الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
كيف يمكن أن يغير صندوق الاستثمارات العامة قواعد اللعبة؟
في ثنايا عرضها لأمثلة لبعض الصناعات التي تصب في تحقيق الهدف الأول من الاستراتيجية الصناعية؛ جاءت الصناعات الطبية وصناعات الأسلحة، وصناعة الاجبان والألبان ومنتجات الدواجن كأمثلة لفرص صناعية قائمة. الهدف الاستراتيجي الأول يدور حول خلق اقتصاد صناعي مرن يتكيف من المتغيرات، وقد عزز مفهوم هذا الهدف الآثار التي خلقها إنتشار وباء الفيروس التاجي ( كورونا )، وما لحقه من اختناقات في سلاسل الإمداد العالمية.
بينما كانت الأمثلة على فرص صناعية قائمة ومرتبطة بالهدف الثاني والذي يتعلق بقيادة التكامل الإقليمي لتلبية الطلب هي: صناعة الآلات والمعدات، ومراكز صيانة لشركات الطيران الإقليمية، ولم تحدد الاستراتيجية المقصود بالمنطقة الإقليمية، ولم تربط هذه الفرص بنقاط القوى التي تعزز هذا الهدف. فمن أهم نقاط القوى التي تدعم هذا الهدف: القوة الشرائية، والموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، نراها بمنأى عن وصف الفرص المرتبطة به .
جاء الهدف الثالث – محور مقالنا اليوم – مستهدفاً وضع المملكة في مرتبة الريادة العالمية في صناعة مجموعة من السلع المختارة بالاستفادة من تقنيات الصناعة الرابعة، ومثلت الاستراتيجية على ذلك بالصناعات المتعلقة بتحلية المياه، وصناعة المواد المتقدمة في صناعة السيارات والطائرات، ومواد البناء، وتقنيات صناعة المركبات صديقة البيئة. ويرتكز هذا الهدف المطلوب تحقيقه في عام 2035 على الميز التنافسية الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة في هذه الصناعات النوعية. وقد نبهت الاستراتيجية إلى موطن من أهم مواطن القوى المستقبلية للمملكة العربية السعودية إلا وهو صندوق الاستثمارات العامة وقدراته النوعية والشركات الوطنية الرائدة لبناء قاعدة صناعية، وامتلاك التقنيات النوعية للدخول في سلاسل القيمة العالمية، مما يساهم في رفع القدرات الفنية ونقل المعرفة.
في تصوري أن هذا الهدف وربطه بقدرات صندوق الاستثمارات العامة من أهم؛ بل هو أهم هدف متخصص في إرساء قواعد صلبة ونوعية لتوطين الصناعة النوعية، ونقل المعرفة، وتحول مستقبل صناعتنا إلى مستوى عالمي ينافس فيه أي صناعة وعلى أي مستوى.
صندوق الاستثمارات العامة السعودي ليس مجرد صندوق يسعى فقط للاستثمارات في الفرص ذات العوائد المجزية، وتحقيق أرباحا وعوائد مالية نتيجة لتعدد استثماراته نوعيا وجغرافيا. الصندوق يتجشم – إضافة للهدف الربحي والنمو وتنويع مصادر الدخل الوطني – مسئولية توطين الصناعات النوعية، ونقل المعرفة، وتطوير القدرات التقنية والفنية والممارسات الإدارية والصناعية المميزة للمنشئات الوطنية ولشباب وشابات الوطن.
في ظل تردد وتخوف الشركات الخاصة من تكاليف أو الفشل في الاستثمار في البحث والتطوير وتقنيات الصناعة الرابعة، وقلة نسبة القيمة الصناعية المضافة (MAV ) في صادراتنا، وسيطرة تصدير المواد الكربونية الأساسية وبعض مشتقاتها على معظم صادراتنا الصناعية؛ يعول على صندوق الاستثمارات العامة ليتسنم قيادة أهم هدف صناعي طويل الأجل : توطين التقنية ونقل المعرفة والابتكار والتطوير .
إن الابتكار القائم على المواهب يعد أهم محرك لقدرتنا على المنافسة، ومفتاحه الابتكار المدفوع بالمواهب، وظواهره توافر العلماء والباحثين والمهندسين وجودة وتجدد المنتجات الصناعية، وتوافر العمالة الماهرة، وإنتاجيتها وكفائتها التي تساعد على دفع أجندات الابتكار والنمو واستغلال فورة تقنيات الصناعية الرابعة .
لاشك أن خيار البحث والتطوير واستقطاب الباحثين وإنشاء مراكز البحث والتطوير والاستثمار في تقنيات الصناعة الرابعة؛ يصطدم لدى أغلب مستثمري القطاع الخاص بتكاليفه العالية مع طول المدة اللازمة لجني عوائده مما يجعله خياراً استثمارياً غير محبذ لدى معظم رجال الأعمال.
دعونا نتأمل الاستراتيجية الصينية (صنع في الصين 2025 ) والتي تستهدف بناء واحدة من أكثر الاقتصادات تقدما وتنافسية في العالم بمساعدة تقنيات التصنيع المبتكرة (التصنيع الذكي). تهدف الخطة الرئيسية الصناعية الصينية “صنع في الصين 2025” إلى تحويل البلاد إلى “قوة تصنيع عظمى ” على مدى العقود المقبلة. ستتحدى هذه السياسة الصناعية الأولوية الاقتصادية للاقتصادات الرائدة الحالية والشركات الدولية المنافسة للشركات الصينية. وتستهدف الاستراتيجية تقريبا جميع صناعات التكنولوجيا الفائقة التي تساهم بقوة في النمو الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة: السيارات والطيران والآلات والروبوتات والمعدات البحرية والسكك الحديدية عالية التقنية والمركبات الموفرة للطاقة والأجهزة الطبية وتكنولوجيا المعلومات على سبيل المثال لا الحصر.
ولو تأملنا في الاستراتيجية الصينية نرى وبكل وضوح أن الضغط السياسي الاقتصادي من خلال السياسات الحكومية، ومن خلال الشركات الحكومية؛ قد خلق طلبا هائلا على منتجات التصنيع الذكية مثل الروبوتات الصناعية وأجهزة الاستشعار الذكية وشبكات الاستشعار اللاسلكية ورقائق تحديد تردد الراديو. القيادة الصينية تتدخل بشكل منهجي في الأسواق المحلية من أجل الحصول على الهيمنة الاقتصادية للشركات الصينية الحكومية والخاصة وتسهيلها وضرب المنافسين الأجانب. هذا واضح في التصنيع الذكي وكذلك في العديد من صناعات التكنولوجيا الفائقة الأخرى التي تستهدفها الاستراتيجية الصينية المتحدية . صنع في الصين 2025 تهدف وبكل وضوح إلى استبدال التقنية الأجنبية تدريجيا بالتكنولوجيا الصينية في الداخل – وتهيئة الطريق لشركات التكنولوجيا الصينية لتدخل الأسواق الدولية بشكل مؤثر ومتواصل وخطف أكبر حصص فيها.
إن وضع استراتيجية صناعية خاصة بصندوق الاستثمارات العامة ذي القدرات الهائلة والنوعية وشركاته الصناعية تتمحور حول توطين التقنية، والمعرفة والابتكار؛ بمساعدة التصنيع الذكي، وتحديد الصناعات النوعية والتي تستفيد من مواطن القوى السعودية، وتتماهى مع الاستراتيجية الوطنية للصناعة العامة سوف يسرّع من تحقيق مستهدفات توطين التقنية بشكل عام وتحقيق بشكل خاص الهدف الثالث للاستراتيجية : تحقيق ريادة عالمية في مجموعة من السلع المختارة التي تتبنى تقنيات الصناعة الرابعة، والتركيز على مجالات البحث والتطوير والابتكار فيها.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال