الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
البيت الاستراتيجي
القسم السادس من الاستراتيجية الوطنية للصناعة احتوى على المعالم الأساسية العامة لخطة الصناعة المستقبلية في المملكة العربية السعودية، وتم تصوير ملامحها العامة على شكل بيت رمزي يحتوى الأبعاد، والأهداف، والمحاور والممكنات، ونقاط القوى بشكل متكامل. البيت الاستراتيجي يفترش قواعد خمس ( مواطن القوى ) هي: رأس المال والقوة الشرائية، والسياسات النقدية المستقرة، والموارد الطبيعية، والشركات الوطنية، والموقع الجغرافي. ومن الملاحظ أن مواطن القوى المشار إليها في هذا القسم من الاستراتيجية لا تتوافق بشكل كامل مع مواطن القوى التي ذكرت في القسم السابق منها، وهذه من الملاحظات العامة التي تظهر التباين في نسق محتويات وعرض الاستراتيجية .
وينتصب البيت الاستراتيجي على عمودين أساسين هما القطاع العام والقطاع الخاص، و يستظل بسقف الرؤية العامة وهي : بناء اقتصاد صناعي مرن ومستدام وتنافسي يقوده القطاع الخاص. ويشمل داخل هذا البيت الرمزي ثلاثة أهداف استراتيجية (سبق وأن أشرنا إليها في مقالات سابقة )، وأربعة محاور تمكينية. وهذه المحاور التمكينية والتي تمثل قلب الاستراتيجية النابض هي : (1 ) تنمية وتعزيز ثقافة الابتكار والمعرفة، و (2 ) تنمية بيئة الأعمال الصناعية، و (3) تعزيز التجارة الدولية، و(4) بناء وتعزيز سلاسل إمداد بمعايير عالمية.
حددت الرؤية العامة للاستراتيجية دور القطاع العام بتوفير سياسات وبيئة عمل تمكن القطاع الخاص من المشاركة الفعالة في تحقيق أهداف الاستراتيجية، والذي بدوره سيشترك وبفعالية في جعل الاقتصاد الصناعي الوطني قوة تنافسية ومتنامية للمملكة.
لن أتطرق في هذا المقال للأهداف الاستراتيجية الثلاثة العامة، لأنه سبق وأن فصلنا فيها، واقترحنا إعادة صياغتها بأسلوب آخر يجعلها أكثر مواءمة لتفاصيل الاستراتيجية الصناعية.
محاور التمكين الأربعة يندرج تحتها تفاصيل الممكنات ودور كل ممكن في تحقيق هدف المحور المرتبط بهذه الممكنات. حددت الاستراتيجية 15 ممكنا تدعم هذه المحاور الأربعة، وقد قامت وزارة الصناعة والثروة المعدنية لاحقاً بتبني العشرات من الممكنات إضافة لما تم تحديده في الاستراتيجية ومنها ممكنات تتعلق بالرقمنة، والتنمية البشرية، والتمويل، وعدالة المنافسة، والخدمات الاستشارية، ونأمل أن تضاف هذه الممكنات الجديدة للنسخة القادمة من الاستراتيجية.
تنمية وتعزيز ثقافة الابتكار والمعرفة هو الجذر الأساس لكل الممكنات وتعزيز التجارة الدولية هو الثمرة الأخيرة لها؛ فتواجد الصناعة الوطنية كمنافس عالمي هو المعيار الذي يقاس عليه كل ما سبق من ممكنات. أحد العوامل المهمة التي تجعل الشركات السعودية أقل قدرة على المنافسة في السوق العالمية هو حالة من الرضا عند أغلب الشركات السعودية إما بالاكتفاء بالسوق المحلي أو تصدير المواد البتروكيمائية الأساسية مدعومة اللقيم، مع الاستجابة البطيئة للبيئة الصناعية العالمية المتغيرة التي تقوم على التنافس في البحث والتطوير.
لو نظرنا لتايوان وكوريا على سبيل المثال نجد أن تجربتهما تظهران أن الميز التنافسية سريعة الزوال وعابرة، وأنه يجب على الشركات التايوانية والكورية العمل باستمرار للحفاظ على ميز تنافسية قائمة، أو لخلق واستغلال ميز تنافسية لم تكن موجودة من قبل. ونلاحظ أن المحاكاة والتعلم بالممارسة ونقل التكنولوجيا والنظام التعليمي، وكذلك البحث والتطوير الأصلي تلعب دوراً محورياً في التقدم الصناعي لتايوان وكوريا.
صحيح أن الاستراتيجية الوطنية قد أقترحت إنشاء مراكز ابتكار مدفوعة خدماته الثمن لدعم بحوث الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلا أن هذا الاقتراح قد يحل جزءاً بسيطاً من التحدي فقط، ولا يلامس أصله. البحث والتطوير هو وظيفة أساسية من وظائف الشركات، وربطه بالدعم الحكومي والحوافز قد يساعد في خفض تكاليفه المتوقعة، ومن ثم تشجيع القطاع الخاص على اتخاذ خطوات أكثر جرأة في هذا المضمار. محور الابتكار والمعرفة يحتاج لمدخلات أكثر شمولاً وعمقاً من وزارة التعليم، والعمل، والصناعة، والقطاع الخاص؛ مع دراسة لتجارب عالمية ناجحة مثل تجارب كوريا وتايوان وفنلندا لإعطاء هذا المحور الأهم مكانته التي يستحقها في خططنا المستقبلية.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال