الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تُعد المدن المسبب الأساسي للثورة الاقتصادية؛ حيث تدر أكثر من سبعين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ووفقًا لمنظمة الأمم المتحدة: “يعيش نصف سكان العالم الآن في المناطق الحضرية. وبحلول عام 2050، سيكون ثلثي سكان العالم من سكان المدن”.
وكان انتقال السكان إلى المناطق الحضرية مدفوعاً بتحسين فرص العمل والتعليم، فضلاً عن تحسين الفرص الثقافية والترفيهية. ولكن التوسع الحضري السريع غير المستدام كثيراً ما أسفر عن الفقر الحضري والتطوير العشوائي وضبابية مستقبل المدن.
خلال العقد المنصرم برز مصطلح الاقتصاد الحضري في الشرق الأوسط وتردد صداه في أوساط المدن النامية التي تتطلع لمستقبل تنمو فيه تلك المدن وتزدهر ضمن خطط استراتيجية تقوم على الاستغلال الأمثل للميزة التنافسية التي تمثل نقاط القوة لتلك المدن، من هذه الخطط ما عزز مركز المدن في مجال الصناعة أو النقل أو السياحة وغيرها من المجالات.
ونتيجةً لضعف الاهتمام بهذا العلم في الشرق الأوسط وشُح المختصين والدراسات والبحوث أصبح ينمو “ببطء” الاهتمام بمجال الاقتصاد الحضري الذي يبحث في مختلف جوانب اقتصاد المدينة والنظام الحضري، بخلاف باقي العلوم التي أولت لها بعض الحكومات بالغ الاهتمام.
يعد الاقتصاد الحضري قاسمًا مشتركًا بين مختلف التخصصات كالجغرافيا والتخطيط الحضري والهندسة المعمارية وعلم الاجتماع وغيرها من العلوم التي ترتبط بشكل رئيس بتخطيط المدينة ونموها، حيث يتناوله كل تخصص بالدراسة من زاويتهِ.
الاقتصاد الحضري فرع من فروع علم الاقتصاد، يهتم بدراسة وتحليل مواقع الأنشطة الاقتصادية وتوزيعها الجغرافي وما يتعلق بها من الجوانب الاجتماعية والسياسية، كما يستكشف قرارات تحديد المواقع التي تتخذها الأسر التي تعمل لتعظيم الاستفادة والشركات التي تعمل على تعظيم الأرباح ويوضح كيف تتسبب هذه القرارات في تشكيل مدن ذات أحجام وأشكال مختلفة.
كما يبحث دور الحكومات في تحديد أنماط استخدام الأراضي وتصميم أنظمة النقل الحضري وأسعارها.
ويبحث الاقتصاد الحضري طبيعة المدن بوصفها مراكز حضرية ووظيفتها وتنظيمها من خلال التحليل الاقتصادي؛ لتفسير ظهور المناطق الحضرية وأقسامها وأحجامها وتحليل عوامل الجذب والطريقة التي يحدث بها التجدد الحضري لتعزيز التنمية المستدامة اجتماعيًا وبيئيًا للمستوطنات البشرية.
وينقسم الاقتصاد الحضري إلى فرعين رئيسين وهما الاقتصاد الحضري الكلي والاقتصاد الحضري الجزئي، فالأول يهتم بالقضايا التي تخص المدينة بشكل عام وعلاقتها مع الاقتصاد الإقليمي والوطني، والقسم الآخر يهتم بصورة أساسية بالقضايا الداخلية للمدينة فيتعامل مع نشاطات الأفراد والأسر والمنشآت.
يركز الاقتصاد الحضري على تعزيز الاستراتيجيات والسياسات الحضرية التي ترفع من قدرة المدن على أن تصبح محركات للتنمية الاقتصادية وأماكن لتوفير الثروة وفرص العمل كما يهتم بوضع القوانين التي تحقق التوزيع الأمثل للموارد، حيث يتعامل مع قضايا الإسكان والنقل وتلوث البيئة والجرائم والفقر كما يتعامل مع قضايا التخطيط الحضري من خلال دراسة تقسيم المناطق وأنظمة استعمال الأراضي.
في ستينيات القرن الماضي كان التخطيط الحضري عبارة عن ممارسات عمرانية الغرض منها إعداد الخرائط لمعرفة الكيفية التي يجب تطوير استعمالات الأراضي في المناطق الحضرية بناءً عليها.
وقد ذكر الدكتور فؤاد بن غضبان في كتابه “الاقتصاد الحضري” أنه يمكننا القول بأن هناك ارتباط بين التغير في موقف المخططين والتوسع في الاقتصاد الحضري. فعندما تم أخذ ابعاد الاقتصاد الحضري في الحسبان نمت المدن بطريقة أكثر نضوجًا وأعظم استدامة.”
حيث يُعرّف التخطيط الحديث بأنه عملية مستمرة تهدف إلى ابتكار طرق ملائمة لتنمية وتطوير النظام الحضري من خلال البحث والتصميم.
يرتبط الاقتصاد الحضري بالتخطيط الحضري بشكل وثيق وتتقاطع أعمالهما بشكل مستمر، يمكن للمختص في الاقتصاد الحضري مساعدة المخطط بطرق مفيدة؛ أذكر أبرز هذه الطرق على سبيل الذكر وليس الحصر في التالي:
يتصرف الاقتصادي كحلقة وصل بين المخطط الحضري وبين المخطط للأموال العامة، حيث يترجم الخطط العمرانية إلى مصطلحات مالية توضح العائد على الاقتصاد.
اقتراح السياسات والحلول الاقتصادية الكفؤة لتحفيز التنمية المستدامة في المدينة من خلال الأدوات الاقتصادية.
التقييم النهائي للاستراتيجيات البديلة التي يضعها المخططون.
يتطلب النمو السريع للمدن (التي تعد محركات أساسية للتنمية الاقتصادية)، أن يجتمع قادة المدن من القطاعات العامة والخاصة وغير الربحية في تمويل وتصميم وتنفيذ السياسات الحضرية التي تضمن التحضر المستدام والشامل.
إن تزويد قادة المدن بآليات وأطر تمويل مناسبة تتناسب مع السياق الاقتصادي والاجتماعي والتنظيمي هو الأساس الذي سيحقق قادة المدن الأهداف الاستراتيجية الحضرية الجديدة بناءً عليه.
كما يعد الاهتمام بهذا المفهوم الحديث نسبيًا في أوساط المدن النامية من خلال تضمين هذا المفهوم بشكل واسع في المدارس والجامعات؛ سببًا أساسيًا لتنمية مدننا على أسس منهجية تعد أكثر شمولية وشفافية “ومستدامة”.
إن اهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظه الله في الاقتصاد الحضري يتجسد من خلال رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي أولت بالغ الاهتمام وسخرت كافة الإمكانيات في ضوء أحد محاورها المتمثلة بـ اقتصاد مزدهر وبرنامج جودة الحياة والذي تعكف هيئات تطوير المدن لإعداد واعتماد الاستراتيجيات التي توائم بين مستهدفات مختلف الجهات في القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية لجعل مدن المملكة ضمن مصاف المدن المتقدمة في مختلف القطاعات.
كما يتمثل اهتمام سمو ولي العهد في تطوير المراكز الحضرية من خلال ما تم إعلانه من إطلاق سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- شركة “داون تاون السعودية” والمناطق الاقتصادية الخاصة التي تهدف لإنشاء وتطوير مراكز حضرية ووجهات متعددة ومتنوعة في جميع أنحاء المملكة.
المصادر: كتاب الاقتصاد الحضري والعقار د. جون مكدونلاد & د. دانيال مكميلين – كتاب الاقتصاد الحضري د.عادل عبدالغني- د. سهام صديق – كتاب الاقتصاد الحضري للدكتور فؤاد بن غضبان-
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال