الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في المقال السابق تحدثت عن نص نظام المعاملات المدنية حول التعويض عن الضرر المعنوي، واعتبار مثل هذا النص نقلة نوعية في القانون السعودي. كما اشرت ان التعويض عن الضرر المعنوي مطبق بالفعل في القانون الإداري والتجاري وإن كان في حدود ضيقة. وكان الحديث في أغلبه عند جميع المتخصصين عن صعوبة تقدير الضرر المعنوي، وهو أمر اتفق معه. ولعل من الأمور التي تزيد صعوبة تقدير الضرر المعنوي في الوسط القضائي والقانوني السعودي هو غموض مفهوم التعويض المعنوي عن الدول التي شقت طريقها في هذا الموضوع منذ زمن. موضوع الضرر و المسؤولية عن الضرر الذي يترتب عليه التعويض، هو موضوع ضخم جدا في القانون.
ربما اكتب عنه في مقالات قادمة بتفصيل أكثر لفهم طريقة تقدير التعويض عن الأضرار غير المادية. ولكن الآن، ولعلي في هذا المقال استوضح أنواع التعويض في الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الدول الاوربية لكي يكون لدينا فهم مبدئي عن سبب ارتفاع قيمة التعويضات الغير مبنية على الضرر المادي. و ليكن في حسبان القارئ، لن أحصر الحديث على المعاملات المدنية، وإنما سيتم التركيز على مفهوم المسؤولية التي يترتب عليها الحكم بالتعويضات.
اعتقد ان الكثير قد سبق له أن سمع عن قضايا تم فيها إلزام المدعى عليه بدفع مبالغ نقدية ضخمة من باب التعويض عن الضرر غير المادي. مثلا، هناك قضايا كثيرة رفعت على شركة ستاربكس بسبب نوعية اكوابها واغطيتها أو حرارة القهوة. منها القضية التي رفعت على ستاربكس في 2014، عندما طلبت الزبونة كوب قهوة من خلال مسار طلبات السيارات، و بمجرد استلامها للكوب وإمساكها به كما يمسكه الشخص الطبيعي، انفك غطاء الكوب لتنكب القهوة على الزبونه، مما يسبب لها حروق بسبب حرارة القهوة. تم رفع القضية على شركة ستاربكس من باب إهمالها في تقديم المنتج للمشتري من خلال عدم تصنيع اكواب باغطية مناسبة لها. ونتيجة هذا الاهمال، حكمت محكمة فلوريدا بـ 15000 دولار للفواتير الطبية و 85000 دولار للألم والمعاناة وتعويض تأديبي. وبالتالي، مجموع التعويض هو 100000دولار. ومن هنا نفهم ان الالم و المعاناة المقصود بها الضرر المعنوي، ولكن ليست فقط الضرر المعنوي وإنما تشمل الضرر التأديبي. وهذا الذي يجب أن يتم استيضاحه.
في أوروبا نجد أنهم يفرقون بين الضرر المادي وغير المادي، وقليلا ما نسمع استخدام مصطلح التعويض عن الضرر المعنوي. في أمريكا -وهي أكثر الدول تقدما في مجال التعويض عن الضرر- يتم التفريق بين التعويض عن الأضرار والتعويض التأديبي والذي يطلق عليه مصطلح (punitive damages). التعويض عن الأضرار نوعان: النوع الأول هو الضرر الذي يمكن تقديره بسهوله وهو الضرر المادي – النوع الثاني هو الضرر العام وهو الضرر الذي يصعب تقديره والذي يشير الى الضرر المعنوي وهو مايصيب شعور الانسان في كرامته أو شرفه او معتقداته او فقدان التمتع بالحياة وضياع الفرصة.
وهناك عدة طرق لتقدير الضرر العام أو الضرر الذي يصيب شعور الانسان، منها استخدام بعض المحاكم “طريقة المضاعف” ، والتي تحسب الأضرار العامة بضرب المجموع الإجمالي للأضرار الفعلية للفرد برقم يشير إلى خطورة الإصابة. في ولايات قضائية أخرى ، ستستخدم المحاكم طريقة “البدل اليومي” ، التي تربط قيمة الضرر المعنوي بمبلغ معين لكل يوم يعاني فيه المدعي وتضيف قيمة كل تلك الأيام معًا. في بعض الحالات ، ستستخدم المحكمة مزيجًا من هاتين الطريقتين لحساب التعويضات العامة.
النوع الآخر من التعويض وهو التعويض التأديبي وهو ما اشتهرت فيه محاكم الولايات المتحدة الامريكية والتي جمعت بين جبر الالم والمعاناة ليس فقط للمتضرر، وإنما منع تكرار مثل هذا الضرر والمعاناة. وهي تعويضات يتم فرضها على المحكوم ضده بسبب خرقه للعقد، ويفرض عليه دفع تعويض لتأديبه و منعه من الوقوع في نفس الخطأ مرة أخرى. بالطبع لا يتم المطالبة في بالتعويض التأديبي إلا بعد حكم المحكمة بالتعويضات عن الأضرار المادية و العامة “المعنوية”. وبالتأكيد، لهذا النوع من التعويض التأديبي شروطا وأحكاما مختلفة، وليست مطبقة على كل القضايا التعويضية.
وهذا الامر الذي من المهم الاستفاضة بمناقشته في الأوساط القانونية لكي يتم تصنيفه من ضمن التعويضات التي تفرض في حالات يكون فيها الاستهتار واضح بشكل يؤثر على حياة الآخرين المادية و المعنوية. وربما حتى دراسته بشكل او بآخر ليكون وسيلة من وسائل تقدير التعويض عن الضرر المعنوي. حيث أن التعويض عن الضرر المعنوي في حد ذاته، احيانا لا يردع المتسبب بالضرر من التسبب به مرة اخرى لاشخاص اخرين، بسبب ان التقدير المالي للتعويض عن الضرر المعنوي قد يكون قليل. ولكن احتمالية وقوع مثل هذا الضرر متكرره، وهذا يعني قضايا اكثر في المحاكم و متضررين كثر. ولذلك، رأت المحاكم الامريكي باضافة التعويض التأديبي، وهي سبب ارتفاع مبالغ التعويضات في المحاكم الامريكية لتقليل عدد المتضررين في المستقبل و تقليل القضايا التعويضات بشكل عام. وبالطبع التعويض التأديبي لها طريقة حساب تختلف من محكمة الى اخرى ومن قضية إلى قضية اخرى، ولكنها في النهاية لديها هدف يجمع ما بين تعويض تعويض المتضرر وتأديب المتسبب بالضرر بشكل يردعه من تكرار الفعل مرة أخرى مع شخص آخر.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال