لابتكار قيمة للعملاء، وتحسين تجربتهم المتكاملة مع العلامات التجارية؛ فالتكنولوجيا والميتافيرس والذكاء الاصطناعي ستكوِّن عنصرًا مهمًّا وحاسمًا لتحسين أداء المسوقين، وتطوير استراتيجيات التسويق، وبالتالي ابتكار قيمة للعملاء، وإيجاد تجربة مبتكرة وأكثر متعة وواقعية، وتتيح لهم الانغماس في تجربة تفاعلية مثيرة.
وسيتعيَّن على العلامات التجارية ومنظمات الأعمال -على حدٍّ سواء- لتمكين هذه التقنية وتوظيفها، والاستفادة منها في تطوير عملياتها واستراتيجياتها التسويقية العديد من المتطلبات، ومنها:
وسيكون لهذه المعدات والأجهزة انعكاس على أداء العمليات التسويقية بكل تأكيد، فقد جربت على سبيل المثال شركة دي اتش ال (DHL) –الشركة اللوجستية الرائدة في العالم– تزويد موظفيها بنظارات ذكية مزودة بواقع مّعزز في أحد مستودعاتها في هولندا لمساعدتهم في تسريع عملية التقاط الشحنات، وتقليل الأخطاء وأدى ذلك إلى زيادة الإنتاجية، وتحسين تجربة العملاء، ورفع مستوى الرضا لديهم.
في الواقع ستُحسِّن شبكات الجيل السادس (6G) التواصلَ في العوالم الافتراضية، وستُحسن أيضًا من أداء تقنيات الميتافيرس والذكاء الاصطناعي، والبيئات ثلاثية الأبعاد (3D)، وستساهم في زيادة فرص نجاحها واستخدامها تسويقيًّا، وهذا بكل تأكيد يفتح فرصًا وآفاقًا جديدة للعلامات التجارية لاستثمارها، وسينتقل الصراع بين العلامات التجارية من الواقع الحقيقي ليشمل الواقع الافتراضي أيضًا.
ولعل تصريح الرئيس التنفيذي لشركة نايكي (Nike) جون دوناهو (John Donahoe) حول استثمارات نايكي الحديثة في عالم الميتافيرس يعطي مؤشرًا أن الصراع في المستقبل بين العلامات التجارية سينتقل إلى البيئات الافتراضية، فقد أكد أن تلك الصفقات تسرِّع من التحول الرقمي لنايكي وتزيد من قدراتها وبصمتها الرقمية، وتتيح لها خدمة عملائها المبدعين والرياضيين في نقطة تلتقي فيها الرياضة والإبداع، والألعاب والثقافة.
– أنظمة الخصوصية وحماية البيانات: وتتضمن جميع الممارسات المتعلقة بجمع البيانات واستخدامها وحفظها، وحمايتها ومشاركتها ومعالجتها، وإتاحة إمكانية الوصول لها وتحديثها، وبكل تأكيد سيتطلب التفاعل والمشاركة في تطبيقات الميتافيرس جمع أو مشاركة معلومات من المستخدمين، أو استخدام صور وهوية رمزية ثلاثية الأبعاد (الأفاتار)، وسيتطلب ذلك بلا أدني شك ضمان أن تكون جميع المعلومات والبيانات الشخصية أو التقنية لجميع المستخدمين آمنة وسرية، وفي الحقيقة سيعطي المستخدمين الميتافيرسيين حماية هذه الجوانب أهمية كبيرة، فهم يرون مثلًا أن الأفاتار أو الصورة الرمزية ثلاثية الأبعاد تعرض بعض الجوانب الخاصة والشخصية لهم، فالأفاتار مثلًا من المتوقع أن يكون بمثابة أحد الوسائل الجديدة التي ستتمكن من خلالها العلامات التجارية من معرفة وفهم عملائها، وأماكن تواجدهم وأذواقهم، وسلوكهم الشرائي وغير ذلك، وبالتالي يتوجب على العلامات التجارية تطوير أنظمتها الخاصة بالخصوصية وحماية البيانات لعملائها لاستيعاب هذا المستجدات.
– أنظمة لضبط التعاملات التي تقع في هذه العوالم الافتراضية: ونقصد هنا وضع قوانين ومعايير وتشريعات لتنظيم التعاملات التي تحدث وتتم في هذه البيئات الافتراضية بين المستخدمين، فيما بينهم أو بين المستخدمين والعلامات التجارية، فهذه التنظيمات سوف تسهم في إتاحة بيئة موثوقة ومحفزة للمستخدمين؛ مما يزيد من احتمالية المشاركة والتفاعل، ويرفع مستوى الثقة فيها، وسيسهم بكل تأكيد في تطورها ونجاحها، وسيكون لجهات حكومية ومجتمعية بالإضافة للعلامات التجارية دور مهم في صياغة هذه الضوابط والتنظيمات.
– الموارد البشرية: في عصر الذكاء الاصطناعي ستواجه جميع المنظمات –بما فيها العلامات التجارية- تحديات كبيرة فيما يتعلق بالموارد البشرية، وستجد نفسها أمام قرارات مصيرية وحاسمة متعلقة بالاستقطاب والتطوير، وحتى التسريح وإنهاء الخدمات، فمثلًا قد تتطلب بعض معدات وأجهزة وبرامج الذكاء الاصطناعي مهارات وتخصصات محددة، وقد يتطلب ذلك استقطاب كفاءات معينة أو يستلزم مزيدًا من التطوير والتأهيل للموظفين، فما يميز هذا العصر الحاجة إلى مفكرين مبدعين ومبتكرين أكثر من أشخاص تقليدين، وستكون أيضًا أتمتة بعض الوظائف والعمليات خيارًا حتميًّا، فمثلًا قد تحل روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي الخاصة بالمحادثات (أوChatbots) محل البشر، لمساعدة العملاء والإجابة عن استفساراتهم، وتلبية احتياجاتهم، فعلى سبيل المثال – وأرجوا هنا ألَّا يغضب مني أصدقائي صانعي القهوة- طورت شركة كافية اكس (Café X) في الولايات المتحدة الأمريكية -وهي علامة تجارية لسلسلة مقاهي تقدم مشروبات مصنوعة بواسطة التكنولوجيا الروبوتية– روبوتات مزودة بذكاء اصطناعي يعمل (كباريستا)، لإعداد وتقديم القهوة، ويتيح للعملاء الاستمتاع بقهوتهم بالمواصفات والمذاق المطلوب بسرعة ودقة متناهية، وعمومًا لا يعني هذا بالضرورة التخلي عن الموظفين والمسوقين، ورجال المبيعات من أصحاب المهارات والخبرة، فعلى الرغم من القدرات الهائلة للذكاء الاصطناعي في تحليل ومعالجة البيانات واتخاذ القرارات، إلا أنه سيظل البشر هم الأكثر قدرة على فهم البشر الآخرين، وسيكون بالتأكيد تحقيق التوازن بين الذكاء الاصطناعي والبشري متطلبًا أساسيًّا للاستفادة منها في عمليات التسويق وأنشطته، كل ذلك في الواقع يستلزم إعادة النظر وتطوير سياسات المنظمات المتعلقة بالاستقطاب، وتدريب وتطوير الموارد البشرية أو في إنهاء الخدمات، وفي هذا السياق صرحت النائب الأول لمدير عام صندوق النقد الدولي غيتا غوبينات (Gita Gopinath) مؤخرًا لصحيفة فايننشال تايمز عن القلق الذي ينتابها من تأثير استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الوظائف، وتأخر وضع القوانين اللازمة لتنظيمه لحماية المجتمعات، وأكدت على الحاجة للتحرك السريع من الحكومات والمنظمات لوضع التشريعات اللازمة.
وفي حديث شيق لجون دوناهو (John Donahoe) الرئيس والمدير التنفيذي لشركة نايكي (Nike) عن الاستثمار في التقنية والتحول الرقمي ذكر أنها تقود نموّ أرباح وإيرادات العلامة التجارية الرياضية الأشهر في العالم نايكي، وأنها ساهمت في زيادة عائدات الشركة، وفي نفس السياق ذكر جون ريني John Rennie) ) المدير المالي ونائب الرئيس التنفيذي لعملاق تجارة التجزئة في الولايات المتحدة الأمريكية وول مارت (Walmart) في مؤتمر ريموند جيمس للمستثمرين المؤسسين (2023 Raymond James Institutional Investors Conference) في مارس من العام الحالي عن عزم وول مارت على التركيز على استثمارات البنية التحتية التقنية والرقمية؛ لأنها تتوقع مستقبلًا يتحول فيه المزيد من عملائها إلى الإنترنت، وبالتالي فمن المتوقع أن تشهد الشركة انخفاضًا ملحوظًا في أرباحها من متاجرها التقليدية، ويرى جون ريني أن زيادة الإنفاق على التكنولوجيا والاستثمار في تطويرها في الشركة سيسهم في زيادة الأرباح على المدى الطويل، فمثلًا تراهن الشركة على أن روبوتات المستودعات ستسهم في تحسين كفاءة سلسلة التوريد والعمليات التسويقية، وستسهم في خفض التكاليف على المدى الطويل، وفي الحقيقة بدأت بالفعل مؤخرًا بعض متاجر وول مارت مثل متجر وول مارت في ليفيتاون في نيويورك في تجريب المعمل الذكي للبيع بالتجزئة (Intelligent Retail Lab)، وتقديم نموذج مختلف لمستقبل تجارة التجزئة من خلال تزويد المتجر بمجموعة من أجهزة الاستشعار والكاميرات والمعالجات، والشاشات التفاعلية، ومركز البيانات التي تدعم الذكاء الاصطناعي، حيث تعمل هذه التقنيات على تحسين كفاءة وإنتاجية العاملين، وتقديم تجربة مبهرة لعملاء المتجر، فمثلًا تساعد أجهزة الاستشعار على الكشف على كميات وأنواع المنتجات في الأرفف ومدى توفرها، وبالتالي الاستجابة السريعة لتوفير البضائع للعملاء، إضافة إلى المتعة التي يحصل عليها العملاء من الشاشات التفاعلية الذكية ومراكز المعلومات أثناء عملية التسوق والشراء.
فعلى الرغم من أنه لم يكن أحد يتوقع في يوم من الأيام أن نؤدي أعمالنا عن بعد، أو أن تكون اجتماعاتنا العائلية، وفصولنا الدراسية، واجتماعات العمل عبر الإنترنت، إلا أنها حدثت بالفعل واستمر بعض منها حتى بعد انتهاء الجائحة، حقيقةً إنه من الصعب التنبؤ بما قد يحدث من تغيرات في سلوك البشر في عصر الميتافيرس، فمن الوارد جدًّا أن نجد أنفسنا في فصول دراسية وقاعات تدريب افتراضية، وأبعد من ذلك قد نجد أشخاصًا يشترون مساحة في العالم الافتراضي للعيش فيها!
قد يبدو لبعضهم أن استخدام تطبيقات الميتافيرس والذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والمعزز والمختلط وغيرها في التسويق بعيدة وصعبة التطبيق، أو ربما قد يعتبرها بعضهم تقنيات كمالية، ولن يتم استخدامها على نطاق واسع، ولن تحقق نجاحًا ملحوظًا، ولكن ما نراه اليوم من سباق عالمي لتمكينها والاستفادة منها يجعلنا نكون أكثر تفاؤلًا في أنها ستحدث ثورة غير مسبوقة في جميع المجالات –وتحديدًا في مجال التسويق والمال والأعمال- وقد تغزو -قريبًا- هذه التقنيات المتاجر التقليدية، ومن المتوقع أن نرى في المستقبل القريب روبوتات مزودة بالذكاء الاصطناعي تستقبل العملاء وترشدهم إلى أماكن المنتجات، وتساعدهم في تحديد احتياجاتهم، وقد يتم تزويد المتاجر التقليدية بأنظمة وأجهزة استشعار تستطيع قراءة الخصائص الديمغرافية أو الجسمية للعملاء، أو كاميرات ذكية لديها قدرة على التعرف على عملائها واستخدام البيانات المخزنة عن سلوكهم الشرائي، لاقتراح ما يناسبهم من منتجات وخدمات، وسيتم استخدام طائرات الدرون المسيرة في توصيل الطلبيات، وقد يتم استبدال غرف القياس التقليدية بغرف قياس معزز بتكنولوجيا الواقع، وربما نجد أسواقًا افتراضية، وعملاء افتراضيّين يتجولون ويتسوقون.
وعلينا أيضًا أن ندرك أن استخدام وتوظيف تكنولوجيا الميتافيرس والذكاء الاصطناعي في التسويق لن يتوقف فقط على ما سبق أن ذكرناه من تقنيات في المقال، بل سيكون لها دور حيوي وهام في ممارسات التسويق الأخرى، مثل تحليل الأسواق وتجزئتها، وتحليل سلوك المستهلك، وتطوير المنتجات، وتصميم الإعلانات وغيرها –وهو مالم نتطرق له في هذا المقال، وربما نحتاج لمناقشة تلك الأفكار والموضوعات في مقالات أخرى- وبالتالي فيجب أن يكون استخدام الميتافيرس والذكاء الاصطناعي وتمكينها خيارًا استراتيجيًّا تتبناه العلامات التجارية، ومنظمات الأعمال إذا أرادت النموَّ والازدهار.
وأخيرًا، لعل القراء الكرام يتبادر إلى أذهانهم سؤال يهمنا كسعوديين: «هل المملكة مستعدة لهذا التحول؟»، في الحقيقة يعتبر السوق السعودي أرضًا خصبة لتبني التكنولوجيا واستخدامها، وقد تكون تجربتنا في المملكة في تسويق الخدمات الحكومية من خلال تطبيقَيْ (أبشر)، و(توكلنا خدمات) مثالًا رائعًا للاستخدام الأمثل للتكنولوجيا في التسويق، وقد حصلت المملكة مؤخرًا على مراكز متقدمة في استخدامها للذكاء الاصطناعي، ومنها المركز الأول عالميًّا في مؤشر الاستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي الصادر عن تورتويس انتليجينس (Tortoise Intelligence)، الذي يقيس أكثر من 60 دولة في العالم.
وهذا المؤشر يقيس مدى وجود استراتيجية وطنية مخصصة ومعتمدة للذكاء الاصطناعي في المملكة، ووجود جهة حكومية مخصصة للذكاء الاصطناعي، ووجود تمويل وميزانية خاصة بالذكاء الاصطناعي، وتحديد ومتابعة مستهدفات وطنية خاصة بالذكاء الاصطناعي، وإن من أهم مستهدفات هذه الاستراتيجية تمكين أفضل تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي، وبناء البيئة التشريعية، وتشجيع الاستثمار في البيانات والذكاء الاصطناعي، وتحفيز وتبني تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي، كل هذا في واقع الأمر يعد محفزًا للعلامات التجارية سواءٌ المحلية أو العالمية للاستثمار في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ويجعل المسوقين متعطشين لاستثمار الفرص المتاحة لتوظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الاستراتيجيات والعمليات التسويقية.
والجدير بالذكر أننا في المملكة بالفعل نقترب أكثر من استثمار وتوظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسانية، وبناء مجتمعات أكثر استدامة، فنحن نتطلع بشوق إلى افتتاح مدينة المستقبل السعودية (ذا لاين)؛ لتكون أول مدينة ذكية إدراكية في العالم تدار بالكامل بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتُسخِّر الميتافيرس والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لإيجاد حلول مبتكرة، ترتقي بجودة الحياة وتجعل حياة الناس ومنظمات الأعمال أسهل وأمتع وأكثر إنتاجية، وسيكون استخدام هذه التقنيات في مدينة (ذا لاين)، أو – في (ميتا لاين) السعودية إن صحت التسمية- لخدمة الإنسانية واقعًا ملموسًا وقصة حقيقة، وليست خيالًا علميًّا تكتب في روايات يصعب تصديقها.
المراجع
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال