الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
يتحدث هذا المقال عن سؤال طرحته إحدى الشركات الاستشارية على منصة LinkedIn، والذي يتطلب إجابة دقيقة وشاملة. ومن المهم الإشارة إلى أن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة ولا يمكن اعتبارها حاسمة بنعم أو لا، لأن الإجابة قد تختلف تبعاً للمكان والمجتمع الذي يتم التحدث عنه.
لا شك ان الله سبحانه وتعالى خلق الأرض ليستوطنها كثيرٌ من المخلوقات، وميز الإنسان من بينهم بميزات فريدة كالعقل والإدراك، ليتأمل ما في هذه الأرض من جمال وموارد ومقومات. وأمرنا الله سبحانه وتعالى بالسير في هذه الأرض والتأمُل في خلقه، حيث قال تعالى: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ” [العنكبوت:20]، وقوله تعالى: “سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَامًا آمِنِينَ” [الزخرف: 13]، وقوله تعالى: “وَقُلْنَا لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ” [البقرة: 58]، وقوله تعالى: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ” [الملك: 15].
كل هذه الآيات تشير إلى أن الإنسان مطالب بالسير في هذه الأرض بأمان وسلام، والاستمتاعِ بمواردها للأكل والشرب والتأمل دون خوفٍ من الجوعِ والعطش، وأن الله سبحانه وتعالى لن ينقص من هذه الموارد إذا اتبعنا أوامره، ولكن هذا لا يعني الإسراف والتبذير في استخدامها. بل على العكس، يجب علينا أن نحافظ عليها ونستخدمها بحكمة وتوازن، ونتجنب التصرفات اللامسؤولة التي تؤدي إلى إضاعة تلك الموارد وتدميرها.
يعتقد العديد من علماء وخبراء البيئة بوجود رؤية مختلفة تماما، حيث يرون أن معظم الموارد الطبيعية والأماكن التي يمكن أن تكون وجهات بيئية تقع خارج المدن أو حتى في دولٍ أخرى، مما يتطلب السفر بوسائل النقل المختلفة مثل الطائرات والسفن والسيارات. ويعتقدون أن هذه الوسائل، بسبب الانبعاثات الكربونية التي تصدرها، ستزيد من حدة التلوث البيئي والاحتباس الحراري، مما يجعل من الصعب جدًا جعل السياحة البيئية آمنة للوجهات الطبيعية وللأرض عمومًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن السياحة والسياح تتطلب إنتاجاً واستهلاكاً هائلاً للموارد الطبيعية من أجل تلبية حاجاتهم ورفاهيتهم، والذي زاد معه عدد المصانع في العالم، مما تسبب بالمزيد من الانبعاثات الكربونية. وقائمة الاضرار البيئية الاجتماعية وحتى الاقتصادية من السياحة تطول.
وفي الجانب الاخر يعتقد علماء وخبراء السياحة البيئية أن للسياحة تأثيراً على البيئة وجودة الحياة على الأرض، وأنها تشكل صناعة تؤثر على الكوكب مثل أي صناعةٍ أخرى أو تطورٍ حضري. ومع ذلك، فإن السياحة تمثل مصدراً اقتصادياً هاماً للدول والمجتمعات الصغيرة. ولا تقتصر الفائدة الاقتصادية للسياحة على هذا الجانب فحسب، بل إنها تساعد في المحافظة على تماسك المجتمعات، وخاصةً الفقيرة، وتساعد في الحفاظ على تراث وثقافات المجتمعات. إضافة إلى ذلك، فمن جانب المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية فإنه بدون التطوير السياحي لها، لن تستطيع الدول الاستمرار في إنفاق الموارد اللازمة لحمايتها أو دعم الأبحاث المتعلقة بالمحافظة عليها، دون تحقيق عوائد مالية يمكن استخدامها في الحفاظ على هذه الموارد، ولا يمكن ان تكون جميع المناطق الطبيعية او التاريخية محاطة بأسوار لغرض المحافظة عليها. وأخيرا وليس آخرا، قد يكون من المستحيل أن تقل الدول المعتمدة بشكل رئيسي على السياحة في اقتصاداتها حجم الطلب عليها من السياح، لأن ذلك سيؤدي بالطبع إلى تأثير سلبي على اقتصاداتها وعلى حياتهم.
باختصار، فإن الواقع يشير إلى أن الكثير من المجتمعات قد تواجه الموت جوعاً سواءً في حالة انخفاض الموارد الطبيعية أو في حالة تقليل الطلب على السياحة.
إذا ما هو الحل وخصوصاً في ظل زيادة ضغوط الحياة وارتفاع الحاجة للسفر والاسترخاء!. يرى الكثيرون من المهتمين بالاستدامة أن السياحة المستدامة هي الحل. سواءً كانت الوجهات السياحية بيئية أو حضرية، فإن تطويرها بما يتوافق مع أعلى معايير الاستدامة يعد الحل الأمثل. ويتم ذلك عن طريق وضع خطط وسياسات وإجراءات وعمل مؤسسي ملزم يتم تطبيقه من جميع القطاعات والمجتمعات المحلية. وبالرغم من أن هذا الإجراء قد يواجه العديد من التحديات والصعوبات، إلا أنه يبقى الخيار الأفضل عندما يتعلق الأمر بالاستفادة من الوجهات الطبيعية. فالتحديات التي يمكن مواجهتها في تطبيق المعايير المستدامة ستكون أسهل بكثير من عدم الاستفادة من الوجهات الطبيعية تحت ذريعة المحافظة عليها.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال